معادلة الحريري: النظرة الجديدة على أساس أن هناك مصالحة عربية

0
77

 

وسام سعادة

 

نجح الرئيس سعد الحريري في مؤتمره الصحافي في دمشق أمس في اختصار عميق قدر ما هو بسيط وشفّاف للحظة السياسية الإقليمية الراهنة فقال: "بنينا هذه النظرة الجديدة على أساس أنّ هناك مصالحة عربية. "

معنى ذلك أن مبادرة التقارب العربي هي شرط إمكان "النظرة الجديدة" إلى العلاقات اللبنانية السورية، كما أنّها ضمانة أساسيّة للبنان في إطار هذه "النظرة الجديدة"، وهي معيار الحكم على احتمالات التقدّم أو التأرجح أو المراوحة في مسار تصحيح العلاقات اللبنانية السورية، بالإضافة إلى معيار القانون الدوليّ المستند إلى مرجعية قرارات دولية يشكل أحدها، وهو القرار 1680، المدخل الصحيح لإرساء علاقات "ندّية" و"مميّزة" في آن بين لبنان وسوريا (الطائف أرادها "مميّزة" وخطاب قسم الرئيس ميشال سليمان شدّد على "نديّتها")، خاصة وأنّه قرار يقرن بند قيام العلاقات الديبلوماسية بين البلدين ببند ترسيم الحدود بين الدولتين.

والرئيس الحريري كان واضحاً في ربط مبادرة التقارب اللبناني السوري (الفرع) بمبادرة التقارب العربي (الأصل) بقوله إنّ "هذه الزيارة واللقاءات التي تمّت تحصل في اطار المصالحات العربية التي بدأها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الكويت ومن ثم في الرياض وقطر". وللإحاطة أكثر ينبغي التذكير بأن المبادرة السعودية إلى التقارب والمصالحة جاءت في لحظة مفصلية، ولحماية كل من النظام الرسمي العربيّ من جهة، ومبادرة السلام العربية من جهة أخرى، بعد مصاب قطاع غزة.

الخلاصة الأولى: لقد بنيت النظرة الجديدة الى العلاقات اللبنانية السورية على أساس أنّ هناك مصالحة عربية، كما انطلقت المصالحة العربية على أساس حماية وإعادة تفعيل مبادرة السلام العربية، وحماية وإعادة تفعيل النظام الرسمي العربيّ وعدم انزلاق أي ركن فيه إلى دوامة "تغذية التطرّف للتطرّف".

النتيجة الأولى المفترض استقاؤها من هذه الخلاصة: أنّه لا بدّ للفكر السياسي للحركة الاستقلالية اللبنانية أن يبادر رأساً إلى ربط مسار المصالحات العربية بمسار حماية وإعادة تفعيل مبادرة السلام العربية، وربط الزيارة المفصلية للرئيس الحريري إلى سوريا بكامل الحركة الديبلوماسية الحاصلة حالياً في المنطقة، وبشكل مركّز من وإلى لبنان، وذلك في انتظار تقديم الإدارة الأميركية إيضاحاتها العملية في هذا الشأن بعد أن أوضحت بما فيه الكفاية نواياها الطيبة غير الكافية لوحدها، للخطو باتجاه إحياء عملية السلام.

مثلما أنّ التقارب اللبناني السوريّ الحاليّ لن يكون مفهوماً من دون إطار المصالحات العربية، فلن يكون هذا الإطار مفهوماً من خارج إشكالية الحفاظ على جوهر مبادرة السلام العربية.

من هنا، فإن ما هو حاصل حاليّاً هو عملية تقاطع مسارات إنفراجية، أما ثمار هذه المسارات فتبقى برسم المستقبل. وكان الحريري واضحاً أيضاً في هذه النقطة عندما قال بأنّ "رهاننا على المستقبل" وأنّ المرحلة هي لـ"حلّ الأمور" ولم يقل إنّها مرحلة "ما بعد حلّ الأمور" ولا حتى أنّ حلّها "على قاب قوسين أو أدنى"، وإنّما أوضح المسعى إلى تغليب السبل الإيجابية، الهادئة، المتزنة، أي "السياسيّة" بامتياز للحل، أي تغليب "السياسة" على "الخطابة"، وتغليب الرويّة في الخطابة على ما عداها، من دون أن تكون هذه الخطابة مضطرة لتمييع أو طمس أو إجتزاء القضايا "العالقة" الأساسية بين لبنان وسوريا.

وهنا لا يرتبط الامر فقط بالبعد العربي التصالحي الشامل، وإنّما أيضاً بتصوّر يجمع "الندّي" إلى "المميّز" في العلاقات اللبنانية السورية. هذا التصور عكسه أيضاً الرئيس الحريري بعبارة "المصالح التي تفيد البلدين والدولتين والشعبين". لم يكتف بالحديث عن "دولتين وشعبين"، وإنّما أكّد أن شبكة المصالحة بينهما، من حيث هما كذلك، أي دولتين وشعبين، هو الذي من شأنه الإسهام عملياً في تطوير هذه العلاقات. الأمل إذاً أن تفعل هذه الكلمات فعلها تطويراً للعلاقات الديبلوماسية، وقد كان من الايجابي جدّاً إعطاء هذه العلاقات دوراً معيناً خلال زيارة رئيس الحكومة إلى سوريا، وذلك على حساب ما كان يعطى سابقاً لـ"المجلس الأعلى اللبناني السوريّ".

لكن الأهمّ من كلّ ذلك في ما قاله رئيس الحكومة هو الشفافية المطلقة في موضوع المحكمة الدولية حين قال ما معناه أن التحاكم إلى المجتمع الدولي لترك المحكمة الدولية تقوم بعملها، أو كما صرّح عنه بالحرف "ما قاله الرئيس الأسد بالسابق هو ان المحكمة الدولية أصبحت لدى المجتمع الدولي، ونحن ايضاً قلنا ان هذه المحكمة الدولية أصبحت لدى المجتمع الدولي، وانها تقوم بعملها وكلنا نريد الحقيقة". ما جرى تثبيته في كلام كهذا هو الطابع "التحكيميّ" للمحكمة الدوليّة، وهذا التثبيت، من دمشق، يعدّ أمراً.. طليعيّاً.

ثمّة في المحصلة فارق كبير جدّاً بين تقويمين لبنانيين كلاهما "إيجابي" للزيارة:

تقويم يرى أنّها تسهم في تحاشي "الفتنة المذهبية" وهو بذلك تقويم يدخل نفسه حكماً في دائرة المساءلة كونه يلغي سمة العلاقة "بين شعبين ودولتين" ويختزلها إلى "قبائل ومذاهب عابرة للحدود"، ويبني على هذا الأساس تصوّره لـ"تحالف ممانعاتي عابر للقوميّات"!

وتقويم يرى أنّها تسهم في تفعيل "جدلية المصالحة العربية ومبادرة السلام العربية"، وهو عندنا التقويم الصحيح شرط أن تتولّى قوى 14 آذار بكامل طيفها الصياغة السياسية لهذا التقويم، والتثقيف السياسي على أساس هذا التقويم، لأنّه ليس بـ"التعبئة" وحدها يكون التواصل بين القيادات والقواعد، وليس بـ"المصارحة" وحدها أيضاً، وإنّما بالمشاركة في إيضاح "الإطار العام للمرحلة"، والمدلول العمليّ الفعليّ لحديث الرئيس الحريري عن "الرهان.. على المستقبل".

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.