شيكات المازوت.. عندما تهين الحكومة أبناءها

    0
    82

    مراسل النداء-خاص: 22-12-2009

    المشهد أقرب إلى حافلات النقل الجماعية بمصر "الأوتوبيس"، الازدحام يرسم بحراً من الجماهير الهائجة والتي تتلاطم فيها أمواج النساء بجحافل الرجال، ويضيع العجائز بين طيات الشباب. يتوقف الزمن وتبدأ الصورة بسرد حكاية الجموع الكثيرة التي تقاطرت إلى مراكز محددة لتوزيع شيكات بدائل المازوت التي خصصتها الحكومة كنوع من المساعدة بعد أن رفعت الدعم عن هذه المادة الحيوية والهامة في حياة الناس.

     

    محمد ديوب في العقد السادس من عمره، كان منزعجاً من بطء الحركة، وملَّ الانتظار، وعدم وجود تنظيم للناس التي تتقاطر إلى مركز المزة لتحصل على نصيبها من النقود للتدفئة. الشتاء الذي طرق منذ شهرين الأبواب، ستقدم الحكومة الدعم لمقاومته الآن، أو ربما بعد شهرين. حينها سيكون الشتاء مغادراً. قالها محمد بانزعاج.

     

    بتاريخ 19/11/2009 أصدر الرئيس السوري بشار الأسد القانون رقم /29/ والذي يقضي بتوزيع مبلغ الدعم النقدي لمادة المازوت على المواطنين، وتحديد المبالغ المراد توزيعها بشكل نقدي على المواطنين السوريين المقيمين إقامة دائمة ومن في حكمهم من أرباب الأسر المستحقة للدعم ممن يحملون بطاقات عائلية.

     

    وتكلف وزارة المالية برصد الاعتمادات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون، وذلك بتأمين الأموال اللازمة للتنفيذ وتحويلها لحساب مصرف سورية المركزي بشكل سلف تسدد وتصفى تباعاً وفق جداول صرف مبالغ الدعم. كما يفوض وزير المالية بصلاحيات عقد النفقات اللازمة لذلك وصرفها وتصفيتها.

     

    أمام مبنى البلدية ببلدة جرمانا، كان طلال عامر ينتظر دوره في الحصول على شيك بدل المازوت منذ التاسعة صباحاً، وأضاف بعد أن كل َّمن الوقوف لعدة ساعات "تعبت من الوقوف. إلى متى هذه الإهانة؟ سيعطوننا عشرة آلاف ليرة، لكن بدهم يهينوننا بمائة ألف".

     

    القرار كلَّف مصرف سورية المركزي بإصدار الشيكات اللازمة والمتضمنة تحديد المبلغ النقدي للدعم. وأضاف القرار أنه في حال تقديم بيانات غير صحيحة يسترد المبلغ المدفوع ويغرم المخالف بضعفي المبلغ الذي قبضه بناء على قرار يصدر عن المحافظ رئيس اللجنة المركزية في المحافظة المعنية.

     

    بتاريخ 15/12/2009 أقرت الحكومة التعليمات التنفيذية للقانون رقم /29/ الخاص بتوزيع الدعم النقدي لمادة المازوت، بحيث يوزع مبلغ الدعم على دفعتين مبلغ كل منهما خمسة ألاف ليرة سورية بدأ استحقاق الأولى منهما في منتصف كانون الأول الجاري، والثانية في الأول من شهر شباط لعام 2010.

     

    في حين يتم توزيع مبلغ الدعم بالنسبة للعاملين في الدولة والمتقاعدين عن طريق المديرين الماليين ومحاسبي الإدارة لدى الجهات العامة الإدارية والاقتصادية التي يعملون فيها والمؤسسة العامة للتأمين والمعاشات والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وفق الشروط والآلية المعتمدة.

     

    أميرة، امرأة في الأربعين كانت تنتظر دورها كباقي النسوة اللائي دخلن في الطابور غير المنظم أمام مركز كفرسوسة، قالت بأنها تركت أبنها عند الجيران، وتأمل أن تحصل على شيكها لتشتري المازوت لذلك الطفل وأخوته الثلاث. وأضافت بأنها كانت تنتظر هذا الدعم، كونها فقيرة لدرجة أنها لا تملك ثمن التدفئة بالمازوت.

     

    نشرت العديد من المواقع الإلكترونية السورية، صور المواطنين الذين كانوا ينتظرون أدوارهم للحصول على الشيكات. تعبير مأساوي لما آلت إليه أحوال المواطنين جراء غلاء سعر مادة المازوت، وانعكاساتها المباشرة على حياتهم، ليس فقط للتدفئة بل إن أسعار الكثير من السلع ارتفعت بمعدل جنوني، مما وسع الهوة بين الأسعار ومدخول المواطنين.

     

    لا يمكن وصف المشهد عند هذه المراكز، إلا بأنه طريقة جديدة لإذلال الحكومة لمواطنيها، من خلال ساعات الانتظار الطويلة، إضافة إلى قلة الموظفين العاملين في المراكز القليلة أساساً؛ قياساً لحجم الطلبات والمراجعين الذين يتوافدون إلى المراكز في ساعات الصباح الأولى.

     

    الأجدر بالحكومة قبل المباشرة بتوزيع هذه الشيكات، تأمين الكوادر اللازمة لمواجهة هذا الكم الهائل من المواطنين وتنظيمهم، إضافة إلى مراعاة النساء وكبار السن في هذا التنظيم، لعل المواطن السوري يشعر ولو لمرة واحدة بأنه إنسان يستحق التقدير من حكومته، كي يكون مواطناً صالحاً، بالرغم من عدم صلاح حكومته.

     

    للمفارقة؛ تنص تعليمات الحصول على مبلغ الدعم توقيع المستفيد على تعهد أنه عربي سوري أو من في حكمه، ويقيم إقامة دائمة في سورية، وأن يكون دخله ودخل أفراد أسرته القاطنين معه لا يتجاوز 400 ألف ليرة سورية سنوياً، وعدم وجود أي مدخول إضافي له أو لأي فرد من أفراد أسرته القاطنين معه.

     

    إضافة أن لا يكون للمستفيد أي سجل تجاري أو صناعي أو زراعي أو سياحي من الدرجات الممتازة والأولى والثانية، وأن لا يملك أي عقارات سكنية أو تجارية تدر له وعلى أفراد أسرته القاطنين معه دخلاً إضافياً، باستثناء منزل السكن الذي يقطنه. وأن لا يتجاوز متوسط إنفاقه وأفراد أسرته القاطنين معه للكهرباء والماء والهاتف /5000/ ليرة سورية شهرياً. وإلا تعرض إلى غرامات بضعفي المبلغ الممنوح، إذا قدم معلومات خاطئة أو مزورة. فتصوروا يا رعاكم الله؟!!

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.