هدنة من دون برامج

0
98

حسام عيتاني

 

نعيش في المشرق العربي وفي لبنان، وبحسب ما أبلغنا السياسيون، فترة هدنة تتقلص فيها حدة الصراعات الإقليمية والدولية وتخفت فيها أصوات مُنكرة ونشاز، لتعلو مقابلها نغمات يُحسن أصحابها العزف على أوتار الواقعية والعقلانية والانفتاح وقبول الآخر والتعالي على الجراح…

 

طويت صفحات الماضي القريب وأحيلت القضايا العالقة على المراجع المعنية بها من محاكم ولجان وهيئات متخصصة، وانصرف القوم إلى البحث في فرص استغلال الاستقرار المرجو والموعود والأساليب الكفيلة بتشجيع الاستثمارات الاقتصادية التي يقال إنها واعدة جداً بالنسبة الى لبنان وجواره وأن مستقبل هذه البلاد سيكون زاهراً إلى حدٍ ينسى فيه أهلها ما أصابهم من نوازل الأعوام الأربعة أو الخمسة المنصرمة.

 

وإذا كانت الأطراف العربية والدولية التي تورطت في النزاع اللبناني في حاجة الى فترة من الهدوء تعيد فيها تجميع قواها وتفقّد مكاسبها وإحصاء خسائرها، بعد عقد عاصف بدأ مع «غزوة نيويورك» في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وربما يكون قد انتهى مع الحرب الإسرائيلية على غزة، وما بين الحدثين من حروب واحتلالات وتغيرات عالمية، فإن السؤال الباحث عن جواب اليوم يتعلق بالكيفية التي سيدير فيها العرب واللبنانيون الاستقرار الموعود.

 

لنتفق أن مواضيع الخلافات الكبيرة التي تتواجه حولها حكومات الشرق الأوسط وشعوبه من الصراع العربي – الإسرائيلي الى البرنامج النووي الإيراني مروراً بالعلاقات العربية – العربية والعربية – الإيرانية، ووصولاً الى أزمات النظام السياسي العربي بالجملة (بالنسبة الى معناه والمصالح المشتركة بين الدول العربية والسياسات الكبرى التي يفترض بها حماية المصالح تلك) وبالمفرق (عبر تجديد «النخب» السياسية الحاكمة ونقلها من حال الى حال ومن رؤية للعالم الى واحدة أكثر عصرية وأقرب الى الحداثة)، نقول إن اتفاقنا على أننا لن نحقق تقدماً يذكر في المجالات هذه أو غيرها، اعتماداً في الدرجة الأولى على الصورة المتشائمة لتقرير التنمية البشرية العربية الخامس، وفي الدرجة الثانية على ركود الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية العربية ركودًا ما بعده ركود، فلن يكون مفاجئاً ان نجد جدول أعمالنا خالياً أو شبه خال من أي نقاط يتعين علينا إنجازها قبل هبوب الرياح المقبلة.

 

المستوى اللبناني المحلي مثال على انعدام الرؤية لاستغلال الهدنة المستجدة. وإذا تبين أن المشكلات السياسية أصلب من أن تتحملها فترة الهدوء الحذر الحالية، أرجئ النظر فيها ودفعت الى المستقبل البعيد، عل وعسى يحمل هذا ما لا قدرة للبنانيين اليوم على تحمله. فلا قانون الانتخابات البلدية ولا تعديل الدستور في سبيل تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية أمور ملحة، هذا ناهيك عن مسائل السلاح والنظام السياسي وحصص الطوائف في الحكم.

 

ولا يغيب عن البال أن الأحداث في منطقتنا تقع في كثير من الأحيان من دون إنذارات كافية وأن الهدوء الذي يلي الاضطراب قد يكون عين الهدوء الذي يسبق العاصفة. عليه، قد تبرز الأحداث الكبيرة من دون سابق تصور أو بسبب نقص في قراءة المعطيات السياسية الضرورية. فالتفاؤل السائد لم يأخذ في الاعتبار، على سبيل المثال ما قد تسفر عنه الانتخابات العراقية التي تبدو الطريق إليها شديدة الخطورة، ولا تقدم تصوراً وافياً لآليات العملية السياسية الإسرائيلية في مواجهة مسائل الاستيطان وتسلح «حماس» و «حزب الله» وبلوغ المفاوضات مع طهران الدرب المسدود في شأن برنامجها النووي.

 

مهما يكن من أمر، إذا كانت الرغبة كبيرة في الاستفادة من الهدنة ولو ضمن الحد الأدنى، فلمَ لا؟

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.