تقرير مجموعة الأزمات "كرايسيز غروب" إعادة خلط الأوراق – استراتيجية سورية قيد التطور

    0
    53

    يعتري السياسة الخارجية السورية قدر هائل من التناقضات الظاهرية التي طالما حيرّت المراقبين الخارجيين.  فالهدف المعلن لهذه السياسة هو تحقيق السلام مع إسرائيل؛ غير أن سورية عقدت تحالفات مع شركاء عازمين على تدمير إسرائيل.  ثم أن سورية تفخر بكونها معقلاً للعلمانية لكنها تتبنى نفس القضايا التي تتبناها حركات إسلامية.  لقد دعمت سورية في الآن ذاته الجماعات المسلحة العراقية السنية كما دعمت جماعة لبنانية شيعية مسلحة.  أما الولايات المتحدة فقد تأرجحت بين مقاربات مختلفة، ومن خلال محاولات فاشلة لإقناع دمشق بتوضيح موقفها، من التركيز على عملية السلام خلال تسعينيات القرن الماضي إلى ممارسة الضغوط في عهد إدارة جورج دبليو بوش خلال العقد التالي.  أما باراك أوباما، الذي قلب صفحة قديمة دون أن يستقر رأيه حيال الصفحة الجديدة التي يريد أن يفتحها، فيبدو عازماً على الانخراط مع سورية فيما يتعلق بالقضايا الثنائية، رغم أن هذه المقاربة تتسم بالحذر أكثر منها بالطموح.  قد تنجح هذه المقاربة، شريطة أن لا تستمر بنفس الأسلوب الذي اتبعته حتى الآن.  قد تقوم سورية بتعديل سياساتها، لكنها ستفعل ذلك فقط إذا اطمأنت إلى أكلاف ذلك – من حيث الاستقرار الداخلي والمكانة الإقليمية.  وهذا يتطلب العمل مع سورية على إيضاح ما ستحصل عليه مقابل مضيّها في رحلة غير مألوفة، وتنطوي بالضرورة على كثير من المخاطرة.

     

    يتمثل جوهر المشكلة في وجود قدر كبير من عدم التوافق بين توقعات الطرفين.  فالغرب يريد أن يعرف ما إذا كانت سورية مستعدة لتغيير سياساتها بشكل جوهري – الحد من علاقاتها مع إيران، وحماس وحزب الله أو قطع هذه العلاقات؛ وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل – كوسيلة لتحقيق الاستقرار في المنطقة.  أما سورية، فتريد أن تعرف، قبل التفكير في أي تحوّل استراتيجي هام، الاتجاه الذي ستتخذه المنطقة وصراعاتها الأكثر تقلباً، وما إذا كان الغرب سيقوم بدوره في تحقيق الاستقرار، وما إذا كانت مصالحها ستكون مضمونة.

     

    من وجهة نظر سورية، فإن ثمة أسباباً مقنعة للتمسك بالوضع الراهن، فهذا الوضع ناسب سورية تماماً لحوالي أربعة عقود: فرغم وجود جوار مضطرب ومعادٍ، فقد أثبت النظام قدرته على البقاء في كل الظروف.  لقد استعملت سورية علاقاتها بمختلف المجموعات والدول للحصول على الدعم السياسي والمادي، ولعبت دوراً إقليمياً يتجاوز حجمها ومواردها الحقيقية.  فما مصلحة سورية في التخلي عن هكذا حلفاء أو التحول عن هذا السياق.

     

    غير أن الرضا عن الماضي لا يعني الاسترخاء حيال المستقبل؛ فالبلاد تفتقر للموارد الطبيعية الكبيرة أو رأس المال البشري، والأبرز من ذلك فإنها تفتقر إلى عمالة مؤهلة وطبقة أعمال تتمتع بروح الريادة.  والسوريون يرون المخاطر على كافة الجبهات؛ فاقتصادها يترنح، وبنيتها التحتية مهترئة.  وعلى عكس الماضي، عندما كان الاتحاد السوفييتي ومن ثم السعودية يقدمان الدعم، وإيران أو والعراق يقدمان النفط الرخيص، ولبنان يوفرساحة لعمليات النهب، لم يعد بوسع سورية الاعتماد على السند أو المدد الخارجيين.  كل هذا، خصوصاً عندما يأتي في إطار سوق عالمي تنافسية وأزمة مالية، يحتم إجراء إصلاحات  هيكيلية من شبه المؤكد أن النظام لا يستطيع القيام بها دون مساعدة غربية ودون توافر بيئة إقليمية هادئة.

     

    فيما يتعلق بالديناميات الاجتماعية، فإن سياسات النظام تعزز الميول الإسلامية التي يمكن، بمرور الوقت، أن تعرّض الأساس العلماني للنظام للخطر.  كما أضعف تخفيض الدعم وانهيار نظام الرفاه الاجتماعي، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، الدعامات الأيديولوجية للنظام؛ وقد حل محل الخطاب القومي تدريجياً خطاب "المقاومة" الذي يحتوي عوامل مشتركة مع الحركات الإسلامية أكثر مما يرتبط ببعث الماضي.  ثمة اشتباكات بين قوات الحكومة والمتشددين الإسلاميين أحياناً، يتراجع تواترها عندما يتبنى النظام القضايا الإسلامية الإقليمية بشكل واضح – ما يؤدي إلى إضعاف رؤيته العلمانية.  إن الموقف الذي تم تبنيه خلال السنوات القليلة الماضية، والمتمثل في العلاقات الوثيقة مع إيران وحماس وحزب الله، ودعم المقاومة ضد إسرائيل وكذلك دعم ما شكّل توجهاً سلفياً للجماعات المسلحة العراقية، أدى إلى تشجيع نزعات تهدد التلاحم الاجتماعي طويل الأمد.

     

    يمكن أن يتبين أن المكاسب الأخيرة المتحققة في المنطقة هي مكاسب مؤقتة.  مهما شعر القادة بأن موقفهم كان صحيحاً فيما يتعلق بالعراق (حيث عارضوا الحرب الأميركية)، وفي لبنان (حيث لم يتمكن الائتلاف المدعوم من الغرب من إركاع سورية، وثبات حزب الله في مواجهة إسرائيل) أو في فلسطين (حيث اكتسب حلفاؤها الإسلاميون النفوذ)، فإنهم يظلون منشغلين بالصراعات وخطوط التماس التي لا زالت قائمة.  إن انتشار الطائفية وانعدام اليقين على حدود سورية الشرقية والغربية، والطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية السلام العربية – الإسرائيلية وخطر المواجهة بشأن البرنامج النووي الإيراني لا زالت تلبّد الأفق بالغيوم.  كما أن احتمال انتقال عدوى التوترات الإقليمية إلى البلاد تقلق النظام وهو ما يفسر، بالإضافة إلى المخاوف الاقتصادية والاجتماعية، بحث النظام عن طريق مختلف للمضي إلى الأمام.

     

    قد يكون التجسيد الأفضل لتذبذب سورية – اعتمادها على التحالفات القائمة من جهة وسعيها إلى الخروج من الوضع الحالي من جهة أخرى – في التوازن  الذي تسعى إليه في العلاقة مع إيران وتركيا.  يجادل المشككون في النظام بأنه لن يقطع علاقاته مع إيران، وهم محقّون.  تبقى طهران شريكاً ذا قيمة كبيرة ولا غنى عنه، خصوصاً في ظل انعدام اليقين على المستوى الإقليمي.  تقدم هذه العلاقة الطويلة مزايا عسكرية وتعاوناً أمنياً، إضافة إلى النفوذ الدبلوماسي سواء لدى الغرب أو لدى البلدان العربية.

     

    غير أن هذا يشكل نصف الصورة فقط؛ أما النصف الآخر فيتكون من بناء العلاقات مع أنقرة.  بالنسبة لدمشق، فإن هذه العلاقات تشكل فرصة للتحفيز الاقتصادي من خلال زيادة عدد السياح والاستثمارات وإمكانية قيام منطقة أكثر تكاملاً يمكن لسورية أن تلعب دوراً مركزياً فيها.   علاوة على ذلك، فإن هذه العلاقات تتمتع بقيمة استراتيجية هائلة بوصفها بوابة تنفتح على أوروبا ووسيلة لتعزيز شرعية النظام في أعين مواطنيه وأعين مواطني العالم العربي السنة بشكل عام.

     

    إضافة إلى ذلك، فإن الأمور ليست هادئة تماماً على الجبهة الإيرانية؛ فقد أصبحت العلاقة أقل تكافؤاً وعلى نحو متزايد مع ارتفاع حظوظ طهران.  إن قرب سورية الشديد من إيران أضر بمكانة سورية في أعين العرب ولم يعد بالإمكان إخفاء الخلافات العميقة.  تراقب سورية بقلق توسع النفوذ الإيراني، من العرق (الذي تعتقد سورية بوجوب بقائه في الفضاء العربي وحيث تعارض دعم إيران للأحزاب الشيعية الطائفية) إلى اليمن (حيث وقفت سورية مع الرياض فيما يبدو أنه حرب بالوكالة ضد طهران).  وباختصار، فطالما بقي محيط سورية غير مستقر، فإنها ستحتفظ بعلاقاتها القوية مع إيران؛ وستسعى في نفس الوقت لبناء علاقات مكمّلة مع آخرين (تركيا وفرنسا ومؤخراً مع السعودية) لتوسيع حقيبتها الاستراتيجية والتوجه نحو مستقبل قد يكون مختلفاً.  كان من المتوقع أن تكون جهود الرئيس أوباما شاقة ومضنية لتجاوز إرث صعب من عدم الثقة المتبادل.  للمشككين في سورية نظراؤهم في دمشق الذين يعتقدون بأن واشنطن لن تقبل فعلياً بأن يكون لبلد عربي دور إقليمي مركزي.  إن تحركات الإدارة البطيئة والحذرة ليست بالضرورة أمراً سيئاً.  ثمة حاجة للصبر والواقعية.  إن المنطقة تحفل بعدم الاستقرار بشكل لا يسمح لسورية أن تتحول فجأة؛ فالعقوبات الأميركية مرتبطة بسياسات سورية اتجاه حماس وحزب الله، وهذه بدورها رهينة تحقيق اختراق مع إسرائيل والذي لا يبدو أن الظروف نضجت لتحقيقه.  كلا الطرفين غير مستعدين لقفزة مفاجئة، وكلاهما لديهما مشككين داخليين وخارجيين عليهما التصدي لهم.

     

    غير أن تحقيق التقدم لا يثير القلق  كالتوجه الذي يسير فيه.  يبدو أن الإغراء في واشنطن يتمثل في اختبار حسن نوايا سورية – هل ستفعل المزيد لإلحاق الضرر بالجماعات المسلحة في العراق، وتساعد الرئيس عباس في فلسطين أو تحقق الاستقرار في لبنان؟  من شبه المؤكد أن هذا لوحده لن ينجح.  الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يبحث عن الأدلة.  سورية أيضاً تريد أن ترى أدلة على أن المخاطر التي تتخذها أقل من المكاسب التي ستحققها.  إن تقلّب أحوال المنطقة يدفعها إلى الحذر وإلى أن تتحوط لرهاناتها بانتظار قدر أكبر من الوضوح حول الاتجاه الذي ستتخذه المنطقة، وخصوصاً ما ستفعله واشنطن.

     

    إن المقاربة الأكثر حكمة هي في أن تقوم الولايات المتحدة وسورية معاً باستكشاف إمكانية وجود أرضية مشتركة حول القضايا الإقليمية.  من شأن هذه المقاربة أن تختبر نوايا كلا الطرفين، وتعزز مصالحهما وتبدأ بتشكيل الشرق الأوسط بطريقة يمكن أن تطمئن دمشق إزاء مستقبلها.  فيما يتعلق بالعراق، قد لا تقوم فعلاً بممارسة أي تأثير إيجابي إلى أن يتم تحقيق تقدم نحو المصالحة الداخلية.  يمكن للولايات المتحدة أن تدفع في هذا الاتجاه، وأن تختبر تحركات سورية، وأن تقدم لها، مع الحكومة العراقية، احتمال إقامة علاقات اقتصادية أقوى مع جارتها.  تزعم سورية أن بوسعها دفع حماس لجعل رؤاها أكثر اعتدالاً إذا كانت الولايات المتحدة راغبة فعلاً في وضع حد للانقسام الفلسطيني.  يمكن للطرفين ان يتفقا على جعل لبنان في منأى عن الصراعات الإقليمية ودفعه للتركيز على قضايا الإدارة الرشيدة التي أُهملت لوقت طويل.  وبالنظر إلى الرؤى والشكوك الحالية في دمشق وواشنطن، فإن هذه المقترحات جميعها تبدو بعيدة المنال.  إلاّ أن عدم وجود الكثير مما يدفع على التفاؤل في الشرق الوسط، يجعل من العملية رهاناً يستحق المحاولة.

     

    هذا تقرير من جزأين حول السياسية الخارجية السورية.  أما الجزء الثاني، الذي سينشر قريباً، فسينظر على نحو أكثر تفصيلاً في تغيرات محددة حدثت لمقاربة دمشق للشؤون الإقليمية والتطورات المحتملة للعلاقات السورية الأميركية.

     

    التوصيات

     

    إلى الإدارة الأميركية والحكومة السورية

     

    . : 1 – تصميم عملية للانخراط المتبادل تتمحور حول أهداف ملموسة وواقعية؛ وأبرز هذه الأهداف 

     

        أ‌. احتواء النفوذ الإيراني في ساحات جديدة مثل العراق واليمن (بدلاً من العمل على دق إسفين بين دمشق وطهران)؛

     

        ب‌. العمل على تحقيق المصالحة الوطنية في العراق، وذلك عن طريق الجمع بين النفوذ الأميركي على الحكومة العراقية وقدرة سورية على الوصول إلى الجماعات المسلحة وعناصر النظام السابق؛

     

        ج. تشجيع الحكومة اللبنانية على إعادة التركيز على قضايا الإدارة الداخلية الرشيدة واحتواء مخاطر نشوب مواجهة جديدة بين حزب الله وإسرائيل؛

     

        د. تضافر الجهود السورية لضبط حماس وإعادة توحيد غزة والضفة الغربية مع تبني الولايات المتحدة لمقاربة أكثر ترحيباً بالمصالحة الداخلية الفلسطينية.

     

    إلى الإدارة الأميركية

     

    .  2. إنشاء خط تواصل فعّال بواسطة ما يلي : 

     

        أ‌. إرسال سفير إلى دمشق، يكون جزءاً من مهمته بناء صلة مباشرة مع الرئيس بشار الأسد؛

     

        ب‌. تسمية مسؤول رفيع المستوى للانخراط في حوار استراتيجي يهدف إلى تبادل الرؤى حول المنطقة ووضع مخطط للعلاقات الثنائية المستقبلية.

     

    .:   3. إعادة ضبط الجهود الأميركية فيما يتعلق بعملية السلام، وذلك من خلال

     

        أ‌. إظهار الاهتمام بالمسارين الفلسطيني والسوري على حد سواء؛

     

        ب‌. العمل على تحسين العلاقات الإسرائيلية – التركية كخطوة باتجاه استئناف المفاوضات الإسرائيلية – السورية تحت رعاية أميركية – تركية مشتركة؛

     

        ج. إيضاح أنه، وانسجاماً مع المفاوضات الإسرائيلية – السورية التي جرت في الماضي، فإن أي اتفاق نهائي ينبغي أن ينص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من مرتفعات الجولان، ووضع ترتيبات أمنية صارمة وإقامة علاقات ثنائية سلمية طبيعية. 

     

    .  4.  إعادة إطلاق المباحثات الأمنية المتعلقة بالعراق، بدءاً بقضايا الحدود، سواء فوراً أو بعد الانتخابات البرلمانية في العراق.

     

    .  5.  تخفيف تطبيق العقوبات ضد سورية وذلك بتوحيد إجراءات الترخيص وتخفيف القيود على أساس من الاعتبارات الإنسانية والسلامة العامة.

     

    إلى الحكومة السورية

     

    .  تسهيل وصول الدبلوماسيين الأميركيين للمسؤولين المعنيين لدى وصول السفير الجديد  . 6 . 

     

    .    7. الاستفادة من آليات التعاون الأمني القائم مع بلدان مثل بريطانيا وفرنسا لإظهار نتائج ملموسة بانتظار الشروع في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة.

     

    .  المبادرة إلى توضيح رؤيتها للمنطقة في المحادثات مع المسؤولين الأميركيين . 8 . 

     

    .  9.  تعزيز العلاقات السورية اللبنانية المتحسنة وذلك بترسيم الحدود وتقديم أية معلومات متوفرة حول "المفقودين" اللبنانيين.

     

    .  10.  تحديد المساهمات الإيجابية الفورية التي يمكن لسورية أن تقوم بها في العراق وفلسطين ولبنان، وما تتوقعه في المقابل من الولايات المتحدة.

     

    دمشق/واشنطن/بروكسل

     

    14 كانون الأول/ديسمبر 2009

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.