إعلان دمشق في ذكراه الرابعة

0
103

النداء- خاص: 20-12-2009

كان إعلان دمشق، حدثا سوريا بامتياز كما كتبت عنه، لحظة صدوره، ولازال حدثا سوريا، لهذا أصبح هامشا، للنظام يناور من خلاله، في تحريك صورته ديمقراطيا*، هو ومن معه من مثقفي وصحفيي الغرب، أن الإعلان قوة إصلاحية، النظام غير متشدد تجاهها، والسؤال الآن" هل لازال إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، قادر على حمل الهدف المطلوب والذي تأسس بناء عليه؟

 

قبل الإجابة قرأت ما كتب ياسين الحاج صالح عن الأمر واعتبر أننا جميعا وصلنا إلى طريق مسدود. كما أنني أعرف جيدا التوليفة التي يريدها ياسين من علاقة المعارضة بالثقافة، والتي يعتبرها علاقة، باتت الآن في حال من القطيعة، تقريبا. ويشدد ياسين على أهمية الحدث الثقافي في مرجعية أية معارضة سياسية، وخاصة أن أردنا لها أن تكون ذات سمة يسروية ديمقراطية، ولهذا يقرر ياسين أن اليمين النخبوي هو اقرب للنظام، أوافق ياسين في غالبية النقاط التي طرحها، ولكنني لازلت أختلف معه حول دور الثقافة، وهذا الاختلاف ليس بالمطلق، بل هو يخص ساحتنا السورية سأعود إليه، في السياق.

بداية" لا بد أن نؤكد أن هذا فهما يسرويا، للديمقراطية، المرغوبة وليس للديمقراطية الحقيقية والممكنة، والحقيقية هنا تأخذ مضمونها من رسوخ الواقع السوري بتفاصيله، كلها. الديمقراطية لا يمكن أن تكون يسروية أو يمنية، كما لا يمكن أن تكون قومية أم اشتركية أم إسلامية، الديمقراطية، هي الأسم الذي يكثف دستورا يحفظ الحريات العامة والفردية ويسمح بتداول سلمي للسلطة عن طريق صندوق الاقتراع، والانتخاب السري، ويحترم قوانين اقتصاد السوق. هذا أمر يجعل أي صفة للديمقراطية، فيها تقنين قسري، وهذه لم تعد ديمقراطية، هذه شكل من أشكال الاستيلاء على السلطة، تحت مسمى ديمقراطي من قبل تيار يساري.

نحن من عادتنا أن نهول قليلا وخاصة اليساريين منا بأخبار عن النضال التي قامت به الشعوب من أجل الديمقراطية، لدرجة ان المبالغة في أي خبر يصلنا سرعان ما يتحول إلى سياق تحليلي، وعنصر تجريبي في قراءاتنا وفي مقارناتنا. وهذه قضية يجب ان تتخلص منها المعارضة السورية نهائيا وإلى الأبد، أقصد الفهم الخاص للديمقراطية، والمبالغة في الاعتماد على نضالات الشعوب وعدم رؤيتها في سياقها الصحيح.

ولنبق في التجربة" الدول الاشتراكية السابقة وغير الاشتراكية حتى، أي التي تحولت إلى الديمقراطية، تحولت بفعل عاملين أساسيين ربما انزلا الشعوب إلى االشوارع في بعض البلدان" رومانيا مثالا"

– العامل الأول هو ان شرارة الانتقال كانت من فوق وليس بفعل نضالات شعبية، البروسترويكا.كانت قرارا من سلطة واضحة المعالم في أن تتحول إلى الديمقراطية، وضمنا إلى اقتصاد السوق. إذا القرار بالديمقراطية كان قرارا للفاعل التاريخي السياسي في الدول الشمولية، وهذه تسجل لهذا الفاعل.

– العامل الثاني هو الدعم غير المحدود من قوى العالم الحر حكومات ومؤسسات مجتمعات مدنية وحتى الكنسية منها، وبكل الوسائل والسبل، تحديدا لدول أوروبا الشرقية، لنلاحظ ان كوريا وكوبا وليبيا وسورية لم يقترب منهن أحد من قوى العالم الحر.

وكل ما رأيناه في الشوارع هو عبارة عن ترجمة شعبية لهذا القرارالفوقي المترافق مع دعم غربي، وخاصة المفصل" تحطيم جدار برلين"

وقبل أن أعود إلى الإعلان أقول ان جبهة الخلاص الوطني، ربما كانت تبدو مثالا سنفرد له دراسة خاصة في وقت لاحق، مثال سوري، عما طرحناه أعلاه، لهذا هي مأزومة وسبب أزمتها واضح، وكنت كتبت عن هذا الأمر سابقا. جبهة الخلاص احتكت ليس بتفاصيل تغيير حقيقي في سورية، وإنما شارفت على الاحتكاك بهذا الحقل الأساسي والخطير دوليا وإقليميا، ولكنها بقيت عند بابه ولم تستطع الدخول والأسباب لذلك كثيرة لسنا بوارد التعرض لها الآن. ولكن بشكل عام كان سلوك إعلان دمشق مع جبهة الخلاص منذ بداية تأسيسها سلوك فيه من المناورة، والتذاكي، وهي عادة قديمة لدى الرفاق الشيوعيين القدامى…وتبين لاحقا، ان كثر من اطراف إعلان دمشق كان يهمهم قتل الناطور، وليس العنب" نحن معكم في الربع ساعة الأخيرة"…سأعود كما قلت لقراءة تجربة جبهة الخلاص الوطني في دراسة مفصلة أعمل عليها الآن، الخلاصة أن اسباب أزمة جبهة الخلاص بعد ثلاث سنوات ونصف من تأسيسها معروفة للجميع، ويمكن في أية لحظة أن يتجدد دمها، ودمها ليس مرتبطا بشخص عبد الحليم خدام بل بما أسميناه العودة إلى محاولة دخول الحقل الذي يوجد فيه تفاصيل أية عملية تغيير ديمقراطي وفق السياق الفعلي وموازين القوى الدولية والإقليمية، أما الإعلان فأزمته إلى الآن غير معروفة الأسباب، ولكن هل فعلا إعلان دمشق الآن مأزوما؟

إنني لا أعتقد ذلك والسبب أن يومية الإعلان وهي صحيفة النداء الإلكترونية، تعلن عن تشكيل لجنة جديدة لإعلان دمشق في إحدى دول المنفى! وكثر من أعضاء هذه اللجان ينزلون إلى سورية ويعودوا دون أن يمسسهم أحد، لماذا؟ هل لأنهم مرتبطون كما يخال لبعض عديمي الضمير؟ أبدا، بل لأنهم في كتلة إصلاحية يقلم النظام أظافرها كلما تجاوزت الخط الأحمر، ولهذا لاداعي لأن يعتقل أحد منهم، ومن جهة أخرى يتابع النظام جيدا، وجيدا جدا ما الذي يدور في أروقة معارضة الخارج، ويعرف أكثر لكونه يمتلك القوة، ووضوح الهدف، والوسائل" يعرف كيف هي الخلافات المشتعلة بين شخصيات المعارضة في الخارج، سواء داخل الإعلان أم خارجه.

الإعلان بعد أربع سنوات، وبعد تجميد ثلاث تيارات نفسها داخل الإعلان، وهي الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي والتيار الإسلامي الديمقراطي، مع ما ترافق أيضا من خروج الإخوان المسلمين من المعارضة ذات الهدف الديمقراطي نهائيا، وإن كانت لا زالت تتمسح بحجر إعلان دمشق الأسود، لكي تذكر النظام أنها يمكن أن تعود للمعارضة، وتنسى غزة وفلسطين من جديد!!

من تبقى داخل الإعلان؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد من القول أن أسباب ترك الفصيلين الأساسيين هو ليس وجود المستقلين أو كثرتهم، بل هو سلوك حزب الشعب الديمقراطي، مجسدا بممارسة المناضل رياض الترك، ولكن موضوع المستقلين حجة، لأن لديهم قناعة أن رياض الترك، يريد السيطرة على الإعلان، وهذا ما حصل من وجهة نظرهم في المجلس الوطني الأخير..ولكن هل فعلا سيطر حزب الشعب على الإعلان خاصة بعد اعتقال رياض سيف وأكرم البني وفداء حوراني وبقية الشباب؟ أم أنه ظهرت شخصيات مستقلة أخرى وحركات أخرى، وجدت نفسها في واجهة الإعلان بمحاذاة الرفيق رياض الترك؟ الذي كان لمناوراته أثرا سلبيا على مجمل عمل المعارضة السورية، ومنها إعلان دمشق، ووحدة القوى التي لها مصلحة حقيقية في قيام لوبي ضغط يجبر النظام على ترك مساحات متزايدة للمعارضة هذه، وهذا خطا قراءة أيضا وقعت فيه جبهة الخلاص بعزها، ولم تلتفت لهذا الأمر بل أخذت على نفسها شعار التغيير- إسقاط النظام تعبيرا عن تحقق هذا الشعار فكانت سياسوية بامتياز كما قال ياسين عنا جميعا. انا افترض فورا أننا دخلنا منذ زمن بعيد نفق أن نكون لوبيات ضغط على النظام وليس مؤسسات تغيير، هذا ماكان ومازال يريده المجتمع الدولي بقواه الفاعلة، وهذه نقطة كانت تشكل لدي قناعة ولهذا كنت مختلفا مع المعارضة بشقيها الخلاصي والدمشقي وماهو خارجهما ولازلت مختلفا حول هذه النقطة. وهذه قراءتي للتجربة البوشية في المنطقة والتي لا ترضي أحد.

الإعلان الآن بلا حركة عدالة وبناء، التي احترم نشاط شبابها، مثله مثل أي موقع ألكتروني سوري معارض، وبياناته رغم هندستها اللغوية يمكن لرجل واحد أن يقوم بكتابتها. والحركة تتحرك في الخارج..مع احترامنا لحجمها في الداخل.

والآن الحديث عن الإعلان بعد أربع سنوات، أكثفه بملاحظة كنت أقرأها تتكرر في رسائل داخلية متبادلة لبعض الرفاق في حزب الشعب" أن فلان أو علان إذا أراد المجيء إلى الإعلان في الخارج، عليه ألا يكون داخل جبهة الخلاص الوطني، هذا تطويبا على الطريقة القديمة للإعلان، وهذا تعبير عن أزمة حقيقية في فهم الديمقراطية المطلوبة، وهذه الإقصائية تتمدد حتى إلى داخل الإعلان. والجميع داخل الإعلان يتبادل الاتهام بهذه الإقصائية.

الإعلان سيفشل كأي معارضة علنية لنظام كنظامنا السوري، وهو يعمل وكأننا في مؤتمرات منطقيات الحزب الشيوعي السوري أيام خالد بكداش. والمستقلين بعددهم لم يكن لهم هذا التأثير المطلوب، وهو بث روح ديمقراطية حقيقية، للحرية الكلمة الأولى فيها، داخل مؤسسة الإعلان، هل أصبح الإعلان مؤسسة؟ لا نحتاج إلى حربقات، ولا إلى عنتريات بعض أطراف معارضة الخارج، ولا إلى إقصائيات، ولا إلى نفاق، في قيام التحالفات السياسية. الإعلان عليه ان يقتنع بانه لوبي ضغط، وعلى جبهة الخلاص أن تقتنع أيضا بذلك، وعلى القوى الكردية سواء داخل الإعلان أم خارجه، ان تقدم الوطني الديمقراطي على القومي، ولا أن تبقى في المساحة الوسط، تارة هنا وتارة هناك، أو أن تكون في القومي المزايد فقط" حزب يكيتي بزعامة فؤاد عليكو نموذجا"

علينا أن نواجه عرينا وضعفنا، وأن نحسم قضية أساسية" العالم فينا ومن حولنا، وبدونه لا تغيير لافي سورية ولا في غيرها من البلدان، وما يحدث في إيران نموذجا"

على المعارضة الديمقراطية، ان تتبنى برنامجا عمليا واضحا، وفي هذه المناسبة أطرح رأيا في هذا الموضوع"

– إلغاء المادة الثالثة من الدستور السوري التي تنص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام.

– إلغاء المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث قائدا للدولة والمجتمع.

– إلغاء كل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية.

– إلغاء قانون الاستفتاء، وإجراء انتخاب تنافسي على منصب رئاسة الجمهورية، تحت إشراف دولي، وبمشاركة حزب البعث الحاكم بوصفه حزبا كبقية الأحزاب وليس حزبا قائدا.

– تشكيل هيئة من المثقفين والناشطين مهمتها طرح إشكاليات مزمنة في الواقع السوري: الطائفية والكردية والفساد" من أجل الخروج باقتراحات عملية لحل هذه الإشكاليات ومعرفة الواقع السوري كما جاء في ماكتبه ياسين.

– طرح مسودة قانون أحزاب، ودستور جديد.

– دعم كل ما من شانه إعادة الحياة للمجتمع الأهلي في استقلالية عن السلطة السياسية والأمنية.

وهذا برنامج مقترح لتفعيل الحوار ليس إلا، لكي نبين أن الجانب العملي المباشر، والبعيد عن نزوعات سياسوية ضيقة من قبل خطابات المعارضة بشقها التقليدي، أي الابتعاد عن لغة البيان رقم واحد، تماما كالابتعاد عن الظهور بمظهر إصلاحي للنظام، من زاويته هو. أي باختصار علينا البدء ببرنامج عملي، يوحد الجميع تحت سقف مطالب ديمقراطية واضحة، وحدة المطلب أهم من وحدة القوى.

معارضة الداخل وتضحياتها على رأسنا من فوق، ولكن ليست خارج النقد أبدا ولن تكون. أما معارضة الخارج فهي مكشوفة لدرجة أنها، في كل هزة تحدث تعري بعضها بطرق متعددة، تصل أحيانا إلى حدود القطيعة الأخلاقية، وتدمير الآخر نفسيا وجسديا حتى.

لم يعد هنالك طرف يعطي شرعية لأي سوري، يريد وطنه ديمقراطيا، سواء كان يمينيا، ام يساريا إسلاميا أم قوميا..الخ…والابتعاد عن نغمة معارضة داخل وتضحيات، وماشابه…فلا أحد طلب من أحد ان يضحي هذا قرار فردي، نحترمه لكن في واقع التفصيل السياسي وموازين القوى لا قيمة له مطلقا، فسورية أكثر بلد عربي، سجنت كل مثقفيها او نفتهم. كلمة معارضة الداخل ليست لإضفاء القداسة على أحد بل لتقدير الظرف الأمني فقط.

نحن الآن في وضع كالمثل القائل" رضينا بالبين- النظام طبعا- والبين لم يرضى بنا" مهمتنا تتلخص في فرض الأمر على هذا البين لكي يقبل، وفرضه من داخل العالم كله وليس من داخل سورية فقط، فسورية بلدنا مثلما هي بلده.

وتحياتنا الحارة للإعلان ومناضليه. أما في قضية الثقافة وماكتبه ياسين تستحق منا جميعا وقفة حوارية جادة.

*في دوائر اللجوء السياسي في الغرب لم يعد الإعلان عن انضمام الفرد لإعلان دمشق، كي يكون وثيقة تعترف بها دوائر اللجوء السياسي في الغرب..وهذا مؤشر علينا رؤيته ومراقبته.

———————–

ننشر المقال أعلاه للكاتب الذي استجاب مشكورا لدعوتنا للمشاركة في تقديم قراءة نقدية لإعلان دمشق في ذكراه الرابعة، ونرحب بأية مشاركات أو تعليقات في هذا الإطار.

إدارة الموقع

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.