تركيا بلد على حافة الانفجار

    0
    63

    لو استطعت أن أتولى ليوم واحد وظيفة رئيسة التحرير في الصحيفة التي تستخدمني، لاخترت بلا شك أن أتحدث في الصفحة الأولى عن التشنجات الخطرة التي تظهر حالياً بين الأكراد والأتراك، ولاخترت العنوان الآتي "نحن خائفون!" وهذا هو بالتأكيد السبب الذي يحول أبداً دون تعييني في هذا المنصب: في تركيا، لا يقوم دور رئيس تحرير الصحيفة بالضرورة على وصف الواقع أو قول ما يجري في البلاد. على العكس، يقتضي هذا المنصب أحياناً الانكفاء، وفي شكل خاص عدم المبالغة. ربما كان هذا الموقف الأكثر عقلانية. في الواقع، قد يشعر الناس بخوف أكبر عندما يرون مخاوفهم منشورة أمامهم في الصفحة الأولى. عندما نؤكّد حقيقة خوف ما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم هذا الخوف. لكن إذا كان دور الصحافي يقوم على نقل الصورة الأدق عن حقيقة اللحظة، فلن يكون لافتتاحيتي سوى عنوان أوحد: "نحن خائفون!".

    غالباً ما تولد المخاوف من نقص المعلومات. لكن في الحالة الراهنة، الوضع مختلف. فقلقنا تغذّيه في الواقع شبهات وحتى وقائع. لكن ما الذي نخشاه بالضبط؟ لم نجرؤ قط على قول ذلك حتى الآن، لكن ما نخشاه إلى هذه الدرجة هو بكل بساطة احتمال اندلاع حرب أهلية – حرب من الواضح أنها ستندلع في قلب المدن الكبرى في البلاد ولن يكون لها طابع واحد ومنظّم. إنها حرب قد تبدأ بتصفية أشخاص بصورة متقطّعة ثم تُستكمَل بصدامات خطرة إلى حد ما. هذا ما أخشاه. قد يجيبونني بأنني ربما أستبق الأمور بعض الشيء، لكن بالنسبة إلي لقد بدأت هذه الحرب الأهلية. يجد المجتمع نفسه، على الصعيدَين النفسي والسياسي، في وضع حيث لم يعد يُنتظر سوى إشارة للدخول في حرب. فالناس في الشارع يتحدّثون علناً عن احتمال أن يبدأ التقاتل الداخلي. لنكن أكثر وضوحاً، من يتكبّد عناء الإصغاء إلى الكلام الذي يجري تداوله في الشارع خلال الليل، يسمع في كل أقاليم البلاد تقريباً ما عدا في الشرق [ذي الغالبية الكردية] أناساً يتحدّثون عن الطريقة التي سيهاجمون بها عائلة البقّال الكردي الذي يملك متجراً في الزاوية. يتكلّمون من دون أن يرف لهم جفن عن هذه العائلة الكردية أو تلك التي سيطردونها أو يشرحون كيف سينظّفون الضواحي الفقيرة في الأطراف التي تحوّلت "أحياء كردية".

    هذا ما يتحدّثون عنه اليوم. جل ما ينقص هو شرارة. والأسوأ هو أنه ليس هناك أحد على رأس هذه العملية. إنه تطوّر لا نستوعبه في واقعه كاملاً لا في أنقره ولا في اسطنبول، أو نجد ببساطة صعوبة في الإقرار به. في هذا السياق، تكلّمنا كثيراً عن إزمير [حيث وقعت مواجهات بين أتراك وأنصار لحزب المجتمع الديموقراطي المحظور الموالي للأكراد]. ما رآه عدد كبير من الصحافيين، وأنا منهم، أصابنا بالقشعريرة. لكن مقارنةً بالكلام المخيف الذي يصدر عن أشخاص عاديين في طربزون [على البحر الأسود] ويوزجات وماراش [في الأناضول الوسطى] وأضنة ومرسين [على ساحل المتوسط]، تبدو إزمير واحة اعتدال.

    أحد الأمور الأكثر إثارة للخوف هو أن الناس لم يعودوا يميّزون بين "إرهابي" و"كردي". حتى الأولاد ليسوا بمنأى عن هذا الكره. في سياق مماثل، ألسنا على حافة الانفجار؟ لقد أصبح الوضع خارجاً جداً عن السيطرة إلى درجة أن لا شيء يرضي بعد الآن الطبقة السياسية الكردية، تماماً كما أن الملصقات الكبرى التي نرى فيها رئيس الوزراء أردوغان يجلس باعتزاز قرب العلم التركي لا تكفي لتهدئة الطبقة السياسية التركية. أكرّر: نحن في بلد حتى الأولاد فيه حُرِّضوا بعضهم على بعض، وحيث بتنا نثير علناً احتمال التقاتل.

     

     

     

    ("ميلييت" التركية ترجمة نسرين ناضر) 

    "النهار"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.