إيران و«سوء الفهم» العربي

    0
    70

    عبدالله اسكندر

    لا مصلحة لأحد في المنطقة العربية في تأزيم مع إيران ولا في توتر عسكري معها. ولا أحد في المنطقة العربية له مصلحة في اندلاع حرب ضد ايران بسبب برنامجها النووي. لا بل على العكس، نسمع إجماعاً عربياً، علنياً على الأقل، على توفير كل الظروف من اجل علاقة سلمية وودِّية مع إيران تحفظ المصالح العربية والإيرانية على السواء. لكننا في الوقت نفسه نسمع شكاوى عربية كثيرة من كون طهران لا تتبادل مع العرب هذه المواقف. لا بل تتهمها هذه الشكاوى بالتدخل في الشؤون العربية في اطار مدِّ نفوذها وسيطرتها في الداخل العربي خدمة لمصالحها الخاصة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

     

    وهناك عدد لا يُحصى من الشكاوى العربية من التدخل الإيراني، بعضها قديم لم يجد حلاً له حتى الآن (مثل احتلال الجزر الإماراتية) وبعضها جديد تكاثر منذ إحكام المحافظين قبضتهم على الحكم في طهران، يبدأ من جوارها في العراق والخليج (البحرين اليمن…)، وعبر لبنان، ليصل الى المغرب العربي مروراً بمصر والسودان.

     

    وتزامن تكاثر الشكاوى مع التصعيد في الملف النووي مع الغرب. اذ من الواضح أن إيران تسعى الى تجميع كل الأوراق، بما فيها تلك التي يمكن ان تحصل عليها في منطقتنا، استعداداً لكل الاحتمالات، بما فيها العسكرية.

     

    رغم هذه الشكاوى التي تُسمع همساً احياناً وبصوت مرتفع احياناً اخرى، وعلى رغم الأضرار المباشرة التي تُلحقها هذه السياسية الإيرانية، لا يزال الجانب العربي يتعامل مع طهران على اساس إمكان احتواء هذه المشكلات، رغبة في تجنب مواجهة مباشرة. سواء بفعل ضعف او بفعل قناعة بأن المصلحة تقتضي الابتعاد عن التصعيد والانزلاق الى مواجهة مفتوحة.

     

    ومن الواضح أن إيران لا تسعى الى ضبط سياستها على وقع المواقف العربية، ولا تعتبر ان للجوار حقوقاً ومصالح لا تتطابق بالضرورة مع حقوقها ومصالحها. لا بل، يمكن استنتاج انها تطالب بأن يضبط الجوار حقوقه ومصالحه على وقع ما تعتبره مصلحتها السياسية، وصولا الى وضع هذه الجوار امام خيارات صعبة.

     

    وأكدت قضية البئر النفطي العراقي الاستراتيجية الإيرانية في التعامل مع المشكلات مع الجوار العربي. ففي البداية هناك النفي القاطع لمضمون الشكوى. ومن ثم هناك كلام عن التباس وسوء فهم ومن ثم تمسك بالموقف الميداني على اساس أن المشكلة تحتاج الى مفاوضات تعيد النظر بما كان معمولا به حتى الآن. وتالياً ضمان الحصول على تنازلات من الطرف الآخر واعتراف منه أن ميزان القوى الحالي يفرض اعادة النظر هذه.

     

    ومن ثم تروح الديبلوماسية الإيرانية تتحدث عن «سوء فهم» عربي لنياتها، لتقول إن ما يُرفض في سلوكها لا يرتكز على سند. وتالياً نقل المشكلة من الواقع على الارض الى السياسة. وهنا تدفع طهران بايديولوجتها الى امام. فهي ثورة اسلامية تعمل لمصلحة جميع المسلمين، نافية في الوقت نفسه الطابع المذهبي لتدخلاتها. ولكونها كذلك، فإن مصلحة المسلمين والبلدان الإسلامية ينبغي ان تتطابق مع الحسابات الإيرانية. وكل تدقيق في هذه الحسابات يصبح متعارضاً مع مصلحة المسلمين وبلدانهم.

     

    وفي هذا الاطار، تحاول الديبلوماسية الإيرانية، مستفيدة من السياسة العدوانية الإسرائيلية، التلميح أن مواجهة العدو الاسرائيلي ينبغي ان تدفع الجوار العربي الى التغاضي عن المشكلات مع طهران. اي بذريعة العداء لإسرائيل يجب التسليم لها بما تفعله. ليصل الأمر الى حد اعتبار أن إثارة هذه المشكلات تصب في خدمة إسرائيل والولايات المتحدة. وليصبح الجوار العربي بين خيار عدم مساءلة إيران عن سلوكها وسياستها او خدمة مصالح إسرائيل والغرب والوقوع في الخيانة. وهذا هو جوهر شعار إيران عن «سوء الفهم» العربي.

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.