الحريري في دمشق ضمانٌ لاستقرار ومستقبل لبنان

0
118

لن نتعرف الى العمق العاطفي للحظة التاريخية التي جمعت رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بالرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري. ولن نجتاز المسافة الشخصية التي قطعها سعد الحريري ابناً للرجل الذي أطلق اغتياله مسيرة العبور الى قيام الدولة اللبنانية المستقلة. ما نعرفه هو أن زيارة سعد الحريري دمشق أسفرت عن بدء علاقة مؤسساتية جديدة نوعياً بين لبنان وسورية قائمة على مبدأ الدولتين المستقلتين فأجهضت بذلك علاقة التبعية المملاة أو التلازم المفروض، ليس بقرار انفرادي وإنما بموافقة سورية على تقنين العلاقة الثنائية بالمؤسسات الحكومية ذات السيادة المتوازية وعلى البدء العملي بترسيم الحدود بين البلدين وعلى طرق عمل جديدة تمتّن فعلياً مفهوم سيادة الدولة اللبنانية. هناك شكوك عند بعض مَن يتحدث عن الدهاء السياسي والحنكة السياسية البارعة في دمشق ويخشى مما يُحاك وراء الكواليس لإفراغ العلاقة العملية بين البلدين من مضمون الانطباع الذي تركته زيارة الحريري، فتعود سورية للتحكم بلبنان من باب مختلف ويعود لبنان الى نقطة الصفر في أعقاب ثورة دفع ثمنها جميع ضحايا الاغتيالات السياسية. بالطبع هناك مبررات لانعدام الثقة، إنما هذا يجب ألا يعيق النظر الى الأمور بواقعية سياسية ضرورية. فما حدث هو إنجاز. ما حدث في دمشق أثناء زيارة الحريري إنجاز وما استُثمرت فيه دماء ضحايا الاغتيالات السياسية لم يذهب هدراً وسدىً.

 

سعد الحريري لم يبحث مع بشار الأسد في المحكمة الدولية التي هي وحدها المسؤولة عن مسيرة التحقيق في الاغتيالات ومحاكمة الضالعين فيها. ولم يبحث مسألة الاستنابات التي هي قضائية/ سياسية. ما في حوزة المدعي العام ورئيس التحقيق الدولي، دانيال بلمار، لا علاقة له بزيارة الأسد دمشق، بل ان أي إجراء يتخذه قريباً هو قضائي بحت لا علاقة له بالتسييس كما يحلو للبعض القول. سعد الحريري يفهم ذلك وبشار الأسد يفهم ذلك أيضاً. فالرئيس السوري بالتأكيد يميز بين ما هو دعائي أو موجه للامتصاص وللاستباق وبين ما هو وارد حقاً في العلاقات الدولية. يعرف ان الكلام عن «إلغاء» القرار 1559 هو للاستهلاك إذ إن «إلغاء» قرار يتطلب استصدار قرار آخر ينص على استكمال تنفيذ القرار المعني. إذاً، لا حاجة للإلغاء ولا مجال للإلغاء وحديث الإلغاء هو للإلهاء. ما يهم الرئيس السوري بالدرجة الأولى في هذا المنعطف هو إعادة هيكلة العلاقة السورية – اللبنانية، بما يتماشى مع مصالح سورية الإقليمية والدولية، وهذا حقه السيادي. ما يهم رئيس الحكومة اللبنانية أيضاً هو إعادة الهيكلة وإطلاق العلاقة الجديدة عبر آليات تثبت حسن النيات والعزم على علاقة ثنائية قائمة على احترام الدولتين سيادة واستقلال بعضها بعضاً، وهذا هو طموحه السيادي. جزء من أهمية زيارة دمشق هو أنها وضعت الطرفين تحت مراقبة إقليمية ودولية. هناك بالتأكيد تأثيرات كبرى إقليمية ودولية أدت الى الزيارة، انطلقت أساساً من سياسات استراتيجية كما من إجراءات تكتيكية. المرحلة المقبلة تبشر بالخير من حيث المبدأ، إنما هناك حاجة ماسة لجردة عملية وواقعية لخريطة المنطقة المتقلبة واحتمالات انعكاسها في الساحة اللبنانية، كما هناك حاجة لأن يقوم اللبنانيون بجردة داخلية تصون فورة الازدهار وتؤدي الى الاستقرار. فالجميع ما زال في مرحلة الاختبار والكل يراقب الكل بخوف وحذر داخل لبنان وفي إيران وعبر أحداث اليمن. إنما ما حدث بين سورية ولبنان الأسبوع الماضي يقع في خانة الإنجاز لأنه دشّن العلاقة الثنائية المؤسساتية القائمة على المفهوم التقليدي لسيادة الدولة.

 

قيل إن «حزب الله» ليس مرتاحاً لنتيجة زيارة الحريري دمشق وإن إيران ليست معجبة بفكرة توطيد أواصر علاقة الدولتين لأنها أتت نتيجة جهود دولية، جزء منها انصبّ في استراتيجية إبعاد سورية عن إيران. قيل أيضاً إن الضغوط الأميركية والدولية على دمشق شددت على ضرورة توقف سورية عن إضعاف عملية بناء الدولة اللبنانية، وذلك عبر الكف عن استخدام الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل لبنان وعن توفير طرق وصول السلاح الى «حزب الله».

 

ما أوضحته إدارة باراك أوباما للطرفين اللبناني والسوري هو أنها قلقة من سلاح «حزب الله» ليس كمّاً فحسب وإنما من جهة النوع. فالتطور النوعي لترسانة «حزب الله» أمر تخشى واشنطن أن يتحوّل الى مفتاح حرب كبيرة في المنطقة وذريعة لدى إسرائيل لاختلاق حرب في لبنان.

 

وأبلغ الرئيس الأميركي رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال سليمان، أثناء زيارة الأخير واشنطن مطلع هذا الشهر أنه قادر على الصبر قليلاً كي يثمر الحوار اللبناني موافقة «حزب الله» على صيغة تعالج سلاحه كي لا يبقى الحزب دولة داخل دولة، بل يصبح جزءاً من الدولة اللبنانية ويأخذ مكانه ومكانته فيها. إنما ما أكد عليه أوباما تكراراً هو أن لا مجال للقفز على أي من بنود 1701 الذي يتضمن بند نزع السلاح بما يضمن استقرار الدولة اللبنانية بحق استخدام القوة في كامل أنحاء لبنان. قال ان لا تخلي عن القرار 1701، بل ان المماطلة في تنفيذه قد يكون مكلفاً.

 

أوضح الرئيس الأميركي أن إسرائيل لن تتمكن من التعايش مع سلاح «حزب الله» وهو يتزايد كمّاً ونوعاً، وأن من الضرورة سحب ذريعة الحرب من إسرائيل ليس فقط حرصاً على لبنان وإنما أيضاً لأن ذلك مفتاح مهم من أجل صنع السلام في المنطقة بدلاً من السماح لحكومة بنيامين نتانياهو اختلاق حرب للتملص من ضغوط صنع السلام.

 

الأمر ما زال اليوم عائداً الى «حزب الله» والى إسرائيل في مجال صنع الحرب في لبنان، عمداً أو سهواً. سورية أوضحت تكراراً أن خيارها الاستراتيجي ليس الحرب وإنما التفاوض على السلم. أوضحت خلال زيارة الحريري أنها تريد علاقة جديدة مع لبنان ليست قائمة على منطق استخدام المقاومة عبر لبنان وإنما منطق إنشاء علاقة اقتصادية على نسق النموذج التركي ومنطق تقنين العلاقة الثنائية عبر المؤسسات الحكومية كالوزارات بعيداً من النموذج القديم في العلاقات الثنائية الأمنية المبرمجة على الاستخبارات.

 

ربما يكمن أحد أسباب النقلة في المعاملة السورية للبنان في هذا المنعطف هو رغبتها بأن تكون رائدة وقائدة لدى واشنطن في صنع السلام وإنجاح جهود باراك أوباما نحو حل النزاع العربي – الإسرائيلي. وهذا يتطلب التحوّل من استخدام لبنان ساحة للتصعيد الى الشراكة معه في علاقة جديدة تلفت أنظار وإعجاب واشنطن والعواصم الأوروبية.

 

قد يقال إن سبب الإفراط في الحفاوة والإصرار على علاقة شخصية مباشرة مع الرئيس سعد الحريري هو طمأنته لاستيعابه عاطفياً وسياسياً استدراكاً لما هو ممكن أن يصدر عن المحكمة الدولية التي تتناول ملف اغتيال أبيه. فالرئيس بشار الأسد ذهب الى قصر «الضيافة» مرتين لمرافقة الرئيس الحريري الى ما مجموعه 9 ساعات في 4 جلسات خصص لها وقتاً علماً أن مكان الاستضافة بحد ذاته له دلالة على المكانة والمعاملة، وكذلك عدم الانزعاج من تكريس دور السفارة اللبنانية عبر عقد الحريري مؤتمره الصحافي فيها.

 

إنما الواضح والجلي هو أن لقاءات الحريري مع الأسد لم تتطرق الى المحكمة الدولية ولا الى الاستنابات ولا الى كلام الصفح عن الماضي أو توجيه اتهامات التورط في الاغتيالات ولا لطي صفحة الماضي، وإنما ركزت على استطلاع آفاق المرحلة الجديدة والتطلع الى الأمام.

 

فصل المحكمة الدولية عن العلاقة الثنائية أمر بالغ الأهمية، لا سيما أن هناك حركة تفيد بأن لدى دانيال بلمار جديداً. إنما لو تقدم المدعي العام بقرار ظني ضد أفراد في لبنان أو في سورية، أو لو تقدم بلمار رئيس التحقيق بطلب اعتقالات قريباً، فلن تكون علاقة لذلك بالزيارة أو بالردود عليها. فالذين يعلمون من هم وراء اغتيال رفيق الحريري ووراء اغتيال أي من يثبت التحقيق ارتباطه باغتيال الحريري يدركون أن المحكمة الدولية خرجت عن سلطة وإرادة الحكومة اللبنانية، وأن الأمر عائد الآن الى فرد اسمه دانيال بلمار له صلاحيات الادعاء وله صلاحيات رئاسة التحقيق. ولذلك، ربما أخذ هؤلاء احتياطاتهم بمختلف أنواعها، من ملفات إثبات البراءة الى إجراءات التصفيات المسبقة لمنفذي هذه الجرائم.

 

المهم أن هناك فصلاً للمحكمة عن السياسة ولا داعي لجرِّها أو تحميلها أعباء سوى عبء القضاء. ومفهوم تماماً ذلك الانقسام العاطفي حول زيارة الحريري دمشق، لا سيما بين أهالي الضحايا. كلام التفاؤل والتشاؤم ليس كلام السياسة الواقعية، إنما يأتي وقت يضيع الناس فيه بين شتات القلق والخوف وينسون إنجازاتهم ويرمونها في أحضان التشاؤم، وعندئذ يتطلب الأمر تذكيرهم بحقهم بالتفاؤل. الناس هم من انتصر في لبنان والناس هم الطرف الذي له حق الاستفادة من فسحة الأمل المتاحة. يتحمل القطاع الخاص أيضاً مسؤولية الاستثمار في البنية التحتية وليس فقط القطاع الحكومي. حس المواطنة ضروري للجميع من دون استثناء، فهكذا يتم استكمال بناء الدولة.

 

تبقى مسألة ماذا سيحدثنا التاريخ عنه أو سيحدث أبناءنا وأحفادنا عندما يُشار الى لقاء الرئيس سعد الحريري بالرئيس بشار الأسد؟ اليوم، هناك من يقول إن لولا انقلاب أحد أهم أركان 14 آذار، وليد جنبلاط، على ما كان في ذهن قياداتها لما تمكّن سعد الحريري من إتمام زيارة كهذه على الإطلاق. فهو الذي مهّد عملياً للزيارة وهو الذي قدم نفسه قرباناً ليشتري الاستقرار للبلد بعدما كان العمود الفقري لثورة الأرز و14 آذار ووُصِف حينها بالرجل الميت الذي يمشي حيّاً.

 

المشكلة في صدمة التغيير، أحياناً، بغض النظر إن كانت المآخذ في محلها أو غير مبررة. المهم اليوم ان لبنان دخل عتبة جديدة في علاقاته مع جارته سورية، علاقة السيادتين في الدولتين المستقلتين. العبرة في التنفيذ بالطبع، إنما هذا لا ينفي الإنجاز المهم في مسيرة تكاد تكون اقتطعت من الأساطير.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.