حدث العام 2009 العربي: الهجوم الحوثي – الإيراني على الخارطة السعودية

0
117

تروي مصادر ديبلوماسية عربية انه قبل بضع سنوات، في بدايات التمرّد الحوثي في شمال اليمن، فوجئ مسؤول سعودي كبير كان يلتقي السفير الاميركي في الرياض ليطلب اليه دعم الحكومة اليمنية ضد هذا التمرّد، بأن المسؤول الاميركي ركّز خلال اللقاء على ضرورة دعم السعوديين لحكومة الرئيس علي عبدالله صالح في مواجهة "القاعدة"… باعتبار تنظيم "القاعدة" هو الخطر الاساسي على الاستقرار في اليمن وليس الحوثيين.

لم يكن المسؤولون السعوديون بحاجة الى من يحرّضهم ضد "القاعدة" طبعاً، ولكن خبرتهم الطويلة جداً في اليمن وحروبه الاهلية وغير الاهلية جعلتهم منذ البداية حذرين جداً حيال الحركة الحوثية… وتأثيراتها التي يمكن ان تتحول الى مدخل… لمفاجآت خطرة في تلك المنطقة من جنوب غرب شبه الجزيرة العربية.

مياه ودماء كثيرة جرت في وبين جبال اليمن منذ بداية ذلك التمرد، ولا سيما في تلك المنطقة من اقصى شمال الشمال اليمني حيث لا يتوفر السلاح بكثافة تقليدياً في ايدي القبائل فحسب، كما هو الامر في ايدي "الطوائف" في لبنان، ولكن أيضاً في ما يتخطى حتى الحالة اللبنانية حيث هناك اسواق معلنة ومعروفة وثابتة في تلك المنطقة يقصدها الناس لشراء كل انواع السلاح الممكن حملها يدوياً بما فيها بعض انواع المدفعية… كما يقصد "المستهلك" اسواق الذهب او الابل او الخضار، وهذا غير موجود علناً في لبنان رغم سهولة اقتناء السلاح الفردي، ووفرته.

لكن مظاهر التشرذم الفئوي في اليمن امر قديم، خصوصاً على المستوى القبلي، وهي دولة في الشمال، متعايشة تقليدياً مع هذا الوضع قبل الوحدة مع الجنوب وبعدها، أخذت تستأثر بالاهتمام الدولي مع انكشاف اليمن منذ اواخر تسعينات القرن الماضي كأحد معاقل التطرف الاصولي السني الذي يحتضن "القاعدة"، الى جانب دول مثل أفغانستان وباكستان والصومال، والعراق…

الحدث غير المألوف كان الظاهرة الحوثية ككتلة منشقة على الدولة من داخل الطائفة الزيدية الشيعية التي كانت تشكل الاكثرية في اليمن الشمالي ولم تعد كذلك بعد التوحيد مع الجنوب الذي جعل – على الارجح – الطائفة الشافعية هي الاكثرية الآن في الجمهورية اليمنية الممتدة حالياً من البحر الاحمر غرباً الى حدود سلطنة عُمان شرقاً.

لكن التحوّل النوعي الذي يمكن ان يكون حدث العام 2009 على الصعيد العربي هو انتقال الكتلة الحوثية الى التحرك خارج حدود اليمن عبر الهجوم داخل الحدود السعودية… وعبر ذلك ستبدأ حقبة لا سابق لها منذ الحرب الملكية – الجمهورية بين اليمنيين في الستينات والتي كانت حرباً بالوكالة واحياناً مباشرة بين المملكة العربية السعودية والجيش المصري الناصري، ولربما لا سابق لها حتى منذ اعلان تأسيس المملكة العربية السعودية تحت هذا الاسم عام 1932.

باختصار: منذ تشرين الثاني المنصرم هذا العام، تحوّلت "الحوثية" الى اداة اقليمية، اداة في الصراع الاقليمي المندلع – سياسياً – بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية، لا سيما بعد العام 2003 الذي شهد التغيير الكبير في العراق على يد الاميركيين.

لكن الساعات الاولى لصدمة الاختراق الحوثي المفاجئ للأراضي السعودية (بعد ايام من تفجير بلوشستان داخل ايران؟) شهد "صدمة" أخرى للمسؤولين السعوديين بقيت أصداؤها تتردد بضعة ايام في ردهات قصور الرياض ومراكز اجهزتها المعنية بأحداث اليمن… هي صدمة التصريح الأول الذي أصدرته الحكومة الاميركية حول العملية الحوثية اذ دعت واشنطن اطراف الصراع الى تلافي إحداث خسائر في المدنيين الموجودين في مناطق القتال! لقد كان المسؤولون السعوديون ينتظرون في تلك اللحظات دعماً اكثر وضوحاً للمملكة!

صحيح ان الالتباس الذي أحدثه هذا التصريح عاد وتبدد في الايام بل الاسابيع اللاحقة اثر التنسيق الفعّال السياسي وحتى الأمني الذي قام بين المملكة والولايات المتحدة لا سيما عبر الزيارات السياسية والامنية المعلنة وغير المعلنة التي قام بها الى واشنطن امراء اساسيون في الدولة السعودية… وصحيح ان الرد السعودي على الاعتداء الذي تعرضت له اراضي المملكة كان قوياً وعنيفاً ونجح عملياً في رد المقاتلين المهاجمين والمتسللين… ولو بكلفة عالية استوجبت نقل آلاف المدنيين من تلك المنطقة الى اماكن اخرى. ويكفي لنعرف حجم الانتقال ان يكون الملك عبدالله بن عبد العزيز قد اعلن خلال زيارته لتلك المنطقة عن مشروع بناء عشرة آلاف وحدة سكنية!

صحيح كل ذلك… لكن بعد مرور اسابيع عديدة على الحادث وعلى الرغم من ان المعارك معظمها عادت الآن إلى داخل المناطق المحيطة بـ"صعدة" اليمنية. الا ان الهواجس التي ولّدها هذا التطور الجيوبوليتيكي الحوثي – الايراني اثار اسئلة ان لم يكن مخاوف، لدى العديد من دول مجلس التعاون الخليجي حول طبيعة المرحلة المقبلة ومدى قابليات – بل قدرات – ايران على استخدام عدد من البيئات الشيعية العربية في الصراع مع السعودية التي لا تقل بل تزيد عن ايران في قدرتها على التوظيف السياسي لعدد من البيئات السنية في العالمين العربي والمسلم.

حتى بعد التفاهم السوري – السعودي الذي اثمر تحييداً سلمياً للوضع اللبناني اسميناه ولادة – وليس عودة – "العازل السوري" الايجابي في لبنان، وآخر فصوله الكبيرة الترتيب السعودي لزيارة سعد الحريري الى دمشق… حتى بعد ذلك ما معنى انتقال الصراع الاقليمي الى محاولة "اللعب" للمرة الاولى منذ عقود طويلة بـ"خارطة" المملكة العربية السعودية؟ هذا اللعب من حيث المدى الذي وصله الصراع السعودي – الايراني، وعلى الرغم من ضرب التمدد الحوثي، هو الذي يجعل هذا الحدث – اختراق الحدود السعودية – الحدث العربي الاول (النوعي) عام 2009.

انه حدث يضع اليمن في واجهة الصراع الاقليمي، ولربما يعجّل في تحضير متغيرات سيشهدها العام 2010، فاليمن اليوم يتخطى تصنيف "دولة فاشلة"… لان الدولة العسكرية – القبلية فيه على درجة من الفعالية التقليدية في المركز – العاصمة وبعض المدن الاساسية… ولكن اليمن كبلد مثل الصومال هو المهدد بالتفتت.

هذه الصورة تجعل اسئلة العام 2010 على الصعيد العربي هي التالية:

1 – هل يتواصل احتدام الصراع الايراني – السعودي بعدما بلغ حد اللعب بحدود دول الصراع كما في حالة الهجوم الحوثي منذ تشرين الثاني الماضي؟

2 – ما الذي يهم القوى الدولية العظمى في اليمن: تنظيم "القاعدة" ام "التمرد الحوثي" ام الحراك الانفصالي الجنوبي، لا سيما اذا بدأ الامر يقحم المملكة السعودية نفسها؟.. واي صلة للاستراتيجية الاميركية بمصير السجال حول المشروع النووي الايراني – وغياب امكان التسوية الآن… بالموقف من الصراع الاقليمي المحتدم؟

3 – اي تغيير فعلي في الاستراتيجية السعودية سيبدأ مستقبلاً في اليمن؟ فالسعودية تعوّدت نمطاً "تعددياً" في ادارة الشأن اليمني وان كانت استقرت في العقد ونصف العقد المنصرم على علاقة ثابتة مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح؟ السؤال الآن هل تتبدل السياسة السعودية نحو السعي الى صيغة "جديدة" للوضع في اليمن بعدما اصبح "التعدد" ينذر بتفتت خطير للتركيبة اليمنية يمكن ان يهدد المحيط السعودي، كما اظهر "التمدد الحوثي" والرعاية السياسية الايرانية له… هذه الرعاية التي تنتقل من نجاح الى نجاح في اقصى استخدام للبيئات الشيعية العربية من العراق الى لبنان الى اليمن… بشكل حيوي والى دول اخرى بشكل اقل صخباً كالبحرين؟ هل ستقاتل ايران حتى آخر شيعي عربي؟ فيما السعودية التي لا تزال تتصرف على انها "خسرت" العراق، "تحمي" نجاحها "الحريري" في لبنان كما تحافظ على توازن فعّال في اليمن.

هل "تعب" النظام اليمني أو "شاخ"… بعد عمر طويل ونجاحات مديدة؟ واية صيغة ليمن موحد لا متصارع بدأت تلائم السعوديين؟

فالآن وقد عاد الامير سلطان، ولي العهد، الى بلاده، وهو المسؤول تقليدياً في العقود الاخيرة عن الملف اليمني، لا بد ان اجوبة ما بعد الهجوم الحوثي هي غيرها قبله؟

 

 

(alkadaya@hotmail.com)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.