أكبر من نافذة

0
70

غسان شربل

في النهاية تجد الدول المتجاورة نفسها أمام خيار وحيد هو التطلع الى المستقبل. على رغم وطأة بعض محطات الماضي. وأحداثها. وقسوتها. وعلى رغم الجروح. والحساسيات. والوقائع. والاتهامات. والمرارات.

لا تستطيع الدول التهرب طويلاً من قدرها الجغرافي. ولا الاستقالة منه. شرايين المصالح. انتقال الأفراد والبضائع. بوابات التجارة. وبوابات الاستقرار. لا تبنى السياسات على معاندة القدر الجغرافي. ولا تبنى على الاستسلام له. تبنى على فهمه واستيعابه واحتوائه بشبكة من المصالح العليا للمقيمين على جانبي الحدود الدولية.

 

القدر الجغرافي لا يعطي الجانب الأقوى تفويضاً بإدارة مصير الجانب الأضعف. لا يعطي الجانب الأضعف تبريراً لتحيّن كل سانحة للانقلاب على الطرف الأقوى. ثمة مكان اسمه منتصف الطريق. أو قرب منتصف الطريق.

 

لا نتحدث هنا عن التاريخ. قصته مختلفة. التعامل معه أسهل. يمكن انتقاء روايات وتجاهل أخرى. يمكن بتر روايات والتحايل على روايات. الاستسلام للتاريخ مكلف ومحفوف بالأخطار. خيار السباحة الدائمة ضده ينتمي الى القماشة نفسها. يمكن اخضاع التاريخ لجراحات تجميلية. الجغرافيا لا تتسع لهذا النوع من الاجتهادات. يمكن التشاطر على محكمة التاريخ. أحكام محكمة الجغرافيا مبرمة. حكمت المحكمة.

 

تسقط الدول المتجاورة أحياناً، ولأسباب كثيرة، في فخ التصادم. تبني الجدران. وتوزع الأسلاك الشائكة. وتذهب أحياناً أبعد من ذلك. يحاول طرف شطب الآخر أو تغيير لونه أو يحاول ترويضه. ويحاول الطرف الآخر إقلاق جاره أو ارباك قراره أو زعزعة استقراره. وفي النهاية تتغلب حسابات المصالح. مصالح الناس ومستقبلهم. يكفي تاريخ العلاقات الفرنسية – الألمانية لشرح قصة الجغرافيا والتاريخ معاً. أقوى العلاقات هي المبنية على الأرقام واحترام القانون الدولي والحدود الدولية. العلاقات التي توفر فرص عمل واتصال وفرص ازدهار واستقرار.

 

تذكرت قصة التاريخ والجغرافيا وأنا أشاهد، عبر الشاشات، الرئيس السوري بشار الأسد يستقبل رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري. كان واضحاً أن الأسد استقبل ضيفه بلفتات هي ثمرة قرار بطيّ صفحة الماضي والتطلع الى المستقبل. وكان واضحاً أن الحريري ذهب الى دمشق استناداً الى قرار شجاع اتخذه بطيّ صفحة الماضي والتطلع الى المستقبل. والطي الكامل لصفحة الماضي يحتاج احياناً الى طبيب اسمه الوقت.

 

ولا غرابة في حصول اللقاء الذي كان هناك من يعتقده مستحيلاً أو بالغ الصعوبة. شعور الأسد أن بلاده استطاعت جبه العواصف التي هبّت عليها أو قربها في السنوات الأخيرة الماضية يعطيه قدرة عالية على المرونة والاعتدال. فالمصالحات العربية – العربية تبقى ناقصة من دون مصالحة سورية – لبنانية. ومن غير المنطقي مثلاً أن تكون علاقة دمشق بأنقرة ممتازة واستراتيجية وتكون علاقتها مع بيروت مضطربة وشائكة. إن سورية التي استعادت دورها العربي والاقليمي البارز وانفتاحها الأوروبي قادرة على بناء علاقة متوازنة مع لبنان تعزز دورها وتحفظ حقوقه ومصالحه.

 

في المقابل يمكن القول إن الحريري يملك من القوة ما يمكنه من اتخاذ قرارات صعبة. هناك نتائج الانتخابات النيابية. وزعامته المعتدلة وغير المنازعة لطائفته. وتخطي هذه الزعامة حدود الطائفة. وترسانة علاقاته العربية والدولية. وتفرده بين الأقطاب اللبنانيين بالقدرة على إثارة الأمل لدى المواطن العادي بالاستقرار والازدهار. ويعرف الحريري ما يعرفه اللبناني العادي وهو أن العلاقات «الصريحة والصادقة» مع سورية شرط للاستقرار اللبناني.

 

ما قاله الحريري، ومن السفارة اللبنانية في دمشق، يوحي بأن نافذة جدية قد فتحت وبإرادة مشتركة. لا بد من حماية هذه النافذة على قاعدة التطلع الى المستقبل واستخلاص عبر الماضي. فتح النوافذ بعد سنوات شائكة يحتاج الى شجاعة. صيانة النوافذ تحتاج الى الحكمة والواقعية واحترام المصالح.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.