التنمية المستدامة وأمن الإنسان في البلدان العربية (*) (3/3)

0
78

       حاجة العرب إلى التنمية المستدامة

 

  تتضح حاجة البلدان العربية إلى التنمية المستدامة – أكثر فأكثر – بعدما علمنا، طبقا للتقرير الخامس لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالعناصر السبعة التي حددها التقرير كمؤشرات دالة على هشاشة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المنطقة العربية.

 

  ‏ إنّ نجاح الخطط التنموية العربية ومواجهة تحديات العولمة واقتناص فرصها،  يتطلبان توفير شروط كثيرة، تأتي في مقدمتها توفير مؤسسات ديمقراطية تمكّن المواطنين العرب من المشاركة في صياغة مستقبل وطنهم والمفاضلة، بحرية ووعي واستقلالية، بين الخيارات التنموية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالي إجراء مفاضلة صحيحة بين الأعباء والمردودية المتوقعة لكل من هذه الخيارات. مما يتطلب ضرورة الانطلاق من الأهداف والمنطلقات التالية:

 

    ـ رفع مستوى الأداء الاقتصادي، أي رفع مستوى الإنتاجية وزيادة حجم الإنتاج القومي، ضمن نمط قطاعي متوازن قدر الإمكان.

 

  ـ إتاحة المزيد من السلع والخدمات التي تلبي الحاجات الأساسية للشعوب العربية.

 

  ـ  توفير فرص العمالة المنتجة ومحاولة خفض البطالة، المكشوفة والمقنّعة، وتعبئة المزيد من الموارد البشرية بما يؤدي إلى تأمين المزيد من القدرة الشرائية في يد العدد الأكبر من المواطنين العرب.

 

    ـ إصلاح نمط توزيع الدخل داخل الأقطار العربية.

 

    ـ تقليص الفجوة التنموية بين أقطار العالم العربي.

 

    ـ تطوير قدرة البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية، بحيث تستطيع أن توفر للاقتصاد الأفكار والمعارف والمواقف والمؤسسات الضرورية للتحرك الاقتصادي بكفاءة، بحيث يكون نموه وتحسن أدائه متواصلاً.

 

  ـ تحقيق مشاركة شعبية واسعة، واتخاذ القرارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتصلة باستراتيجيات وسياسات التنمية.

 

  وقد تبدو الصورة التي تبرز عن التقدم العربي نحو تحقيق أهداف الألفية بحلول عام 2015 غير مشجعة، ومع ذلك يمكن للدول العربية، إذا رغبت وصممت، أن تغيّر الوضع القائم وتقود المسيرة نحو تحقيق الأهداف المرجوة بتبنّي إدارة حكم جيدة، وسياسات إصلاح عادلة لصالح الفقراء، وإدارة موارد نشطة وفاعلة، وتحديد أولويات واضحة ودقيقة للتنمية البشرية، وتبنّي أو تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي القادرة على خلق فرص عمل تمتص الداخلين إلى سوق العمل، وتستقطب نسباً متزايدة من صفوف العاطلين عن العمل، ومعالجة الفجوات بين المدن والأرياف.

 

  إنّ المطلوب من الدول العربية لمواجهة هذه التحديات أن تعيد صياغة توجهات ومسار التنمية العربية، بما يساعدها على الاستفادة المتبادلة من الإمكانات والموارد المتوافرة لديها ككتلة إقليمية قادرة على الاستمرار والتواصل، وتطوير التعليم التكنولوجي وتضييق الهوة ما بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وفقاً للتطور العلمي والتكنولوجي، وهذا يتطلب توفير بيئة سياسية وأمنية مناسبة مستقرة، تحمي الطبقات الفقيرة وتحفظ حقوق الإنسان الأساسية وتلتزم بقيم العدل والمساواة وتحفظ استقلال الوطن وأمنه وتؤمن مستقبله ومستقبل أجياله.

 

  فلا بد من إعادة الهندسة البشرية العربية بشكل يتوافق ومتطلبات العصر، ولإتمام ذلك لا بد من تجاوز أدوات وأساليب التنشئة الاجتماعية المعوّقة لحركة النمو، وهذه مهمة استراتيجية تتطلب رؤية شمولية وإطار تفكير مختلفاً يتعامل مع التعقيد والتشابك وينأى عن الثوابت واليقين، وإرادة سياسية صادقة وواضحة وقوية، وإعداد خرائط حاجات تدريبية سنوية بالمؤسسات العربية وخطط تدريب ديناميكية تلبّي خاصية تجديد الاحتياج التدريبي، وإعطاء مفهوم التدريب المستمر أولوية قصوى وخلق الحوافز لترسيخه وربط نشاط التدريب بالإدارة العليا مباشرة، والاهتمام بإنشاء حضانات التكنولوجيا وتضييق الهوة ما بين حاجات السوق ومخرجات التعليم وفقا للتطور العلمي والتكنولوجي، ومحاربة الفساد بكل أنواعه وتسخير الموارد العربية لتنمية شاملة فعالة.

 

    ‏ إنّ وضع حاجات المواطنين الأساسية في مقدمة أولويات التنمية وتوسيع المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار، وإخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمزيد من الدرس والتمحيص من خلال الحوار العام المفتوح، من شأنه أن يؤدي إلى إدارة عقلانية للموارد الاقتصادية والبشرية. ومن ناحية أخرى، فإنّ ضمان سهولة الحصول على المعلومات، وتوفر الشفافية في الصفقات الاقتصادية، وإفساح المجال لتسليط الضوء على جوانب القصور وعدم الكفاءة في الأجهزة الحكومية والمؤسسات ذات الطابع الاقتصادي، والكشف عن التجاوزات والممارسات المنحرفة، تساعد على تحسين أداء الأجهزة والمؤسسات الحكومية وتُمكّن من محاربة الفساد.

 

  وغني عن القول إنّ الرقابة الشعبية هي وحدها التي تستطيع القيام بمهمة الكشف عن جوانب القصور ومواطن الفساد والممارسات المنحرفة بفعالية، فأجهزة الرقابة الحكومية في كثير من البلدان العربية تفتقر إلى الحيادية والنزاهة، وتخضع في كثير من الحالات لضغوط المسؤولين عن التقصير والمنتفعين من الفساد، مما يجعلها غير قادرة على إظهار الحقائق وإدانة المقصّرين والمفسدين.

 

  إنّ التنمية والحكم الصالح يمكنهما السير معا إذا توفرت إرادة سياسية، وتشريعات ضامنة ومؤسسات وقضاء مستقل، ومساءلة وشفافية، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع مدني ناشط، ورقابة شعبية وإعلام حر. ولهذا فإنّ التعاطي المجدي مع الإشكاليات والتحديات إنما يستهدف اختيار السبل الصحيحة والمناسبة لإحداث التنمية الإنسانية المنشودة والشاملة، في ظل حكم صالح/راشد ورقابة فعالة من قبل مؤسسات المجتمع المدني.

 

  كما يجدر بنا أن نقلع عن تحميل مسؤولية عجزنا وتأخرنا على الآخر الغربي، فإذا نسبنا مسؤولية كل ما نتعرض له من إجحاف وظلم إلى الآخرين، فلن يكون من الممكن أن نحدد لأنفسنا مهام خاصة بنا، وسنظل أسرى منطق دائري يجعلنا نعكف على انتظار الخلاص بالصدفة. بينما المطلوب أن نتحرر من هذه النزعة، وأن نجري تغيّرات ثقافية جوهرية، تتضمن – قبل كل شيء – الاعتراف بمسؤوليتنا المباشرة عن أوضاعنا الراهنة وعن مصائرنا، ومن ثم عن المعطيات الأساسية لمستقبلنا العربي في الإطار العالمي.

 

  ولعل أبرز الدروس التي يجدر بنا استيعابها للتعاطي المجدي مع التحديات التي طرحها التقرير: التأكيد على أنّ التحديات الخارجية تفترض أصلاً إصلاح أنظمة الحكم ومحاربة الفساد، وإعلاء شأن المواطنين في دولة القانون. إذ تحتاج المجتمعات العربية إلى إصلاح الخدمات الحكومية الأساسية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وحمايتها من التدمير والإفشال المتعمد، لأنّ ذلك يؤدي إلى توزيع غير عادل للفرص الأساسية، ويهمّش فئات واسعة من المجتمعات والأجيال، ويحرمها من القدرة على المشاركة والتأثير، أو يثقل كاهلها المثقل أساساً لتحمل أعباء كبيرة وهائلة لتأمين التعليم والعلاج من خلال القطاع الخاص، فلا يمكن الحديث عن حياة سياسية وبرامج إصلاح في بيئة لا يستطيع المواطنون فيها الحصول على تعليم وعلاج مناسب ولائق.

 

  كما أنّ تحقيق التنمية المستدامة يتطلب إيجاد حالة من التوازن الاجتماعي بين الحريات الفردية من ناحية‏,‏ ودور الدولة من ناحية أخرى‏,‏ وبين القطاع العام والقطاع الخاص‏,‏ وبين مصالح رجال الأعمال ونقابات العمال‏,‏ وإزالة التناقض الزائف بين هذه الأمور‏.‏ ففي إطار الحرية الاقتصادية يبقى للحكومات دورها في تشجيع مناخ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي‏,‏ وفي رسم سياسة الضرائب‏,‏ وسياسة الخدمات الاجتماعية‏,‏ وتحسين التعليم والبنية الأساسية‏,‏ بالشكل الذي يؤدي إلى توسيع فرص العمل وإتاحتها لأكبر عدد من الناس‏.‏

 

  وانطلاقاً من أنّ الناس لا ينظرون إلى المستقبل على أنه ذلك المجهول الذي لا يمكن معرفة مكنوناته والتحكم في مجرياته، بل باتوا يخططون له ويعملون على التأثير في اتجاهاته الرئيسية. فإننا نرى أهمية صياغة تصورات أولية للتنمية العربية في المستقبل، منطلقين من أنه لم يعد ممكناً الكفاح ضد " النظام العالمي " من خارجه، فالعالم أضحى اليوم " قرية صغيرة " أطرافه مترابطة ومتبادلة المنافع. مما يجعلنا ندرك أنّ قوة العالم العربي وقدرته على التعامل المتكافئ مع العالم الخارجي إنما هما مرهونتان – أساساً – بقدرة أقطاره على التنسيق والتكامل فيما بينها، وعلى خلق سوق عربية واحدة، تحقق الكفاية والفاعلية الاقتصادية من ناحية، والقدرة على تقليص التبعية والتعامل المتكافئ مع الخارج من ناحية أخرى.

 

  خاتمة

 

  وتبقى الأسئلة مُشْرَعَةً: لماذا تتعثر مشاريع الإصلاح في البلدان العربية ؟ ولماذا تغيب استراتيجيات التنمية ؟ ولماذا يتفاقم الفساد ؟ ولماذا تنتهك الحريات السياسية والاجتماعية.. بل لماذا تستمر الاحتلالات الأجنبية في منطقتنا من دون رادع ؟ ولماذا تزداد الهوّة بين الأنظمة السياسية وشعوبها ؟

 

  التقرير يرى أنّ الإجابة تكمن في هشاشة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية في المنطقة، وفي افتقارها إلى سياسات تنموية تتمحور حول الناس، وفي ضعفها حيال التدخل الخارجي، وقد تضافرت هذه العوامل جميعاً لتقويض أمن الإنسان، وهو الأساس المادي والمعنوي لحماية وضمان الحياة ومصادر الرزق، ومستوى من العيش الكريم، ذلك أنّ أمن الإنسان من مستلزمات التنمية الإنسانية، وقد أدى غيابه، وعلى نطاق واسع في البلدان العربية، إلى عرقلة مسيرة التقدم فيها.

 

  وتبقى المسؤولية الأولى والأخيرة ملقاة على عاتق الدولة الوطنية العربية وسياساتها على مختلف الأصعدة، قبل أن تتحملها القوى الدولية والخارجية. 

فهل تتوقف الحكومات العربية عن هدر الحقوق الإنسانية وإبطال مفعول القوانين المنصفة ؟

 

  وهكذا، لم ينتهِ التقرير إلى فراغ، بعدما كشف عن ضراوة المشكلات الإنسانية وتفاقمها في العالم العربي، بل سجل ما سماه الأركان السبعة لأمن الإنسان العربي، التي تتحمل مسؤولية الالتزام بها الحكومات ومؤسسات الدولة أولاً، ثم مؤسسات المجتمع المدني، وجميع القوى الاجتماعية المنظمة، فلهذه الأركان أهمية مركزية في حياتنا من أجل إصلاح الوضع القائم بدءاً من:

 

  • المحافظة على الأرض وصونها ورعايتها لمواجهة الضغوط البيئية والسكانية، وضمان الحقوق والحريات والفرص الأساسية للمواطنين دونما تمييز.

 

  • وانتهاء بالإقرار السياسي بأنّ استمرار انتهاكات حقوق الإنسان والاعتداء على سيادة البلدان وحياة مواطنيها من جانب القوى المحلية والإقليمية والعالمية ستجد طريقها إلى الفشل لا محالة.

 

  هكذا، تستوجب عملية إعادة بناء أمن الإنسان العربي " المحافظة على الأرض وصونها ورعايتها، وكذلك على المياه، والهواء، والبيئة التي تقوم عليها حياة شعوب البلدان العربية "، كما تستلزم " ضمان الحقوق والحريات، والفرص الأساسية دون تفرقة ولا تمييز "، إضافة إلى " اعتراف الدولة والمجتمع بسوء المعاملة والإجحاف اللذين تعانيهما كل يوم الفئات الضعيفة "، مع " التخطيط لتدارك الضعف في الدعائم البنيوية للاقتصاديات العربية التي تعتمد على النفط والتخفيف من فقر الدخل "، و" القضاء على الجوع وسوء التغذية "، ثم " الارتقاء بمستويات الصحة للجميع، باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان، وواحداً من المستلزمات الأساسية لأمن الإنسان ". وتشترط عملية إعادة تأسيس أمن الإنسان في البلدان العربية تحريره من الاحتلال الجاثم على أراضيه، وصون مقوّمات أمنه الإقليمي من التدخلات الأجنبية.. إنها في الحقيقة عناصر عامة وشاملة تحتاج إلى أدوات عملية، أي سياسات عامة لجعلها قابلة للتنفيذ في الواقع.

 

  وفي كل الأحوال يبدو أنّ التقرير سيفرض نفسه على الحلبة الثقافية العربية وسيثير الجدل الذي فحواه: إنّ الدولة الآمنة في الألفية الثالثة، ليست تلك التي تملك ترسانة من الأسلحة والمعدات العسكرية، والجيوش الضخمة عددياً، ولكن تلك التي كونت إنساناً مدنياً قادراً على حماية الدولة نفسها، والاستعداد للتضحية من أجل بقائها واستمرارها بيتاً للجميع. 

 

  تونس في 10/12/ 2009                 الدكتور عبدالله تركماني

 

                                       كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

  (*) – في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الثامن والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " مساقات الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وبأوروبا " خلال يومي 11 و 12 ديسمبر/كانون الأول 2009 في تونس، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ".

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.