طريق الأمل: ملاحظات نقدية على مشروع موضوعات حزب الشعب الديمقراطي

0
493

  مقدمة  :

لا أكتمكم أيها الرفاق الأعزاء : أن قراءتي الأولى السريعة لموضوعاتكم قد ألهبت في صدري مزيجاً معقداً من الألم والأمل معاً .

        ألم بعثه في نفسي الحالة الراهنة التي يعيشها أمثالي ممن كانوا أعضاء في حزب العمل الشيوعي ويُعرّفون الآن في الشارع السياسي بكونهم شخصيات وطنية مستقلة   والذين شهدوا المنافسة الحادة بين حزبنا وبين حزبكم والتي شبهتها أكثر من مرة بحالة شابين صديقين يتنافسان على حب فتاة اسمها سوريا  , وقد جلب لهما هذا الحب المشترك الغيرة والحسد والتنافر من بعضهما .

 دارت الأيام وانقلبت سمة العصر , وتمّكن فريق من حزبكم أن يواكب التغيرات ويعقد مؤتمرا جديدا للحزب ويغير اسمه ويتهيأ لعقد مؤتمر جديد  ويتقدم بهذه الموضوعات , في حين عجز من يحمل نفس الهم ونفس الرؤيا من أعضاء حزب العمل أمثالي ان يحفظوا تاريخهم وتجربتهم النضالية , رغم ان تربيتم وتاريخهم العربي يدّلهم- الى جانب تجربتهم مع الماركسية- على أهمية التنظيم من اجل التغير, مّنْ منهم لم يمر عليه درس الأعرابي لابنه عندما أعطاه عصا منفردة وطلب منه كسرها فتمكن من ذلك ’ ولما حزم الإعرابي بضعة من تلك العصي وناولها لابنه عجز عن كسرها مجتمعة !!

        أمل أشاعته في نفسي تلك الموضوعات بشفافيتها وعلنيتها وعمقها ووضوحها وجرأتها وتشخيصها الداء – العلة كامنة فينا وليس بالخارج الطامح بثرواتنا – .

أجد نفسي أيها الرفاق أقف على نفس الأرضية التي تقفون عليها – أرضية العمل من اجل الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية – . وملاحظاتي هنا تضيف وتغني الموضوع من خلال التفاعل بين الرأي والرأي الآخر لمقاربة الحقيقة الموضوعية في ساحتنا  , ولذلك أتمنى ان يتسع صدركم لها .

أ‌-        في الشكل :

1- بين يدي ست وخمسون صفحة مُقسّمة الى ثلاثة أقسام . القسم الأول عدد صفحاته ست وثلاثون تتحدث في مواضيع نظرية واستراتيجية , والقسم الثاني احدى عشرة صفحة تتحدث عن برنامج الحزب المعدل , والقسم الثالث تسع صفحات تتحدث عن النظام الداخلي . أيها الأعزاء لقد أثار عدد الصفحات لغطا واستياء لدى البعض من طولها ولسان حالهم يقول : هذه موضوعات للمثقفين وليست لعامة الناس. كان من المفروض ان تنتبهوا الى هذا , وأن تركزوا على برنامج الحزب بحيث تكون صفحاته هي الأكثر عددا بدلا من ان تتحدثوا بإسهاب عن مواضيع نظرية هامة , ولكن يجب التحدث عنها في مكان آخر .

2-      اسمحوا لي أيها الرفاق ان أقول لكم : ان طريقة تقديمكم لموضوعاتكم – سواء لحزبكم او للقوى السياسية او للشارع السوري –  ما زالت متأثرة بماضيكم , فالمعروف ان ماضيكم – كما كل الأحزاب الشيوعية –  يتم فيه تقديم الموضوعات من المكتب السياسي او اللجنة المركزية – سيان – الى المؤتمرين . يقوم المؤتمر بالمصادقة عليها بعد إدخال تعديلات جزئية , وأحيانا تصدر بدون تعديل حرف واحد عليها .

 في حين تتطلب منكم روحكم الديمقراطية الجديدة ان تتخلوا عن هذا الشكل لمصلحة شكل جديد يتم فيه إنتاج الموضوعات من المؤتمر مباشرة , ويكون دور اللجنة المركزية هو تقديم الاقتراحات على المؤتمرين وليس تقديم الموضوعات مصاغة كما هي في مشروعكم  .

تُكلَف لجنة من المؤتمر بصياغتها النهائية  ثم تعرض بعد ذلك على القوى السياسية والشارع ومن ثم التفاعل معها لتبرز نتائج هذا التفاعل في مؤتمر جديد وليس في نفس المؤتمر كما هو مطروح من قبلكم الآن .

قد يقول قائل : ان ما أطرحه لا يمكن ان يتم في بلد يُحكم بطريقة الشرعية الثورية كما هو قائم في بلادنا  حيث يستحيل على حزب او فصيل معارض ان يوّفر المكان والزمان اللازم لإنتاج الموضوعات من قبل المؤتمرين في ظل الحصار والملاحقة الأمنية له , وان الصيغة الحالية تُسهِل انعقاد المؤتمر وتجعل بالإمكان انجازها بعيدا نوعا ما عن رقابة الأجهزة الأمنية , أعتقد أنها مشكلة حقيقية تواجهها المعارضة في الدول الاستبدادية , ولكن حلها لا يتم على حساب الديمقراطية , والمفروض ان تعملوا جدياً في المؤتمرات القادمة لحل هذه المعضلة بما يتناسب مع فهمكم الجديد للديمقراطية البعيد عن الفهم السابق القائم على الديمقراطية المركزية .

3-      غاب عن مشروع النظام الجديد مادة كانت تنص صراحة على عدم التجديد للأمين العام أكثر من دورتين متتاليتين . لا اعرف لماذا ؟

ايها الأعزاء : مطلوب منا جميعا ان نحاول ربط الحركة بالبرنامج وليس بالرمز , وذلك الأمر ليس هيناً في الشرق , ولكن لابد من تكريسه في أحزابنا , وما يساعد على ذلك هو عدم ثبات الرموز في مناصبها القيادية , من اجل ذلك اقترح عليكم إضافة بندين الى نظامكم الداخلي المعدّل .

البند الأول : عدم التجديد لأي أمين في الحزب –  ابتداء من أمين الوحدة مرورا بأمين المنطقية انتهاء بأمين اللجنة المركزية –  أكثر من دورتين متتاليتين .

البند الثاني : يتم انتخاب الأمين العام من المؤتمر وليس من اللجنة المركزية وبالاقتراع السري .

على ما اعتقد ان هذين البندين يساهمان مع بقية البنود في جعل بنية الحزب أكثر حيوية وديمقراطية , ويعصمه من تكلس مفاصله في المستقبل .

ب –  في المضمون :

كثيرة ومتشعبة جدا الأفكار المطروحة في موضوعاتكم , ولكنني سأعرض رأيي في بعضها خصيصاً تلك المواضيع التي أجد نفسي متفارقاً الى حد ما فيها عنكم. وسأبدأ بما سميتموه الموضوعات بفصولها الستة . حيث سأناقش معكم منها المواضيع التالية:

        الاشتراكية والعدالة الاجتماعية

        الموقف من الماركسية

        العلمانية وعلاقتها بالديمقراطية

حول الاشتراكية والعدالة الاجتماعية :

  ليس لدي أدنى شك في أن نظام الإنتاج الرأسمالي  يحوي تناقضا أساسيا يتجسد في الملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي  تتعارض مع الطبيعة الاجتماعية للعمل داخله .  وان هذا التناقض يجد حله في الاشتراكية من خلال الملكية المشتركة لوسائل الانتاج والتوزيع العادل..الخ . لكن الوصول الى نظام الانتاج الاشتراكي وارد كإمكانية وليس كحتمية تاريخية , وأكبر دليل على ذلك أسلحة الدمار الشامل القادرة على إحالة كوكبنا بما فيه ومن عليه الى ركام  خلال ساعات , وهذا يعني ان قابلة المستقبل هي الوعي وليس العنف الثوري . من جهة أخرى . ان النظام الرأسمالي لم يشخ بعد ولن تكون أزمته الحالية رغم شدتها , آخر أزماته , وهو الآن في ريعان شبابه . اذا صح ذلك , يجب  التفكير في واقع الطبقات الشعبية المنتجة داخل النظام الرأسمالي وكيفية تحسين وضعها الاجتماعي , بدلا من التنظير عن المستقبل والاشتراكية .

ان كل حديث عن الاشتراكية في داخل النظام الرأسمالي  يعني الحديث عن اشتراكية طوبوية وليس اشتراكية علمية . النظام الراسمالي قائم على الاسغلال والربح .

بناء على هذه الرؤيا انا أعترض على فقرة موضوعاتكم المسماة – الثورة الاشتراكية في روسيا – ص 22 والتي انتهت كما يلي : ( لم تتمكن هذه التجربة من الصمود والاستمرار طويلا كمنافس للتجربة الرأسمالية العالمية )

لا يا سادتي لم تكن ثورة اشتراكية ولا من يحزنون  ولم تكن منافساً للرأسمالية العالمة , لقد كانت ببساطة طريقا رأسمالياً شرقيا- اذا صح التعبير –  اعتمد في شق طريقه على الدولة من (اعلى الى أسفل ) ولبِس لبوس الاشتراكية ليجذب الناس اليه , وقد اعتمد على العنف والدم أكثر من الطريق الغربي الذي شق طريقه من أسفل إلى أعلى,والمهم ان الطريقان التقيا الآن بعد طول افتراق وتوحدا في النظام الجديد – نظام العولمة الحالي –

نعم يصح الحديث في النظام الرأسمالي عن العدالة الاجتماعية والتي يتم التحدث عنها من قبل كثير من الأحزاب المشابهة لحزبكم كمرادف لمصطلح الاشتراكية مع ان الفارق بينهما كبير جدا  ولكن بالمعنى السياسي الدارج ترد الاشتراكية وكأنها معادل للعدالة الاجتماعية , وهي كذلك اذا اقترنت بالعبارة المذكورة لديكم ص 31 ( ان الاشتراكية ’ بما تنطوي عليه من نزوع نحو العدالة الاجتماعية ’ هي من المثل العليا التي ستبقى دائما حلما للبشرية تناضل من أجل تحقيقها . انها الديمقراطية ذاتها حين تتطور ويتعاظم مضمونها الاجتماعي )

انا أوافق على هذا الكلام شريطة أن يتم تمييزه عن اشتراكية ماركس التي تدعو الى دفن النظام الرأسمالي من أجل الشروع ببناء الاشتراكية. ولوان ماركس ورفاقه عملوا للاشتراكية من داخل النظام الرأسمالي , لأثمر عملهم لصالح الاشتراكية والطبقة العاملة أكثر بكثير من عملهم الداعي الى قلب النظام الرأسمالي قبل ان تنضج المقدمات الموضوعية لذلك  . وحتى لا نكرر خطا الماركسيين . يجب ان تكون اشتراكيتنا مبنية على الدعوة اليها من داخل النظام الراسمالي , أي انها كما قلتم- الديمقراطية ذاتها حين تتطور ويتعاظم مضمونها الاجتماعي . اشتراكيتنا وعدالتنا الاجتماعية التي ندعو اليها يجب ان تُبنى على دفع الرأسمالية الى تنمية اجتماعية عريضة تتحقق فيها الديمقراطية بجانبيها السياسي والاقتصادي  جانب الحريات السياسية , وجانب تامين فرصة عمل للجميع , يؤسفني هنا ان اقول : ان ممثلي الطبقات المالكة كانوا وما زالوا أذكى من ممثلي الطبقات المنتجة . وقد عملوا ومازالوا يعملون من اجل زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقرا , وهو ما يتضح بجلاء في أزمة الراسمالية الأخيرة حيث تلوح بوادر الحل لصالح الأغنياء في كل مكان وفي مقدمتهم دول العشرين المتقدمة, في حين يستمر الاشتراكيون في حماقاتهم السابقة التي تسهل على الرأسماليين الكبار زيادة استغلالهم للطبقات المنتجة .

حول الماركسية :

   لا أدري لماذا جاءت فقرة – الماركسية وعلاقتكم بها – ص 28 – أضعف موضوعاتكم قاطبة . ربما كان السبب هو عدم رغبتكم بقطع شعرة معاوية  بينكم وبين ماضيكم .

تقولون في الفقرة ( لا تزل الماركسية احد أهم مناهج التفكير والتحليل ….. )

( ان الماركسية هي منهج تحليلي هام لا تزال تشكل إسهاما أثريا في التجارب المتنوعة للشعوب العالم , ولكن يتعين نقد أفكارها باستمرار )

لا ياسادتي , ليست الماركسية منهج تحليلي . انها نظرية في علم الاجتماع تحمل تصورات ومفاهيم صيغت في زمان ومكان محددين  وقد دخل في صياغتها- أقول ذلك بكل مرارة – العاطفة ورد الفعل أكثر مما دخل فيها العلم , وهي تشبه من هذه الناحية الدين .

يحلو لي شخصيا أن أصنف المذهب الشيوعي الذي تبلور على يد كارل ماركس بالدين  الأممي الثالث مع فارق انه دين ارضي وليس دين سماوي , ولكنه كظاهرة اجتماعية جرى له ما جرى للمسيحية والإسلام قبله.

لقد قامت الماركسية كظاهرة سياسية ,  أول الأمر في أوروبا على يد كارل ماركس ورفيق دربه فريدريك انجلز , وكانت تعبيرا عن صوت الطبقة العاملة المقهور والمستغل أبشع استغلال من قبل أصحاب المصانع الجشعين الذين كانوا يخلطون الطحين بالشب

( حجر كلسي ) من اجل زيادة أرباحهم وتقليل سعر بضاعة قوة عمل العمال , ومن يقرأ كتاب الطبقة العاملة في انجلترا لمؤلفه انجلز , سيذهل عن حال العمال الذين كانوا ينامون في أكواخ  يختلط فيها برازهم بطعامهم, أما أطفالهم فكانوا يعملون على أنوال طوال النهار ويتناولون وجبات طعامهم وهم وراء النول كي لا ينخفض إنتاج أرباب راس المال في المعامل . بشّر ماركس بدكتاتورية البروليتاريا . كمخّلِص للمجتمع من شرور وآثام الرأسمالية , ولكن نبوءته لم تتحقق , كما ان نبوءة المسيح قبله الذي بشر بالمحبة بين الناس –  كمخلص للمجتمع –   لم تتحقق . ولم يتخلص المجتمع من شرور رأس المال حتى الآن ,

ان ماركس مؤسس الماركسية لا يقل شجاعة وتضحية وذكاء وإيمانا بالإنسان من المسيح ومحمد , وقد صاغ تعاليمه في كتابه الشهير رأس المال الذي لايقل بلاغة عن الكتب السماوية  وفيه توّعد الأغنياء والرأسماليين بالويل والثبور وعظائم الأمور على يد ديكتاتورية البروليتاريا , ودعا للقضاء على الدين الوثني الرأسمالي  الجديد ( ممثلا بصنمية السلعة  التي أصبحت ترقص في السوق بمعزل عن خالقها الحقيقي لتبدو الأشياء مقلوبة : الميت هو الحي والحي هو الميت : السلعة هي الناطقة والمتحركة والإنسان خالقها هو التابع لها في السوق)  ولكن تعاليمه من بعده تم تحنيطها وإظهارها مثل التعاليم السماوية كآيات بينات لا يأتيها الباطل من خلفها وهي صالحة لكل زمان ومكان :

          البنيان الفوقي والبنيان التحتي

          القوى المنتجة وعلاقات الانتج .

          الدولة لجنة الطبقة المسيطرة .

          الحرية وعي الضرورة .

          الصراع الطبقي يفضي لا محالة  الى دكتاتورية البروليتاريا .

          من كل حسب جهده الى كل حسب حاجته  .

ولأن الماركسية كذلك فقد حملت وجهين مثل بقية الأديان . وجه ايجابي ووجه سلبي , والمؤسف ان نقول هنا ان الطبقات المالكة قد هضمت الماركسية كما هضمت الأديان قبلها, وجيرت تعاليمها لمصلحتها بالنهاية . الأمثلة اكثر من ان تحصى في ذلك نذكر منها دعم الماركسية الحالي لحق الطبقات المسيطرة في الحكم داخل الصين وكوريا وكوبا وسوريا أيضا , اما الجانب الايجابي فيها  فقلة هي الأحزاب التي تستعمله لمصلحة الطبقة العاملة وحلفاؤها كما تحاولون انتم , مع نقدي الشديد لمبالغتكم في جانبها الايجابي لدرجة اعتبارها منهجاً في التحليل .

حول العلمانية وعلاقتها بالديمقراطية :

  تقولون في الفقرة التي تتحدثون فيها عن الديمقراطية ص 33 ما يلي:

( واهم دور للعلمانية هو توحيد المجتمع وصهره من خلال المواطنية )

ربما كان هذا القول متأثرا الى حد بعيد في التجربة الأوروبية مع العلمانية والتي حررت كما تقولون المجتمع والدولة والدين من هيمنة تحالف تاريخي بين السلطتين الزمنية والدينية . لكن الحديث عن العلمانية في بلادنا يحتاج الى معالجة أخرى نقارب فيها واقعنا وروح عصرنا ولا نسقط التجربة الأوروبية للعلمانية إسقاطا ميكانيكيا عندنا , اعتقد ان صهر المجتمع من خلال المواطنية ليست مهمة العلمانية وحدها في بلادنا . انها مهمة الديمقراطيين السوريين علمانيين وغير علمانيين .

بكل الأحوال موضوع العلمانية موضوع له حضوره الكبير في الساحة السورية هذه الأيام وارى ان الحديث فيه يجب ان يتم على مستويين .

    المستوى الأول سياسي بامتياز يجعل من العلمانية وكأنها مشتقة من العالم وهي لا تعادي الدين ولا المتدين، فقط تفصل بين مملكة السماء ومملكة الأرض، أي أنها آلية لادارة المجتمع عن طريق قوانين ومؤسسات وضعية وليست سماوية , يجب التركيز هنا على كل ما هو مشترك على الأرض بين العلمانيين والمتدينين على قاعدة قول رسول الله تعالى – انما الدين المعاملة – وما هو مشترك  بين الديِّن والعلماني هو الانسان الفقير والمظلوم وكيفية نصرته على الأرض , وهو ما تقف جميع الأديان الى جانبه وكل جماهيرنا المؤمنة . يلاحظ هنا محاولة سلطتنا السورية (وكل السلطات في البلدان الاسلامية تقريبا ) استعمال الدين سياسيا وتوجيهه بما يخدم مآربها السياسية . هنا خصوصيتا المتمثلة بحاجتنا الى الإفراج عن الدين ليكون له طريقه الخاص في المجتمع بعيدا عن تأثير الدولة , أي اننا نحتاج حقا الى فصل الدولة عن الدين – وليس فصل الدين عن الدولة – كي يكون للدين طريقه الخاص المستقل , واذا دفعنا التطور بهذا الاتجاه  وأفرِج عن الدين سيكون عاملا ايجابيا لخدمة المجتمع وليس العكس .

الخلاصة : يجب ان يكون همنا سواء كنا دينين ام علمانيين هو تنمية عريضة تخدم قضية الإنسان على الأرض يشترك فيها كل فرد او فئة او حزب او جماعة تؤمن بالإنسان وتريد ان تعمل مع الآخرين من أجله بعيدا عن العنف ومع احترام الرأي الآخر .

المستوى الثاني نظري نجعل فيه من العلمانية مشتقة من العلم وليس العالم , وطريقها الى المعرفة ببساطة هو العقل ومنجزاته العلمية التي تتعارض مع الدين بشكل جوهري في موضوع الخلق , اما الدين فطريقه الى المعرفة هو القلب والدين والعلم في هذا المضمار خطان متوازيان لا يلتقيان .

ربما كانت حاجتنا (كسياسيين في البلدان الإسلامية عموما وفي سوريا خصوصا )  الى الاستناد لهذا الفهم توازي حاجتنا الى المستوى الأول , لأن التيار السياسي الاسلامي العريض في المجتمع  لايقبل الآخر ويصر ان الاسلام هو الحل وانه نظرية متكاملة في الاقتصاد والسياسة وفي الدنيا والدين . هذا التيار يجب مجابهته بالحقائق العلمية وعدم الخوف من تهديداته لنا بالتشهير بنا أمام جماهيرنا العفوية بكوننا ملحدين لانخاف الله ولا نفرق بين الحلال والحرام .ان ذلك ضروري في السياسة حتى نُعّلِم هؤلاء أن القرن الواحد والعشرين يحتاج الى الاعتراف بالأخر واحترامه سواء كان ملحدا ام دينا .تلك مهمة السماء على عقابه وليست مهمة المنافقين في الأرض الذين يودون محاسبتنا على قناعاتنا وأفكارنا .

ج- حول مشروع البرنامج السياسي المعدل :

   جاء في مقدمة برنامجكم السياسي ما يلي :

(إن إنهاء الاستبداد والانتقال الى الديمقراطية مهمة أولى قائمة وراهنة , بل تكاد تكون المحور الذي يتأسس عليه جدول العمل الراهن . من الضرورة بمكان أن تكون هذه العملية سلمية ومتدرجة ومبنية على التوافق ………..)

كلام صريح وواضح ومباشر . لكنني لم ألمس نفس الوضوح والجرأة فيما تبقى من البرنامج . مثلا بعد هذه الفقرة جاءت الفقرة التالية .

ويرى حزبنا ان المرحلة الانتقالية تمر عبر الإجراءات التالية :

والإجراءات هي ثلاثة عشر يتقدمها إنهاء حالة الطوارئ

كما جاء في الفقرة التي تليها بعنوان – سوريا الديمقراطية كما نراها – ما يلي

          إصدار قانون انتخاب عصر وعادل .

          إبعاد الجيش عن العمل السياسي .

          تشريع حقوق الطفل والمرأة .

          إعادة نظر شاملة في مناهج التعليم .

          حماية الغابات والشواطئ والأملاك العامة من الاعتداء والتشويه والتلوث .

إضافة الى العديد من البنود التي تشمل كل الميادين الاقتصادية ولاجتماعية والثقافية والصحية والبيئية …..الخ  

أيها الأعزاء :

أظن ان المتتبع لخطكم السياسي في الشارع السوري سيقع في حيرة من أمره , وسيتساءل بينه وبين نفسه .

هل هذه الإجراءات موجهة للسلطة الحاكمة لتعمل بها أو بجزء منها  ام لا ؟ وكيف ستقوم سلطة استبدادية بتنفيذ بعض او كل هذه المطالب وهو يتعارض مع مصلحتها . كان الأولى بكم أن تتحدثوا في برنامجكم عن المرحلة الانتقالية وتصوركم لها  ممهدين لذلك بعمق نظري جديد قاعدته الفقهية تقول : خطنا الجديد يقوم على الاصلاح وليس على الثورة : الإصلاح بناء على البناء والثورة هدم وبناء , وان تفرقوا بين السلطة والدولة , والمطلوب هو تغيير السلطة السياسية وليس الدولة . اما التغيير فكان الأولى بكم ان تتحدثوا عن طريقين لا ثالث لهما في المرحلة الانتقالية .

طرق من أعلى الى أسفل

وطريق من أسفل الى أعلى .

وان تبينوا حظ كل احتمال في سوريا , وأي الاحتمالين يدعم الحزب من أجل الانتقال ؟

ذلك أهم وأجدى من الكلام عن مطالب لايمكن تنفيذها الا على يد سلطة سياسة  غير السلطة الحالية .

وفقكم الله , وأتمنى من كل قلبي ان يمر مؤتمركم بدون منغصات لكم .وشكرا جزيلا على ثقتكم بي وإرسال موضوعاتكم الي .

كامل عباس – اللاذقية

 

 

 

 

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.