مقاربات جديدة للعلاقات السورية – اللبنانية

0
107

الآن وبعد الزيارة التي قام بها رئيس وزراء لبنان سعد الحريري إلى دمشق، والتي تضمنت مناقشة سبل تطوير العلاقات بين البلدين، بعد أزمة حادة دامت أربع سنوات، وبعد أن افتتحت السفارتان في دمشق وبيروت، من المفترض أنه تم تجاوز العقدة التاريخية لدى الطرفين. هل تكتفي العاصمتان بـ «سلام بارد»، سياسياً على الأقل، تظل بيروت من خلاله تعتقد أنها حققت انجازاً تاريخياً، طالما طالبت به نخبها منذ عهد الاستقلال، في حين تبقى دمشق تنظر إليه باعتباره مكروهاً سياسياً لا بد منه، لانجاز العودة إلى المجتمع الدولي وكسر حالة العزلة الأوروبية أولاً، ثم العربية والأميركية؟

 

إذا تم الاكتفاء بذلك تكون النخب السياسية في البلدين (وبخاصة تلك المتصلة بصنع القرار) قد ضيعت فرصاً ثمينة من العوائد التي تدرها الديبلوماسية الرشيدة والعقلانية، وبخاصة ان المجال اللبناني – السوري لا يزال بكراً يحتوي العديد من الفرص والإمكانات التي يمكن صياغتها في ظل العلاقات الرسمية الناشئة بين البلدين بعد عقود طويلة من الفوضى العلاقاتية، التي لم تسمح بالتأسيس لتراث تعاقدي مشترك، على رغم الاتفاقات التي حصلت في وقت من الأوقات، كاتفاقية الإخوة، التي يطالب الجانب اللبناني بإعادة النظر فيها كونها عقدت في ظروف وبطريقة يعتقد أنها لم تكن في صالحة.

 

عودة العلاقات (الرسمية) بين لبنان وسورية تحمل الكثير من الفرص والإمكانات للطرفين، كما أنها تقلل المخاطر، بل وتلغيها كلية، وتفعيل تلك الفرص والإمكانات ممكن في حالة وجود رؤية سياسية عقلانية رشيدة، تستطيع صوغ تلك الفرص بما يتناسب وقدرات البلدين، والواقع الإقليمي، والبيئة الدولية، بعكس حالة الفوضى التي سادت علاقات البلدين لفترة طويلة، والتي اقتصرت فائدتها على جهات وأطراف معينة في البلدين استفادت من تلك الفوضى، وحرمت بالتالي مؤسسات البلدين من موارد وإمكانات كبيرة من شأن توظيفها واستثمارها أن ينعكس بالفائدة على شرائح واسعة بين مواطني البلدين. (وكأن الفوضى العلاقاتية كانت بنت المصالح التي انتعشت في ظلها، وليست نتاج إيديولوجية معينة على ما جرى تصويره).

 

ثم أن التطورات السياسية والاقتصادية الحاصلة، والمرجح لها أن تحصل في منطقة الشرق الوسط، تحتم على مؤسسات البلدين المختلفة صوغ سياسة تنسيقية، تستطيع من خلالها الإفادة من هذه التطورات، بخاصة في الفضاءات التي يشتركان فيها، والتي لا يمكن تعظيم الفائدة منها، إلا من خلال التنسيق والتفاهم بين المؤسسات المختلفة في البلدين.

 

ومن المجالات الكثيرة التي يمكن الإفادة منها:

 

1- الإفادة من واقع أن لبنان وسورية يشكلان إقليماً سياحياً واحداً، في ظل نمو الحالة السياحية في منطقة الشرق الأوسط والدخول الكبيرة التي تدرها السياحة، واعتماد سياسة ترويجية بهذا الخصوص، وذلك بالنظر إلى تكامل المواقع السياحية في البلدين وتنوعها ما بين سياحة ترفيهية أو دينية وثقافية.

 

2- خلق وحدة اقتصادية موسعة ومتماسكة تتمتع بميزات التكتل وتحميه نسبياً من الاستغلال السلبي من قبل التكتلات الكبرى، بالاضافة إلى خلق عامل جذب واستقطاب لاستثمار رؤوس الأموال وتقديم الخبرات والتقنيات في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية.

 

3- الإفادة من التطورات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة، مثل أعمار العراق، والنهضة الاقتصادية في منطقة الخليج العربي، ويستطيع لبنان وسورية أن يقدما الكثير في هذا المجال، كالموانئ والترانزيت والمصارف وسواها. وكذلك الافادة من تحول تركيا إلى نمر اقتصادي، ليس على مستوى المنطقة، وإنما على الصعيد الدولي، وحاجة تركيا إلى شركاء إقليميين في مجالات التجارة والاستثمار وصناعة الخدمات.

 

4- الافادة ديبلوماسياً في معالجة المشاكل المتماثلة والمتشابهة التي يواجهها البلدان، كمشكلتي التفاوض مع إسرائيل، او مواجهة الإفرازات التي خلقها الصراع العربي – الصهيوني، كمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وليس بالضرورة وفق صيغة تلازم المسارات، أو تلازم التوقيعين التي ربما لم تعد مناسبة، وإنما وفق صيغة عملية تأخذ في الاعتبار قدرات وامكانات وظروف كل طرف.

 

هذا غيض من فيض الفرص والإمكانات التي توفرها مسألة تنظيم العلاقات بين لبنان وسورية، ومن شأن الاختصاصيين في المجالات المختلفة توضيح العديد من المسائل التي يمكن الافادة منها في هذا الإطار، ولا شك في ان التقارب بين الدول يتحقق عبر المصالح المتبادلة، ويشكل الاشتراك في القيم المعنوية إضافة مهمة، وعلى لبنان وسورية ألا يفوتا هذه الفرصة لحساب سياسات مزاجية وذات طابع وجداني.

 

قيام علاقات رسمية بين سورية ولبنان يحمل الكثير من الفائدة للدولتين والشعبين، ومن واجب السلطات السياسية في البلدين، بل ولزام عليهما العمل من اجل تحقيق أعظم الفائدة من هذه العلاقة.

 

* كاتب سوري

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.