إقناع جندي إسرائيلي.. أجدى وأنفع!

0
82

بذل الجهد على إقناع جندي إسرائيلي، ليس من نوع رفض التعامل مع السياسيين والنواب الأوروبيين والأميركيين، وخصوصاً أعضاء الكونغرس الأميركي بغرفتيه: النواب والشيوخ، بل من نوع تنظيم وتوجيه الأولويات، كون أغلبية كبيرة في المجلسين تؤيد إسرائيل "على العمياني"، ربما أكثر مما يؤيدها بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي. هذا تحديداً ما قاد رئيس نادي الأسير الفلسطيني قدورة فارس ليعلن إلى إحدى الإذاعات، أنه يفضل التوجه وبذل جهد المحاولة في إقناع جندي إسرائيلي إن سمح له بذلك على حاجز من مئات حواجز الاحتلال المقامة لتعطيل حياة الناس في الضفة والقدس وتقطيع أوصالهما، وعدم تسهيل التواصل والتعامل بين المواطنين فيهما، وأن ما يفعله يترك مرارات وأحقاداً وغضباً، ويوطد في النفس رفضاً، ويراكم من مساحات عدم الرضا أو القبول بإهانات تتلاحق وتنصب في وجه المواطن، لتجعله غير راضٍ عن نفسه، إن هو لم يرد الإهانة بمثلها، وغير راضٍ بتاتاً عن وجود قوات احتلال تذيقه وتذيق شعبه ويلات الإذلال والإهانات وتسويد العيش، وتعطيل الحياة الإنسانية العادية.

ولهذا اعتبر قدورة فارس أن إقناع الجندي من الأولويات، لأن ما يتقرر في إسرائيل، هو ذاته ما يتبناه أعضاء في مجالس؛ همهم ودأبهم دائماً وأبداً إرضاء إسرائيل واللوبي اليهودي، خصوصاً في الولايات المتحدة، والنظر إلى المصالح والأهداف والسياسات الإسرائيلية والتوافق معها، حتى قبل مراعاة المصالح الأميركية نفسها، كون المصلحة تجمع بين الطرفين، ولا فرق إلا في بعض التفاصيل البسيطة بينهما.

وقد ظهر هذا الأمر واضحاً وضوح الشمس ـ مع أنه كان ظهر واستمر منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ـ في الموقف من توقيف السلطة الفلسطينية للمفاوضات العبثية مع الإسرائيليين منذ 18 عاماً، ولم يقدموا فيها إلاّ الوعود، فيما هم يمضون قدماً وعلى عجل في تهويد ومصادرة الأراضي والأماكن والممتلكات الفلسطينية بحجج شتى، فيما لم يصدر عن العالم إلاّ بعض احتجاجات خجولة، لا تحمل أي دلائل جدية، ولم يكن لها أي تأثير على أرض الواقع. وحتى عندما جاء الرئيس باراك أوباما إلى سدة الرئاسة الأميركية منذ نحو عام، وطالب بوقف الاستيطان، فإن المناورات الإسرائيلية، وضغوط اللوبي اليهودي؛ أجهضت ذلك التوجه اللفظي الذي بقي من دون تذخير عملي، بينما المطلوب إزالة الاحتلال، وليس مجرد وقف الاستيطان.

ولما فاض كيل السلطة الفلسطينية، وأعلنت أنها لن تعود إلى طاولة المفاوضات، إلاّ بعد الإعلان عن وقف بناء المستوطنات في كل من الضفة الغربية والقدس، والإعلان عن مرجعية واضحة ومحددة للمفاوضات، فإن ثعلبية اليمين الإسرائيلي المتطرف، ارتأت تشغيل محركات المناورات، فأعلنت ـ بعد تمنع شديد ـ عن تجميد البناء في المستوطنات بالضفة الغربية لمدة عشرة أشهر فقط، مستثنية القدس من هذا الإعلان، وطالبت السلطة الفلسطينية بالعودة إلى المفاوضات من دون شروط مسبقة، وشطب ما تم الاتفاق عليه من قبل. فما كان من الرعاة الأميركيين ثم الأوروبيين، سوى الإعلان بأن العرض الإسرائيلي ما هو إلاّ "عرض غير مسبوق"!، وكأن المشكلة هي في بناء المستوطنات، وليس في الاحتلال، حسب قرارات وتوصيف الشرعية الدولية، ويجب إزالته والعودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967.

إنها حالة من حالات توزيع الأدوار بين المحتل ورعاته. المحتل يقرر ويرسم مخططاته وتوجهاته وسياساته، وينفذها بحق اللحم الحي للفلسطينيين، بينما المجتمع الدولي، ومن ضمنه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما، يصدرون قرارات غير ملزمة بقيت وتبقى من دون تنفيذ، ليتقادم عليها الزمن، وليتم إصدار أشباهها لاحقاً، بعد أن يكون المحتل الإسرائيلي قد فرض وقائع جديدة على الأرض، واستمر في تطبيق ممارساته الظالمة والطاردة للسكان. كأنها مأساة الأيتام على موائد اللئام، حيث قد لا يبقى من الأرض الفلسطينية إلاّ بقايا عظام.!

فما الأجدى والحالة هذه: التوجه إلى المحتل نفسه، أم إلى رعاته وحماته، الأول جعل من الجرافة وسيلة لفرض حقائق على الأرض. والثاني يبيع الفلسطينيين كلاماً معسولاً، فيه من التخدير والتنويم الكثير، فعلى أي جنب يمكن للفلسطيني أن يميل؟

المستقبل

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.