يلتقون في القاهرة

0
62

عندما بدأت المصالحات العربية – العربية بمبادرة سعودية تجاه سوريا قيل اننا يمكن ان نكون على طريق استعادة المحور العربي المصري – السعودي – السوري.

واليوم، بعد اشهر طويلة على انتظار نتائج المصالحات يكاد يختفي الكلام عن مثل هذا المحور، وتحل محله حالة من العلاقات الثنائية المحيّرة.

وحدها القاهرة تبدو في الفترة الاخيرة نقطة تقاطع عدد كبير من "الرغبات" الديبلوماسية التي تجعلها متقدمة بين متساوين.

لقد كان لافتا الاندفاع العراقي الاخير في اتجاه القاهرة، وصولا الى اعلان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ان عودة مصر الى العراق توجد توازنا هناك.

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في الزيارة نفسها كان سخيا في العروض الاقتصادية لمصر، وكان واضحا من لهفته على القاهرة انه يريد التعويض عن الاضطراب المستمر في علاقة بغداد بكل من دمشق والرياض.

ولم يوازِ اللهفة العراقية سوى لهفة ايرانية مستجدة تجاه مصر عبّر عنها رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني اثناء زيارته للقاهرة والمتزامنة مع زيارة الوفد العراقي.

تزامن آخر كان لافتا هو الاحتكاك الايراني – العراقي حول البئر النفطية على الحدود بين البلدين فيما كان ممثلا البلدين يخطبان الود المصري.

بل لقد ذهب لاريجاني الى حد التنظير الى ان الخلاف في السياسات والرؤى ليس عائقا امام تطوير العلاقات بين البلدين ودعمها. لا بل انه اشاد بما قدمته مصر للفلسطينيين فيما كانت "حماس" التي تدعمها طهران تتظاهر على الحدود المصرية – الفلسطينية عند رفح على اقامة الجدار الفولاذي لمنع التهريب الى غزة.

وهذا الاندفاع العراقي والايراني نحو مصر لم ينعكس سلبا على علاقات مصر الاخرى. فالعلاقات مع السعودية تبقى محورية والقمة السعودية – المصرية بحثت امس كل الملفات الساخنة. ولم يشكل الدفء المستجد بين الرياض ودمشق حساسية للبرودة المستمرة بين القاهرة ودمشق.

كذلك تبدو مصر مطمئنة الى تقاربها مع ايران رغم ان الاشتباك السعودي – الايراني متشعب، في اكثر من ساحة، وعلى اكثر من وتيرة. وطبعا الاستجابة المصرية للنداءات العراقية لا تبدو انها تثير اي امتعاض سعودي او سوري.

هل هي مرحلة النضج في العلاقات العربية – العربية؟ ام مرحلة فقدان الامل من استعادة عمل عربي مشترك حول محور متماسك؟

ايا يكن الجواب فان الديبلوماسية المصرية تستمر في مراكمة "النجاحات"، واستثمار موقعها الفريد بين الدول العربية. فهي اضافة الى القدرة على بعث الدفء في علاقتها بايران، قادرة على الاحتفاظ بعلاقات ودية مع تركيا ومع اسرائيل. اي انها الطرف العربي الوحيد الذي يستطيع اليوم مد الجسور مع عواصم "المحيط العربي" الثلاثة: طهران وانقرة وتل ابيب، فيما العلاقات بينها هذه لا تتجاوز التفاهمات الثنائية. وفي الحالة الاسرائيلية هناك تدهور في الفترة الاخيرة الى حد اقتصار الطموحات على استعادة بعض الوضع الطبيعي مع انقرة.

واذا وسّعنا الدائرة نجد ان القاهرة تحظى بعناية خاصة في علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا، عبّر عن ذلك اختيار اوباما القاهرة منبرا للتوجه الى العالمين العربي والاسلامي، مثلما عبّر عنه جعل سياسات ادارة جورج بوش المشتبكة مع القاهرة حول الاصلاح والديموقراطية من الماضي السحيق.

اما روسيا الطامحة الى ادوار، ديبلوماسية، متجددة في المنطقة، فان مصر تبقى الثابت في مساعيها للمشاركة في عملية السلام في المنطقة وآخرها الرغبة الروسية في مؤتمر للسلام يُعقد في موسكو.

كل هذه الادوار والاوراق التي حصّلتها وتحصّلها مصر، تبدو وكأنها تقع بين يديها من دون جهد كبير. اذ لم يعرف عن القاهرة اليوم انها صاحبة رؤيا يمكنها ان تغزو المنطقة شعوبا وحكومات. وهي في كل محاولاتها الديبلوماسية تتوقف وتنسحب عند اول عثرة.

إذاً ما الذي يجعلها تحصد من دون زرع، على ما يبدو؟ في زمن الانهاك الذي يصيب المتصارعين والطامحين الى ادوار تفوق الامكانات، وفي زمن تراجع الخطابات الجامعة وتآكل الشعارات، جديدها وقديمها، تعود القاهرة لتكتسب معنى اضافيا لا يتطلب منها اكثر مما تقوم به: اكثر من لا شيء بقليل.

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.