رداً على رسائل "الفوضى الخلاقة" عندما يتجاوز الخطاب "الحقوقي" في تونس حدود الثوابت الوطنية

0
80

ماذا لو هزّ انقلاب عسكري دولة ما هزت حرب اهلية اركان استقرارها فعمت الفوضى وعربد أصحاب النياشين لاخماد جميع الأصوات التي تعلو فوق صوت الانقلاب سواء من اتباع النظام المطاح به او من المؤمنين بالانتقال الديموقراطي السلمي؟

ماذا لو وقع اجتياح دولة مستقلة من طرف واحد قوات "الغزو الديموقراطي" فأحرقوا البلاد ونكلوا بعبادها وبثوا الفتنة بين اهلها: فتفتت جميع معالم الدولة وجرفتها شلالات الدماء التي تخر من شرايين الوطن؟ ماذا سيكون موقف دعاة حقوق الانسان المبشرين بـ"النوال" الذي يرشق الشعوب المقهورة بعبوات الحرية من فوهات مدرعاته وقاذفات طائراته المدمرة؟ واي نصيب سوف يشمل المتباكين على حقوق الانسان من وليمة اعادة الاعمار الديموقراطي، في وطن سليب السيادة مباح الثروات والخيرات مطعون في تاريخه وهويته؟ هل سنقول ان الوطن ذهب ضحية خطأ طبي لم يقدر جرعة المخدر الكافية لاجراء عملية زرع الديموقراطية فدخل في غيبوبة أبدية؟ ام سنردد المقولات العدمية لدعاة "الفوضى الخلاقة" من أن التفريط في السيادة هو جزء من القوانين الجديدة لمعارك التحرر.

سيناريوات سوداء تستبد بتصور كل من يعاين ما عرجت عليه خطابات بعض النشطاء الحقوقيين والسياسيين في تونس خلال الفترة الاخيرة. وما بلغته تحركاتهم المحمومة في العواصم الغربية من بعث رسائل واشارات تتجاوز حدود الثوابت الوطنية التي لا يمكن التفريط فيها مهما تصاعدت حدة الخلاف الداخلي. خاصة اذا تعلق الامر بدعوات صريحة تروج للتمرد العسكري وزعزعة الاستقرار وتنوه صراحة بالمواقف الملغومة التي يلوكها بعض مالكي براءة اختراع الديموقراطية في الغرب وفقاً لاتجاهات مصالحهم وعلاقاتهم الذاتية بنشطاء الداخل.

ان بعض النشطاء الحقوقيين في تونس يظهرون من خلال تصريحاتهم جهلاً مفزعاً بقيمة الامن والاستقرار بالنسبة للمصلحة الوطنية. ويبدون استعداداً غريباً للتحريض على الفوضى المسلحة كبديل للعمل السياسي.

فقبل فترة صرح السيد المنصف المرزوقي قائد حزب المؤتمر من اجل الجمهورية لاحدى الصحف العربية من مقر نضاله باحدى العواصم الاوروبية بحيازته لمعلومات مؤكدة حول "انقلاب عسكري" يطبخ في تونس. وان لديه قائمة اسمية ببعض قادة الانقلاب وأن "المنعرج الديموقراطي" وشيك، وقد اظهر السيد المرزوقي حماسة مفرطة لما يمكن ان يستتبع الانقلاب من تغيير في خارطة الحكم. وهو ما يعتبر مؤشراً خطيراً لما تردت فيه بعض الخطابات من تبن لآليات تتناقض مع ما يرفعه اصحابها من مبادء الديموقراطية والمطالبة بالتداول السلمي على الحكم، وتثبيت اركان دولة القانون والمؤسسات. كما اثبتت هذه الخطابات بشكل جلي الحسابات الضيقة المدرجة على اجندة هذه المعارضات وآليات لا تتجاوز، في ضيق اهدافها وتربصها المنحصر بكرسي الحكم. ثوابت المسألة الوطنية بما تحويه من محافظة على اولوية امن الوطن ومواطنيه وعلوية قوانينه ومؤسساته بكل ما تحمله من نقائض تستوجب المعالجة بالاصلاح. فضلاً عن سيادية القرار وعدم ارتهانه للقوى التي تعتمد لف قضايا حقوق الانسان كالأنشوطة حول رقاب الانظمة من اجل توسيع دوائر نفوذها الاقتصادي والسياسي.

لقد اثبت اصحاب هذه الخطابات التي تتخبط في التشنج والتناقض الصارخ مع ما يرفعونه من شعارات النضال الديموقراطي المدني السلمي، قصورها الواضح عن استخلاص العبر من تجارب بعض البلدان التي تردت في حلقات التغييرات الدموية والهزات السياسية والتي اعادتها في كل مرة الى نقطة الصفر وعجزت عن تثبيت بذور البناء الديموقراطي.

رسالة اخرى صدرت عن السيدة سهام بن سدرين، وقد وردت الرسالة مشحونة بكل ما يمكن ان يبرز العاهات التي ينتهي اليها الخطاب الحقوقي المنبت عن الارضية الوطنية والذي يحاول ايهام الخارج بانه واجهة الحركة الحقوقية والسياسية المطالبة بالتغيير في تونس. وانه المترجم الوحيد لمطامح الشعب في التغيير. وان الحالة التونسية باتت مستعصية ولم تعد تنفع معها جميع انواع الاصلاح والنضال السلمي. مبشراً بقرب دخول البلاد في حلقة جهنمية من الفوضى.

هذا الخطاب المزايداتي المشحون بالاستعراضية يوجه طعناته بدرجة اولى لجبهة النضال الحقوقي والسياسي في تونس التي نجحت رغم تشرذم نسيجها في تحصيل بعض المراكمات الايجابية وانتزاع بعض مساحات الحرية دون اللجوء الى دعوة الجيش الى التمرد او التهليل بـ"بشائر" تغيير دموي قد يعصف بالبلاد، او الدفع بمسار الاوضاع الى التفجر والتربص بنصيبها في اعادة اعمار النظام بعد سقوطه او مغازلة القوى الخارجية واستدرار عطفها لتخليص البلاد من "الجحيم" عن طريق استصدار تقارير وتصريحات مناسباتية تختص بتوزيع يافطات الرمزية النضالية على اشخاص دون غيرهم.

فكل من يعلم بتفاصيل المشهد الحقوقي والسياسي في تونس يدرك ان السيدة بن سدرين لا تمثل بأي شكل من الأشكال لسان حال القوى الطامحة الى التغيير والاصلاح في اطار معادلة وطنية تقطع مع كل رغبة في الدفع بالامور الى الهاوية، وان خطابها لا يعكس حقيقة اولويات المطالب المطروحة في هذه المرحلة من تاريخ البلاد.

لقد بدأت السيدة بن سدرين خيار الضغط على النظام من خلال شبكة علاقاتها من الاصدقاء الغربيين سواء في مجال الاعلام او في مجال السياسة. لذلك كان رهانها دائماً منصباً على محاولة تصيد القضايا والاحداث التي لها علاقة بالديمقواطية وحقوق الانسان ومحاولة مناكفة الخطاب الرسمي في الخارج عن طريق مراكمة التقارير الموازية. وحشد المواقف الخارجية التي تنبني على غايات دفينة لا تمت بصلة لهدف تطوير المسار الديموقراطي في تونس. وقد غنمت السيدة بن سدرين كثيراً من المنافع ليس أقلها المنافع المادية من جراء ركوبها لهذه المطيات الاجنبية.

ولكن السؤال يبقى كيف ترضى الدول الاوروبية التي يقيم فيها هؤلاء الناشطون ان يقوم امثال المرزوقي وبن سدرين بالدعوة للتمرد المسلح والانقلابات المدمرة انطلاقاً من اراضيها؟

ان ما عرجت عليه بعض الخطابات الحقوقية في تونس مؤخراً يعد انحرافاً خطيراً غير مقبول سواء من المنطلقات التونسية او العربية، فمسألة استقرار البلاد وامنها تعتبر من اوكد الخطوط الحمراء التي يجب ان يلتزم بها جميع الفرقاء دون استثناء، وكما يجب الا ان تصبح مسألة الوطنية عائقاً امام تطور مسيرة الاصلاح الديموقراطي وفزاعة يلوح بها في وجه دعاة التغيير يجب كذلك الا ان تتحول مسألة حقوق الانسان الى مطية لاستهداف السيادة الوطنية واستقلالية قرارها وزعزعة استقرار البلاد والمنطقة وامن المواطنينن المسالمين.

() ناشط حقوقي تونسي

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.