رأسمالية متبصرة وأخرى غشوم!!

0
56

المفكر الفرنسي المعروف دومينيك موييزي، هو مؤسس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، نائب رئيس المعهد الفرنسي للأبحاث الدولية، أستاذ بكلية أوروبا في ناتولين بمدينة وارسو، فضلا عن أنه أستاذ زائر بجامعة هارفارد. ومؤخراً صدر له كتاب في فرنسا تحت عنوان "الجغرافية السياسية للعاطفة". (أو "جيوسياسة الانفعال"). وفي حوار معه بعد صدور الكتاب، لخّص الفرق بين قدرة أميركا وأوروبا على تجاوز الأزمة المالية العالمية، فقال إن "أميركا اختارت الأمل في وقت كانت فيه أوروبا تميل إلى أن تكون حبيسة الخوف"!

ومع الاهتمام الكبير بالأزمة المالية العالمية وأسبابها وما كشفت عنه من نقائص، يحظى الكتاب باهتمام كبير، وبخاصة لجهة تشريح الرجل لبنية هذه النظرية الاقتصادية التي صبغت القرون القليلة الماضية من تاريخ العالم بصبغتها. ومن انتقاداته اللاذعة للرأسمالية أنها جعلت "الفردية الأميركية" من الآلهة حيث تبقى حتى بعد الأزمة المالية العالمية القوة الدافعة في الثقافة الأميركية، إذ تقف وراء الاستقلالية، والإبداع، والأمل، لكنها "خلقت نوعا من الأنانية" (تكرر في الخطاب الذي يستهدف تحليل أسباب الأزمة المالية العالمية مقولة "نظرية تحول الفردية إلى أنانية"). ومن ناحية أخرى فإن "الثقافة الأميركية التي ظلت تفخر بالعقلانية والبعد عن العواطف، صارت تتحول تدريجيا نحو ثقافة يحركها الطمع وحب المال وتفضيل النفس على الآخرين".

والكتاب ضمن قائمة مؤلفات مماثلة تعبير عن إقرار أميركي بأن الأسباب العميقة للأزمة ثقافية لا اقتصادية. وفي الحقيقة فإن الأزمة أشعلت نقاشات أقرب إلى الحرائق لم تخل من التزيد وإطلاق الأحكام التبسيطية والاستعادة المشبوبة لكل ما له صلة بالماركسية من مقولات وأدبيات، وهو ما جعل البيت الأبيض نفسه في سابقة مهمة يجد نفسه مضطرا للدفاع عن الرأسمالية، فأطلق الرئيس بوش تصريحه الشهير: "ليست الرأسمالية نظاما مثاليا، لكنها أحسن نظام موجود".

وفي الحقيقة، فإن الأزمة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن أطرافها جميعا منتجين مستهلكين ومقرضين ومقترضين ومصارف و.. .. جميعهم تحكمهم عواطف!!!

لوسيان سيف، فيلسوف فرنسي كتب في (لوموند ديبلوماتيك كانون الاول 2008) تحت عنوان: "الهجوم المعاكس لكارل ماركس" واصفا كيف تمخضت الأزمة المالية العالمية عن سجال أيديولوجي بل صراع ثقافي كبير، ففي لندن، كتبت الديلي تلغراف: "سيبقى 13 تشرين الاول 2008 في التاريخ اليوم الذي اعترف فيه النظام الرأسمالي البريطاني بفشله" وفي نيويورك، رفع متظاهرون أمام وول ستريت، لافتات كُتب عليها "ماركس كان على حقّ!". وفي فرانكفورت، أعلنت إحدى دار نشر أنّ مبيعات "رأس المال" لماركس زادت ثلاثة أضعاف و.. .. ..

ومع تصاعد المدّ، أصبحت هنا أوركسترا تعزف معا لحنا واحدا عنوانه "الرأسمالية بلا قلب"، وأحياناً يضيف بعضهم أن للرأسمالية أنياباً ومخالب لا تبتغي بها سوى انتزاع الربح مهما كان الثمن، دونما أي اكتراث بأي اعتبارات إنسانية.. لكن يبدو أن تلك المقولات باتت مرشحة للخفوت لتعلو أصوات ترى أن بالإمكان استيعاب عبرة المحنة وصياغة "رأسمالية متبصرة"!

الخبيرة المرموقة باتريشيا آبردين، التي تعد من أشهر الخبراء في الولايات المتحدة في مجال التنبؤ بمستقبل الاتجاهات الجديدة في الاقتصاد، ومن تنبؤاتها الشهيرة أنها تنبأت في كتابها الأول بميلاد اقتصاد المعلومات ولم يكن ولد بعد، وهي في كتاب جديد تتوقع ميلاد "رأسمالية أخلاقية"، الكتاب عنوانه: "الاتجاهات الكبرى لعام 2010م" وفيه تؤكد أن مؤسسات اقتصادية كبرى باتت تمر حالياً بمرحلة تحول أخلاقية، مشيرة إلى أن القيم بدأت بالفعل تصبح مكوّناً في ثقافة الأعمال. وتشهد بيئة الأعمال ظاهرة إيجابية تتمثل في اهتمام الكثيرين بتلمس سبل جعل الممارسات الروحية والقيم الأخلاقية جزءاً لا يتجزأ من العمل الذي يقومون به. ومن الإحصاءات المدهشة في الكتاب أن هناك ما يقدر بـ70 مليون مستهلك أميركي يتخذون قراراتهم الشرائية بناء على أسس تتعلق بالقيم والأخلاق!.

وحسب استطلاع لمركز أميركي لبحوث التسويق شمل قرابة 25 ألف شخص في 23 دولة، فإن ثلثي هؤلاء الأشخاص يرون أنه من الضروري أن تتسع أهداف المؤسسات الاقتصادية إلى ما هو أشمل من مجرد تحقيق الربح لتمتد إلى الإسهام في تحقيق الأهداف المجتمعية الأوسع دائرة.

من الأفكار المهمة في الكتاب أيضا، أن المؤسسات الاقتصادية نفسها بدأت تعترف بأنه في ظل الاعتماد الكبير على التكنولوجيا والابتكار والاختراع، لا يمكن الحفاظ على مستوى معين من الابتكار دون أن تسعى المؤسسة للاعتماد على الروح الإبداعية الكامنة في نفوس موظفيها. وهذه المؤسسات مضطرة للقبول على مضض بأنه لا يمكن اكتشاف روح الإبداع والإلهام والابتكار سوى في أعماق الجانب الروحي من النفس البشرية.

وفي لغة تبشيرية تؤكد باتريشيا آبردين: "لقد صرنا الآن مدركين للتكاليف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية غير المنظورة التي نتكبدها بسبب النمط التقليدي العتيق من النظام الرأسمالي الذي يمكن أن نطلق عليه اسم "الرأسمالية الغشوم".

وفي إطار بناء الجسور بين عوالم بدا لزمن طويل أن المواءمة بينها مستحيلة، شهد العام 2009 صدور دعوتين للاستفادة من المصرفية الإسلامية كتجربة ناجحة، فقد تضمنت دراسة صدرت عن "خدمة أبحاث الكونغرس" إشادة بالبنوك الإسلامية لكونها "أكثر صلابة في مواجهة التراجع الاقتصادي العالمي والأزمة المالية الدولية مقارنة بالبنوك التقليدية"، وفي توقيت متزامن تقريبا، دعت صحيفة الفاتيكان الرسمية المعروفة باسم "أوبسيرفاتوري رومانو" للاستفادة من البديل الإسلامي. وقال مقال منشور فيها "إذا قارنا الأزمة الحالية مع أزمة سنة 1929 لوجدنا حجماً هائلاً من السيولة الفائضة موجودا لدينا اليوم لكنه مصاب بالجمود، ولا بد من إرجاعه للنشاط، وليس أفضل من إصدار الصكوك لتحقيق هذه المهمة. وكذلك الحال بالنسبة للمبادئ الأخلاقية التي تمثل قاعدة للتمويل الإسلامي".

وأهم ما في الخطاب الفاتيكاني القول بأن: "النظام المالي الإسلامي قادر على المساهمة في إعادة تشكيل قواعد النظام المالي الغربي، ونحن نرى أننا نواجه أزمة مالية لا تقتصر على مسألة شحّ السيولة، لكنها تعاني من أزمة انهيار الثقة بالنظام ذاته. يحتاج النظام المصرفي العالمي إلى أدوات تمكّن من إرجاع القيم الأخلاقية إلى مركز الاهتمام مرة أخرى".

صحيح أن القيم من عالم ما لا يقاس، وأن الاقتصاد من عالم الأرقام، لكن بناء الجسور بينهما ممكنة، وإذا بنيت هذه الجسور فربما ولدت الرأسمالية المتبصّرة!

"الشرق الاوسط"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.