في فلسطين، أوروبا تبني وإسرائيل تهدم

0
78

يجب أن يستلهم وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، شأنهم في ذلك شأن لاعب الغولف السيئ الحظ تايغر وودز، من إعلان شركة "أكسنتشور" الذي يظهر فيه وودز وهو يعلن بذكاء "ما يحصل لاحقاً هو المهم". الأسبوع الماضي، بفضل الرئاسة الناشطة لوزير الخارجية السويدي كارل بيلدت، وافق هؤلاء الوزراء على إعلان سياسات شامل حول فلسطين وإسرائيل. ليس جيداً كما كان يُفترَض أن يكون. فبناءً على تعليمات، على ما يبدو، من وزارة الخارجية الإسرائيلية، عملت إيطاليا والمجر والجمهورية التشيكية ورومانيا جاهدة لتخفيف لهجة النص الأصلي. لكن ما بقي منه جيد أيضاً.

دعا الوزراء إلى الاستئناف العاجل للمفاوضات، ضمن إطار زمني متّفق عليه، من أجل التوصل إلى سلام شامل لإسرائيل وفلسطين. والتزموا من جديد قيام دولة فلسطينية مستقلة مع العودة إلى حدود ما قبل 1967، بما في ذلك في ما يتعلق بحدود القدس، إلا إذا تم الاتفاق على خلاف ذلك. ووعدوا بتطوير علاقتهم مع السلطة الفلسطينية والمساعدة على تطبيق خطتها الهادفة إلى بناء مؤسسات الدولة.

فضلاً عن ذلك، اتفقوا على وجوب أن تتوصّل المفاوضات إلى اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل وفلسطين على السواء، وتفادي تقسيم فلسطين بين غزة والضفة الغربية والقدس، ووجوب إجراء الانتخابات الفلسطينية، وبالتأكيد وقف الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية.

هل تنتهي الأمور عند هذا الحد؟ بعد الكثير من اللهاث لقطع كل هذه المسافة، يمكن أن نعذر الوزراء إذا اعتقدوا أن بإمكانهم أن يرتاحوا لبعض الوقت. غير أن الكلمات الصادرة عن بروكسيل يجب أن تُعتبَر بداية النشاط الديبلوماسي لا نهايته. يجب أن تتحرّك أوروبا بسرعة للقيام بأمرين.

أولاً، يجب ألا يشكّل الإعلان أساساً لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل وفلسطين وحسب إنما أيضاً لعمل الاتحاد مع شركاء دوليين من أجل التوصّل إلى تسوية. يقبل الأوروبيون العقلانيون أن للولايات المتحدة التي تصبح الشروط الدقيقة لالتزامها أقل وضوحاً يوماً بعد يوم منذ خطاب الرئيس باراك أوباما السهل الفهم في القاهرة، الدور الأساسي في محاولة تحفيز النشاط الذي يقود إلى تسوية. لكن ذلك لا يعني أنه لا يجدر بالأوروبيين إطلاع الولايات المتحدة على موقفهم. ينبغي على البارونة أشتون، الممثّلة الجديدة للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة في أوروبا، أن تشجّع واشنطن على دعم إعلان الاتحاد الأوروبي أو توضيح نقاط الاختلاف في الرأي. ويجب التشديد في شكل خاص على أهمية تحديد إطار زمني للتقدّم. على الأرجح أن السيدة أشتون ستكون الآن الممثّلة الوحيدة للاتحاد الأوروبي في اللجنة الرباعية (التي كانت تضم ثلاثة أعضاء من الاتحاد الأوروبي) – وهي اللجنة المؤلّفة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي لدعم عملية السلام. يجب أن يشكّل الإعلان الأخير الأجندة الأوروبية في الاجتماعات المقبلة لهذه اللجنة التي تفتقر إلى البريق والحيوية.

ثانياً، يمكن أن تؤدّي أوروبا دوراً قيّماً جداً في منع تقسيم فلسطين، وإرساء سلطة فلسطينية تعمل كما يجب وجاهزة لتتحوّل حكومة دولة مستقبلية. ويتعيّن على أوروبا المساعدة على التحضير للانتخابات الفلسطينية السنة المقبلة ومراقبتها. يجب أن نعلن بوضوح أن الأوروبيين سيقبلون النتائج شرط أن تكون العملية سليمة. ويجب أن ننحاز لقيام حكومة وحدة وطنية. كما ينبغي علينا أن نذهب أبعد من ذلك ونعلن بوضوح أننا سنتعامل مع حكومة من هذا القبيل وندعمها إذا دعمت بصورة لا لبس فيها وقفاً للنار ووفت بالتزاماتها السابقة (من المؤسف أن إسرائيل لم تفعل). فضلاً عن ذلك، يجب أن نشجّع هذه الحكومة على التفاوض على تسوية مع إسرائيل، وعلى أن تأخذ على عاتقها عرض نتائج أي اتفاق على التصويت في استفتاء يشارك فيه جميع الفلسطينيين، والتقيّد بنتيجة الاستفتاء.

أبعد من هذا، يجب أن يواصل الاتحاد الأوروبي العمل مع نروج وسواها على بناء مؤسسات الدولة في فلسطين وتوفير مساعدات إنسانية للفلسطينيين الذين دُمِّرت حياتهم بسبب الحصار والسياسات الأخرى التي تمارسها إسرائيل. لكن يجب أن نكون واضحين بأنه لا يمكن أن يكون التزاماً غير مشروط لدفع تكاليف الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. في الوقت الحالي، يسدّد المانحون الدوليون الجزء الأكبر من فاتورة التداعيات المترتّبة عن الاحتلال والتي يتعيّن على إسرائيل تسديدها بحسب اتفاقية جنيف. وخلال العام المنصرم، ارتفعت الكلفة التي يتحمّلها الاتحاد الأوروبي وأعضاؤه إلى نحو مليار أورو.

حتّام يستطيع المانحون تبرير هذا الإنفاق؟ إذا استمرت إسرائيل، كما يؤكّد رئيس وزرائها، في بناء المستوطنات، مما يجعل من المستحيل التوصل إلى اتفاق حول قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، هل ينبغي على المجتمع الدولي أن يهزّ كتفَيه لامبالاة ويحرّر مزيداً من الشيكات؟ المال الذي أنفقتُه في فلسطين باسم الناخبين والمكلّفين الأوروبيين طوال خمس سنوات كنت خلالها مفوضاً أوروبياً، قد ذهب في الرمال المشبعة بالدماء. لقد حوّلت قوات الدفاع الإسرائيلية مشاريع عدّة موّلها الاتحاد الأوروبي أنقاضاً. هل دور أوروبا في المنطقة أن تدفع تكاليف التعنّت واستخدام القوة غير المتكافئة؟

توقّف الإعلان الأوروبي مطولاً بعض الشيء عند القدس التي لم توافق حكومات الاتحاد الأوروبي قط على ضمها من جانب إسرائيل. ومن الواضح أن هذا التركيز يعود في شكل أساسي إلى القلق الذي يساور العواصم الأوروبية نتيجة التقارير التي تصلها من قنصلياتها في القدس عن المضايقات التي يتعرّض لها السكان العرب هناك. يجب أن تطلب الحكومات الأوروبية من قناصلها العامين في القدس أن يرفعوا تقارير بانتظام إلى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، ويجدر بها أن تنشر ملخّصاً عن هذه التقارير بدلاً من تسريبها انتقائياً (كما حصل) للصحف الإسرائيلية.

من شأن هذه الأجندة الأوروبية، بالاستناد إلى ما جرى الاتفاق عليه للتو، أن تساعد (بحسب المفردات التي استخدمها وودز) على وضع المفاوضات على الطريق القويم من جديد. لا يشكّل الجمود الحالي بين إسرائيل والفلسطينيين أساساً لسلام دائم. لا يمكن القبول باليأس والسير على غير هدى.

"فايننشال تايمز"

ترجمة نسرين ناضر

 

 

(مفوّض أوروبي سابق للشؤون الخارجية)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.