هل مبكر الحديث عن "جناحين" معتدل ومتشدّد داخل منظومة" الممانعة"؟

0
105

وسام سعادة

صار لنظرية "التأثير" على العلاقات السوريّة الإيرانيّة أكثر من طبعة. للرئيس الفرنسيّ نيكولا ساركوزي دور الريادة في هذا المجال، لكن الآن ثمّة طبعات فرنسيّة وأميركيّة وتركيّة وعربيّة ـ معتدلة تختلف من حيث الشكل وطريقة التسويغ وأسلوب المتابعة ودرجة الحماسة ومستوى الرهان، كما من حيث الأهداف المرسومة، لكنّها تلتقي على أساس مشترك، وهو أنّ تغييراً في طريقة التعاطي تجاه سوريا من شأنه ـ مع الوقت ـ أن يحدث تحوّلاً في طريقة تعاطي سوريا مع إيران.

ويضاف على هذا الأساس المشترك وعي، فرنسيّ، أميركيّ، تركيّ، عربيّ ـ معتدل، بضرورة تضافر كلّ الجهود والمساعي لإنجاح نظرية "التأثير" على العلاقات السوريّة الإيرانيّة، ما يوحي بوجود نوع من "شبكة إقليميّة ودوليّة" تنحو في هذا الإتجاه.

وثمّة في المحصّلة العامّة لـ"إنضاج" نظرية "التأثير" على العلاقات السوريّة الإيرانيّة، أي تحييدها من المغالاة في التفاؤل أو في التشاؤم، وتصويبها أكثر فأكثر بحيث لا يكون مقصدها "تفكيك" التحالف السوريّ الإيرانيّ، ناهيك عن الإطاحة به، وإنّما "التأثير" على موقع سوريا في إطار هذا التحالف، بحيث تتحوّل إلى "الجناح المعتدل في منظومة الممانعة"، ما يضطر "الجناح المتشدّد" هو أيضاً إلى الإعتدال وإيثار الحلول الدبلوماسيّة على ما عداها.

الرهان إذاً، في فرنسا وأميركا وتركيا والإعتدال العربيّ، على تحوّل سوريا إلى "جناح معتدل في منظومة الممانعة" وليس على تفكيك منظومة الممانعة السوريّة الإيرانيّة. الرهان أيضاً على إنضاج شروط "منظومة الممانعة ككل إلى الإعتدال".

المسوّغ الرئيسيّ الذي يعطي لهذا الرهان قوّته أنّ النظام في سوريا يشترك مع منظومة الإعتدال العربيّة في تبنيه لإستراتيجية "السلام العادل والشامل" والتسوية العربية الإسرائيلية الكاملة على أساس مبدأ "الأرض مقابل السلام" ومرجعية مدريد، ولو كان هذا النظام أغار جزئياً على مبادرة السلام العربية بعد حرب غزّة، الأمر الذي استوعبته منظومة الإعتدال العربيّ بطرحها مبادرة إضافية، للتقريب بين العرب هذه المرّة.

يشترك النظام في سوريا مع منظومة الإعتدال العربيّة في تبنّيه إستراتيجية التسوية "من الناحية المبدئية"، لكنّه يشارك إيران ممانعتها على أساس تبنّيه تشاؤمها الشديد حيال "التسويات" الحاصلة والمنتظرة وتفاؤلها الحماسيّ حيال "المقاومات" وإنتصاراتها المحقّقة أو الآتية.

يفترض البعض أنّ إنتساب سوريا المزدوج إلى مقال "التسوية" ومقام "الممانعة" من شأنه أن يجعلها حكماً في "منزلة بين منزلتين"، فيما يفترض البعض الآخر أنّ هذه الإزداوجية ممكنة شعاراتياً مستحيلة عمليّاً، وأنّه لا يمكن لسوريا أن تنتسب فعلاً إلى كل من مقال "التسوية" ومقام "الممانعة"، فإمّا أن يكون إنتسابها إلى مقام "الممانعة" لرفع حظّها وشروطها في "التسوية"، وإمّا أن يكون إنتسابها إلى مقال "التسوية".. من قبيل "عدّة الشغل" المتصلة بأدوات وظروف الممانعة.

في الواقع، وفي ظلّ تبنّي حكومة نتنياهو في إسرائيل لمركب "الصلف" و"اللاجدّية" في مواجهة أي بادرة أميركيّة إحيائية لعمليّة التسوية، فإنّه لا يمكن الذهاب بعيداً في تقدير كيفية جمع سوريا بين مقال "التسوية" ومقام "الممانعة". إنّما يمكن القول بأنّ الحرص الأكبر لدى النظام في سوريا هو على إستمرارية هذا الإنتساب المزدوج إلى كل من التسوية والممانعة. وإيران التي تفهم منذ الثمانينيات علّة التمسّك السوريّ بهذه الإزداوجية ترتاح بطبيعة الحال كلّما كان الإنتساب السوريّ إلى "مقال التسوية" غطاء لإنتسابها إلى "مقام الممانعة" وتتوجّس كلّما كانت الرياح تسير في الإتجاه المعاكس.

وفي النهاية يبدو المشهد كالتالي: عواصم كثيرة تسعى، ليس لفك التحالف السوريّ الإيرانيّ" بحدّ ذاته، وإنّما لـ"فك سحر" هذا التحالف.. وإعادة الرّوح إلى الإزداوجية السوريّة أي ثنائية التسوية والممانعة.. والدفع بإتجاه صيرورة سوريا "جناحاً معتدلاً في منظومة الممانعة".. جناحاً لـ"الوصل" لا لـ"الفصل" داخل منظومة الممانعة.. جناحاً يدرك تماماً أنّ أمامه "حوافز ديبلوماسية" كثيرة وأنّ عليه ألا يضيّعها فيما إيران تسعى وراء كل "حافز ديبلوماسيّ" يعطى لها.

لكنّ المشهد هو أيضاً مشهد إنتظار: إنتظار مؤدّى كلّ "الوعود الإحيائية" لعملية السلام. إلى الحين استطاع النظام الرسميّ العربيّ حماية مبادرته السلامية بمبادرة تصالحية بين عرب الممانعة وعرب الإعتدال، وفي رهان على جعل عرب الممانعة معتدلين أكثر فأكثر، ومتفلّتين أكثر فأكثر من دوّامة "تغذية التطرّف بالتطرّف" على صعيد الصراع العربي الإسرائيليّ، ومن منزلق "المساهمة في تفتيت كيانات المنطقة" الذي تهدّد في السنوات الماضية، وما يزال، كل من العراق ولبنان.. واليمن.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.