2009: طريــــق الشـــــام

0
95

لسبب قدري، عفوي، غير متعمّد، غير منتبه الى ما صارت اليه التسمية الهندسية، تحولت "طريق الشام" غداة الاستقلال، مجموعة رموز وجدانية عميقة في حياة العاصمة. ففي جزء من هذه الطريق، كانت قيادة الجيش، ومتحف التاريخ، ونصب الجندي المجهول، وأمام هذه المباني والنصب، كان يجري كل تشرين عرض الاستقلال، الذي رفضه فريق وابتهج به فريق. والفريقان، في أكثريتهما، كانت تفصل بينهما "طريق الشام". المسلمون، الى غرب الطريق، الذين في نهايات الاسبوع كانت مواكبهم تتجه الى دمشق لتطلب الوحدة مع سوريا ومصر، والمسيحيون، الى شرقها، الخائفون من بحر العرب، الذين يؤنَّبون ويُعنَّفون، كلما قالوا بلبنان، على أنهم الانعزاليون.

تحولت "طريق الشام" من الفصل الرمزي بين اللبنانيين، عربا وانعزاليين، الى الفصل الجسدي عندما صارت معبر الموت بين شطري المدينة و"خط التماس" وموقع الذل البشري الأكبر: مواطنون لهم علم واحد، يترجّلون من السيارات عند المتحف، حاملين حقائبهم، كي يمشوا نحو سيارة أخرى من "الغربية".

انتهت حرب 1975 على إيقاع الراجمات المتبادلة بين قائدين: ميشال عون وسمير جعجع. وذهب نواب لبنان الى الطائف يوقعون اتفاق السلم، بديل "اتفاق القاهرة". ولم تعد "طريق الشام" عند المتحف، بل صارت طريق دمشق، يسلكها اللبنانيون جماعات هذه المرة، من الشطرين. بل تولى المسيحيون، الانعزاليون سابقا، قيادة الركب، وصار عبد الحليم خدام، بفجاجته المعهودة، يتذمر من أعداد طالبي المثول.

الشطط السابق استُبدل بشطط مختلف. الذين كانوا يمثِّلون الحذر والانعزال طمروا طريق دمشق بالوعود والورود. صالات الفنادق لم تعد تتسع للبنانيين. وفي أول امتحان جدّي، تراجع كثيرون، وأغلقت طريق الشام من جديد.

هذه المرة كان ثمة تغير في الرمزيات: غرب الطريق صار شبيها لبعض شرقها. وانتقل الاثنان الى ساحة الشهداء، يرددون كلاما غير لائق في حق حليفة الامس، فيما ذهب فريق آخر الى ساحة رياض الصلح، رجل الاستقلال، يرفع الشكر الى دمشق. بعض المسلمين، الذي كان يذهب بالقوافل الى سوريا، استحضر علم فرنسا يرفعه في ساحة الشهداء.

بدا المتغير البشري عميقا في تاريخ البلدين وفي حياتهما اليومية. وتزايدت مظاهر العداء وأشكال النفور. واختل أمن لبنان. وصارت بيروت مدينة خوف. واحتدم الصراع الدولي والاقليمي من جديد، على مدينة تحب الشمس والبحر والمكسرات على الكورنيش. وتأزمت أشكال الحكم وسبل السلطة. وانتقلت الاكثرية السياسية من التحالف مع سوريا الى التحالف ضدها، لكن السلطة نفسها بقيت مكانها. وكان المظهر الاكثر درامية للوضع السياسي والوطني، محاصرة رئيس الحكومة وبعض وزرائه في السرايا الكبيرة، فيما كان الشق الآخر من الصورة الوطنية، خروج الوزراء الشيعة، بمن فيهم وزير الخارجية، رمز العلاقات الخارجية.

ثمة مشكلة في كتابة التاريخ الحاضر، لأن جميع شهوده أحياء. لكنني أتساءل الآن، بكل سذاجة وبكل صدق: هل كانت السنوات الخمس الاخيرة ضرورية؟ صيف 2004 أمضيت ثلاثة أيام في دمشق في واجب عزاء جاءت اليه شخصيات سياسية كثيرة، تجمعني ببعضها صداقة ومحبة قديمتان. وكلما جاء حديث لبنان كنت أقول إن التمديد للرئيس اميل لحود سوف يوقعنا معا في أزمة لا نعرف مداها. ولماذا الاصرار على الجنرال لحود؟ هل جان عبيد أقل عروبة او تاريخا؟ هل نسيب لحود أقل ادراكا لأبعاد العلاقة بين سوريا ولبنان؟ لقد اعتاد اللبناني ان ينفر من فكرة التجديد. والعهود في نهاياتها تكون قد أصبحت مثقلة بأحمال كثيرة، فلماذا خوض التجربة مرة أخرى ونحن نعرف سلفا أنها سوف تتحول محنة؟ لم نكن طبعاً نقرأ في المستقبل ولا نضرب في الودع. كنا نقرأ في الماضي الحي، وكنا نخشى ان يتحول التجديد حربا في البلد، وعلى الرئيس، كما حدث مع الشيخ بشارة الخوري، على أهميته السياسية، ومع الرئيس كميل شمعون، على شعبيته الواسعة في أوساط المسيحيين. لقد شق كلاهما البلد كما شقه التجديد لإميل لحود في ما بعد. وكان من حكمة رئيس الاستقلال، ومن كبريائه، ان انسحب الى دارته وكتبه وأغلق دونه باباً يعرف ان اللبنانيين لن يطرقوه في أي حال. فالدنيا، وليس لبنان وحده "مع الواقف". الطبيعة البشرية أضعف من أن تتحمل موالاة فاقد السلطة.

لم تكن العلاقة السورية – اللبنانية سوية في أي مرحلة. كان هناك دائما اختلال ما. والسبب الواضح لهذا الاختلال، ممالأة الفريق الضعيف للفريق القوي، وعدم ثقة الفريق القوي بنيات الفريق الضعيف وصموده. وكان مشهد الخروج السوري أكبر دليل على هذا الخلل العضوي، فلم يكن ينقص حلفاء الأمس سوى اقامة الافراح. وذهب عدد من النواب الى القول علنا إنهم كانوا "مكرهين" في العلاقة السابقة، التي كان الجميع يسمونها قبلا "العلاقة المميزة".

الحقيقة أنه لا يمكن أن تستقيم العلاقة بين البلدين إلا اذا طُوِّرت ونمّيت الى علاقة طبيعية تلقائية، وعفوية. لقد تحولت علاقة المانيا وفرنسا الى ما فوق المميزة عندما صارت علاقة طبيعية، لا خلل فيها. ويشكل البلدان اليوم، ضمن الوحدة الاوروبية الكبرى، وحدة ثنائية استثنائية. وليس من شبه بين تاريخ المانيا وفرنسا وتاريخ لبنان وسوريا، فلا حروب عالمية، لكن الشبه قد يكون في مستقبل العلاقة. وربما كان لقاء الأسد والحريري المدخل الوجداني الى مصالحة عميقة وعلاقة طبيعية وسوية ومميزة في نتائجها، لا في فروضها ولا في لهجتها.

لبنان ليس في حاجة الى من يذكّره دائما بأنه الفريق الاضعف، بل هو في حاجة الى من يطمئنه الى أنه الشريك المطلوب. الفريق الخائف لا يوحي بالثقة، ولا هو قادر على ان يمنحها. وربما كان أجدى وأحب، ان يُعَامَل اللبنانيون باحترام، حتى اولئك الذين لا تعنيهم المسألة كثيرا أو قليلا.

يجب أن نعيد الى الكلمات التي نرددها معانيها، لئلا تظل العلاقة مشوبة بالزيف والتربص وأخطار الخلل. ولا يمكن أن نبني على الماضي، فهو في بعضه مرير، ولا على المكونات السطحية "كالمصاهرة" التي لا تشكل أمما ولا شعوبا، وانما على المكونات الطبيعية والدائمة لحقيقة العلاقة، ويكون ذلك بنقل العلاقة من الازلام الى الرجال، ومن النفعيين الى النفع، ومن الحذر الى الثقة، ومن الخوف الى الطمأنينة.

كُتب لسعد الدين الحريري ان يكون امتحانه الاول في رئاسة الوزراء، هذا اللقاء البالغ التاريخية مع الرئيس بشار الاسد. ذلك هو الحدث الاول. الحدث الأهم ان نرى كيف ستنعكس المحادثات على هذه العلاقة المضطربة والمتأرجحة بحيث تصير علاقة في مستوى الأخوة والجوار.

النهار

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.