سور رفح العظيم

0
97

لا شك في ان الحضارتين الفرعونية والصينية اغنتا تاريخ البشرية بأكبر كنز تراثي وثقافي. واذا كان احفاد الصينيين القدامى يتباهون اليوم بان اسلافهم شيدوا يدويا السور العظيم قبل آلاف السنين على مسافة تتجاوز الستة آلاف كيلومتر ليكون احد عجائب الدنيا السبع، فان المصريين الجدد لم يكتفوا بالاهرام التي ورثوها عن الاجداد، بل عمدوا الى تشييد "عجيبة جديدة"، هي بناء "سور رفح العظيم" على امتداد حدود مصر مع قطاع غزة. واذا كان سور الصين العظيم هو المعلم الوحيد الذي بناه الانسان ويمكن معاينته من الفضاء الخارجي، فان "سور رفح العظيم" لا يمكن معاينته ابدا لا من الفضاء ولا حتى من على وجه الارض، لانه سيبنى في باطنها ولن يراه احد.

واذا كان سور الصين مشروع دفاع عسكري بارزاً ونادراً في التاريخ المعماري البشري، فان سور رفح مشروع حصار محكم نادر المثيل في التاريخ السياسي البشري.

واذا كان سور الصين رمزاً للامة الصينية، فان سور رفح رمز لحالنا المادون ارضية!

 كنا نتمنى ان يكون النبأ الذي اوردته "هآرتس" الاسرائيلية عن بدء العمل بالحفارات العملاقة والرافعات الضخمة لبناء حائط فولاذي لا تخترقه المتفجرات والقنابل في باطن الارض بين سيناء ورفح كاذباً… حائط اشد متانة من خط بارليف ليقضي به الامن المصري على اي امل للفلسطينيين في مواصلة حفر الانفاق الضرورية للحصول على بعض الاوكسيجين اللازم لمواصلة الحياة. لكن كثراً من بينهم مساعد وزير الخارجية الاميركي جيفري فيلتمان ومفوضة "الاونروا" كارين ابو زيد وصحف وشهود، اكدوا ان مصر قررت بناء السور وشرعت في اعمال البناء. وعندما نفى المسؤولون المصريون النبأ فان نفيهم جاء في معرض التأكيد بعدما شدد هؤلاء على حق مصر في حماية حدودها ومكافحة التهريب والمهربين بما في ذلك تهريب بعض الانفاس الى مقطوعي الانفاس داخل غزة.

طبعا البناء داخل الارض المصرية شأن مصري بحت ويرتبط بممارسة حقوق السيادة الوطنية. إلا أن ثمة فارقاً كبيراً بين رسم الحدود وحمايتها بين دولة ودولة، وبين المشاركة في حرمان شعب باكمله آخر قطرة حياة تصل عبر انفاق التهريب وبثمن غال جدا… إلا اذا كان اصحاب القرار ببناء السور صاروا يعتبرون ان شعب غزة بات حالة ميؤوساً منها ويجوز معها "القتل الرحيم".

سور رفح لا يشبه أياً من الاسوار التي ارتفعت من قبل في برلين ونيقوسيا وبغداد وبانتوستانات جوهانسبورغ، كما لا يشبه حتى الجدار العازل في الضفة، فتلك الجدران ارتفعت فوق البشر لتفصل بينهم عنصريا وتمنع الاختلاط او لتطويقهم وعزلهم. لكن هذا الحائط يهبط نزولا في عمق الارض الى جهنم لمطاردة حبة الدواء ورغيف الخبز وشموع الاضاءة.

 ما يجري في غزة اعادة مؤلمة لقصة "جدران الخزان" التي وردت في رواية "جدران في الشمس" لغسان كنفاني.. وقبل ان تكرر المأساة التي اودت بحياة اللاجئين الثلاثة: ابو قيس واسعد ومروان في خزان سيارة "ابو الخيزران" لدى تهريبهم الى الكويت عبر الحدود العراقية، اقرعوا جدران الخزان ودقوها!

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.