هل للأكراد في المنطقة قضية أو مشكلة ؟ وهل ان مشاكل المواطنين الكرد في سورية صعبة على الحل ؟

    0
    91

     

    ثمة قضية او مسألة كردية في الواقع الإقليمي في أقطار عربية كالعراق وسوريا ودولا غير عربية كإيران وتركيا وقد نشأت القضية الكردية أساسا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية واقتسام تركتها بين دول الاستعمار القديم (بريطانيا وفرنسا) بعد الحرب العالمية الأولى باتفاقية سايكس – بيكو ، التي قسمت بلاد الشام والعراق ووضعتها تحت الانتداب البريطاني والفرنسي ، وبقي الأكراد في أماكن تواجدهم في المناطق الجبلية والمرتفعات بنسبة كثيفة في جنوب غرب إيران وجنوب شرق تركيا وشمال العراق أما في سورية فهم يتواجدون بنسبة متفاوتة في شمال منطقة الجزيرة وفي مناطق بالرقة وشمال حلب وادلب ودمشق ودرعا وبقيت نسبتهم إلى الغالبية العربية حوالي 10% من مجموع الشعب السوري .

    -2-

    ومنذ استقلال سورية بعد الجلاء وفي ظل نظام جمهوري برلماني وتعددية سياسية وحزبية وانتخاب ديمقراطي وقانون أحزاب وحياة سياسية ونقابية سليمة ومؤسسات مجتمع مدني مستقلة ، لم يكن المواطنون الأكراد يشعرون بأي تمييز عرقي أو سياسي ، بسبب انتمائهم القومي وكانوا يشاركون في انتخاب ممثليهم من الأكراد والعرب في المجلس النيابي في أماكن تواجدهم وغيرهم بحرية ، وقد وصل العديد منهم الى مواقع وزارية حساسة كالداخلية والدفاع والى رئاسة الدولة مثل حسني الزعيم او رئاسة الوزراء (محسن البرازي) أو إلى موقع الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي مثل (نهاد القاسم) لان الوضع الديمقراطي الذي يساهمون فيه بحرية وفاعلية على أساس المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات كانت تشعرهم بالمساواة الفعلية والمشاركة الحقيقية في صياغة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتفاعل والاندماج الوطني .

     

    وفي ربيع عام 1958 عندما تم إعلان الوحدة مع مصر تحت علم الجمهورية العربية المتحدة ورئاسة جمال عبدالناصر شاركوا في الاستفتاء بفعالية تأييداً لوحدة الإقليمين كنواة للوحدة العربية او الاتحاد .

     

     

     

    -3-

     

     

     

    بعد الانفصال الغادر الذي فصم عرى الوحدة في خريف عام 1961 وفي مرحلة التعصب القومي في عهد البعث في العراق وسورية وما حدث من تضييق على الأكراد في شمال العراق كان لقيادة عبدالناصر اجتهاد آخر هو في التعامل معهم بمرونة وحوار وتمكنهم من ممارسة حرياتهم وحقوقهم الثقافية ودورهم في العمل الوطني والعربي واستقبل قادتهم لأن رؤيته الإستراتيجية لأوضاع المنطقة والوضع الدولي كانت تهدف إلى قطع الطريق أمام تدخل قوى دولية أو إقليمية موالية لها في استخدام القضية الكردية في إثارة النزاع بين الأكراد والعرب لضمان بقائهم كقوى فاعلة للقضايا العربية كقضية فلسطين المركزية وقضية الوحدة العربية أو الاتحاد بدلا من توظيف القضية الكردية في المنطقة ضد الدول العربية التي يتواجدون فيها وضد قضايا الأمة.

     

    غير ان الأمور جرت في سورية والعراق على نحو مغاير وجرت قرارات وممارسات شعر فيها الأكراد بالإجحاف والغبن والتمييز العرقي وحدث تمرد مسلح في العراق بدعم من قوى دولية وإقليمية ومع ان الحوار مع النظام العراقي السابق توصل إلى الموافقة على إعطائهم الحكم الذاتي في أطار وحدة العراق إلا أن محاولات الضغوط والتدخل الخارجي لم تتوقف وأخذت أبعادها الكاملة بعد حرب الخليج الثانية والحضر الجوي والحظر ومن ثم في مرحلة احتلال العراق ربيع عام 2003 وإسقاط النظام وتدمير الدولة وإثارة النعرات العرقية والدينية والمذهبية التي لم يوقفها او يحد من آثارها سوى وعي الشعب العراقي بجميع مكوناته الوطنية بالإضافة إلى دور المقاومة الوطنية الباسلة للاحتلال والتي كان لها أثرها في وقف تداعياته.

     

    كما أن الانسداد الديمقراطي في سورية الذي نتج عن قطع الطريق على تجربة الجبهة الوطنية الديمقراطية التي قامت بعد حركة 16/11/1970 والتي ضمت معظم القوى والعناصر السياسية الفاعلة على الساحة الوطنية والعودة الى سياسة الانتخابات الشكلية المعلبة ، واستبدال الولاء والتبعية بالكفاءة والخبرة والإبداع ، وتهميش الاخر والرأي الاخر والمعارضة وغياب النهج الديمقراطي والحلول الديمقراطية للمشكلات الوطنية بما فيها مشكلة المواطنين الاكراد وقضاياهم المزمنة –كقضايا الجنسية- والحقوق الثقافية وتهميش دور قياداتهم ورموزهم السياسية والثقافية ، كل ذلك جعل من هذه المشكلات والمطالب العادلة قضية وطنية بامتياز يتعاطف معهم فيها غالبية المواطنين من أبناء الوطن.

     

    ومع أن السيد رئيس الجمهورية كان قد اوعز لبعض المسؤولين للحوار مع بعض ممثليهم ومثقفيهم واعتبرهم قومية ثانية في البلاد غير ان مشاكلهم لم تحل ولم يتحقق أي مطلب من مطالبهم بسبب المعوقات في بنية النظام السياسي ، كما ان الاعتقالات تزايدت في صفوفهم واقترنت باتهامات وأحكام قاسية.

     

    ومع ان تيار الاعتدال في الحركة السياسية للمواطنين الأكراد الممثلة بالتحالف الديمقراطي الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية والتحالف المشترك بينهما يضم رموزاً سياسية معروفة من أمثال عبدالحميد درويش وإسماعيل عمر والمرحوم نذير مصطفى ومحمد موسى ونصر الدين إبراهيم وغير هؤلاء من الرموز الوطنية للأكراد وهم على سبيل التعداد لا الحصر ويشاركون في تحالفات وطنية وتيار ديمقراطي يمثلون التيار المعتدل الذي يطالب بحل ديمقراطي لقضاياهم ومطالبهم وقضايا المجتمع السوري على أساس وحدة الوطن والشعب ولا يرفعون شعارات ومطالب أخرى كالحكم الذاتي او كردستان سورية وليس لديهم أي نزوع او توجه انفصالي مما يقتضي من كل القوى الوطنية في المعارضة او في الحكم الاهتمام بهذا التيار وتشجيعه والاستماع إلى مطالبه الخاصة والعامة باهتمام وهذا ما قام به التجمع الوطني الديمقراطي خلال العقد الماضي من حوار معهم وعقد ندوات مشتركة مع ممثليهم حول قضاياهم ومع ان أطراف اخرى في الحركة السياسية للكرد في سورية تتشدد في حرصها بالحديث عن كردستان سورية او الحكم الذاتي كما ورد في بيان المؤتمر العام لحزب يكيتي أخيراً واعترضنا عليه بوضوح في حديث نشر على لساني كناطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي ، غير ان الرد على هذا الطرح المتشدد لبعض الأطراف لا يمكن ان يكون اتهاما (بالتخوين لهم) من قبلنا كقوى معارضة او بالقمع والاعتقال من قبل السلطة السياسية كما حصل مع السيد (مشعل تمو) الناطق باسم تيار المستقبل وغيره ، بل المطلوب الحوار معهم كمواطنين وابناء وطن نحترمهم ونحرص عليهم ومناقشتهم واقناعهم بان الأكراد في سورية لا يمثلون غالبية واسعة في منطقة جغرافية كالجزيرة وان نسبتهم إلى مجموع أخوانهم من المواطنين السوريين العرب وغيرهم لا تزيد عن 10 % وبالتالي فليس هناك ظروف موضوعية لقيام حكم ذاتي او للحديث عن (كردستان سورية) ، هذه الظروف الموضوعية موجودة في شمال العراق وفي جنوب غرب إيران وفي جنوب شرق تركيا ولقد وافقت القيادة السياسية في العراق في عهد الرئيس صدام حسين على منح الأكراد الحكم الذاتي في شمال العراق كما وافقت غالبية القوى السياسية للشعب العراقي على قبول الوضع الفدرالي للأكراد في شمال العراق في العهد الحالي بعد الاحتلال .

     

    كما أن القيادة السياسية في تركيا بزعامة اردوغان أعلنت عن الخطوات جدية هامة لحل قضية الأكراد في تركيا لتحقيق مطالبهم العادلة في اطار وحدة الوطن والشعب غير ان التشدد القومي لبعض الأطراف بما فيها المؤسسة العسكرية تحاول عرقلة الحل وفرص الدمج القسري الذي لايمكن أن يشكل حلاً.

     

    لقد أثبتت التجارب التاريخية والحضارية ان التنوع العرقي والديني او الطائفي والمذهبي يمكن ان يكون عوامل خصب وإثراء وإبداع في ظل نهج ديمقراطي تعددي وان سياسة الاحتكار والقمع ومحاولات الإلغاء والتهميش وعدم الاعتراف بالآخر والرأي الآخر من شأنها ان تثير أجواء التوتر والاحتقان وإضعاف الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية ، فالدولة الوطنية لابد ان تكون لجميع المواطنين موالين ومعارضين ولابد ان يحرص الجميع على تحقيق المصلحة الوطنية العليا للشعب والوطن.

    المصدر:المرصد السوري

    * المحامي حسن عبد العظيم الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سورية

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.