الأسد والحريري ينقلان العلاقات إلى مرحلة جديدة: تعاون اقتصادي واستعداد لحل المشكلات العالقة

    0
    135

    دمشق، بيروت – «الحياة»

     

    أرخت الزيارة التاريخية لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري لدمشق والمحادثات التي أجراها على مدى يومين مع الرئيس السوري بشار الأسد بظلالها على الوضع اللبناني، ما انعكس ارتياحاً ظهر في مواقف الفرقاء السياسيين الذين اعتبروا ان الخطوة شجاعة باتجاه تعزيز العلاقات وتطويرها بين البلدين على مختلف المستويات وتنقيتها من الشوائب التي اعترتها طوال فترة الانقطاع التي غلب عليها التوتر وتبادل الحملات. ورأوا انها تفتح الباب على مصراعيه للعبور بهذه العلاقات الى بر الأمان انطلاقاً من عدم ترك الرئيسين شاردة أو واردة إلا وتطرقا إليها بانفتاح اتسم بالمكاشفة التامة من دون مواربة، وبالمصارحة الأخوية لتفادي الانتكاسات التي أصابتها في السابق ولقطع الطريق على احتمال تكرارها.

     

    ولم تتسم الزيارة بالاستقبال الاستثنائي الذي اعده الرئيس الأسد لضيفه فحسب، وإنما في طبيعة المواضيع السياسية والاقتصادية التي ناقشاها، لا سيما تلك العالقة وتحتاج الى حلول مشتركة لتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين على قاعدة تسليم الجميع بنتائجها التي ستترجم الى خطوات عملية، إنما بالتدرّج، من خلال المؤسسات الدستورية اللبنانية والسورية ما يشكل نقطة انطلاق لاستعادة التعاون بين حكومتي البلدين وصولاً الى بناء علاقات استراتيجية ومميزة تحمي مصالح البلدين.

     

    وفيما نقلت المصادر المواكبة لزيارة الحريري عن مسؤولين لبنانيين وسوريين ان نتائجها التي ستظهر تباعاً بهدوء ومن دون حرق للمراحل من شأنها ان تنقل العلاقات اللبنانية – السورية الى مرحلة جديدة من التعاون يفترض ان تسدل الستار على المرحلة السابقة بكل شوائبها وسجالاتها وتجاذباتها، قالت المصادر نفسها لـ «الحياة» ان ما من مشكلة عالقة بين البلدين تخطر على بال اللبنانيين إلا ونوقشت بانفتاح وإيجابية وهذا ما عكسته المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية بثينة شعبان في تصريحها ليل أول من امس عندما أشارت الى ان الأسد والحريري تطرقا الى مسألة ترسيم الحدود بين البلدين.

     

    وكشفت المصادر ان المحادثات لم تكن سياسية حصراً، وأن التعاون الاقتصادي بين البلدين وضرورة تطويره كان حاضراً وأن الرئيس السوري بادر الى فتح عدد من الملفات بهذا الخصوص أبرزها استكمال مشروع تزويد لبنان بالغاز العربي لاستخدامه في توليد الطاقة وربط لبنان وسورية بسكة حديد وتفعيل التعاون في أكثر من مجال اقتصادي. وكأن الأسد يطمح لإقامة مجلس للتعاون الاستراتيجي بين البلدين أشبه بذلك القائم بين سورية وتركيا.

     

    ولفتت المصادر الى ان الأسد والحريري توافقا على المضي قدماً في تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين الذي لا يزال في إطار التمني ولم يترجم الى خطوات عملية، مشيرة في الوقت نفسه الى الرمزية السياسية التي تجلت في اختيار الحريري السفارة اللبنانية في دمشق ليعقد فيها مؤتمره الصحافي في ختام محادثاته مع الرئيس الأسد وقبل عودته ظهر امس الى بيروت. علماً ان هذه الخطوة لقيت ترحيباً من كبار المسؤولين السوريين الذين أبدوا لاحقاً ارتياحهم الى المواقف التي أعلنها الحريري في المؤتمر وكان الأسد شخصياً أول من عبّر عن ارتياحه.

     

    وكان الأسد والحريري عقدا ثلاث جولات من المحادثات، وأفاد ناطق رئاسي سوري بأنهما اكدا ضرورة البناء على ما اتفق عليه خلال هذه الزيارة التي تشكل نقطة انطلاق لاستعادة التعاون بين حكومتي البلدين ومتابعة المواضيع التي نوقشت من قبل الجهات المختصة للارتقاء بالعلاقات الى ما يطمح إليه الشعبان الشقيقان، مشيراً الى ان الجانبين اتفقا على التنسيق بين مؤسسات البلدين ووزاراتهما لإزالة العقبات التي تعترض علاقات التعاون على كل الصعد.

     

    واعتبرت المصادر المواكبة ان المحادثات أعطت الضوء الأخضر للبدء بتفعيل دور المؤسسات الدستورية لمواكبة النتائج الإيجابية للزيارة التي ستكون موضع اهتمام مجلس الوزراء اللبناني في اول جلسة يعقدها عصر اليوم في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بعد نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي بأكثرية ساحقة غير مسبوقة في تاريخ الحكومات اللبنانية.

     

    وتوقعت ايضاً بدء التحضير اللبناني لزيارة يقوم بها رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري للبنان على رأس وفد وزاري في أول إشارة إيجابية لإعادة الاعتبار للجنة المشتركة بين البلدين لتتولى وضع الإطار العام للتعاون الاقتصادي والتجاري وآفاقه المستقبلية.

     

    وبالعودة الى المؤتمر الصحافي للحريري الذي اتصل فور عودته الى بيروت برئيسي الجمهورية ميشال سليمان والمجلس النيابي نبيه بري وبعدد من القيادات السياسية أبرزها رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط والرئيس السابق امين الجميل ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لوضعهم في الأجواء الإيجابية لمحادثاته في دمشق، تجدر الإشارة الى تأكيد رئيس الحكومة ان زيارته تأتي في سياق المصالحات العربية التي بدأها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في الكويت والتي ستتبعها مصالحات أخرى في المستقبل. ورأى الحريري انه لم يبق من موضوع إلا وتطرق إليه مع الرئيس الأسد واعداً بخطوات عملية ليرى الناس ان الزيارة ليست فقط شخصية بل لمصلحة البلدين والشعبين.

     

    وأكد انه لم ير إلا كل ايجابية من الرئيس الأسد في كل المواضيع التي تهم البلدين والشعبين وقال: «نحن نريد فتح آفاق جديدة بين البلدين وأن نتعامل مع الأمور بطريقة النظر الى النصف الملآن من الكوب وليس الى النصف الفارغ وأن نرى الإيجابيات ونحل الأمور بيننا في شكل غير استفزازي بل هادئ وصريح والمهم ان يفيد البلدين». وأضاف: «رهاننا على المستقبل ونحن نريد البناء لمستقبل افضل بين البلدين سواء كان في الاقتصاد أم في التجارة أم في كل المجالات التي تفيدهما».

     

    وكرر قوله: «نحن نريد علاقات مميزة مع سورية تكون مبنية على الصراحة والصدق وهذا ما لمسته من الرئيس الأسد، أما اذا أردنا ان ننظر الى الأمور في شكل سلبي وكل واحد يسجل نقطة على الآخر فهذا لا يفيد البلدين».

     

    ورداً على سؤال في شأن ما سيحمله الى حلفائه في لبنان (قوى 14 آذار)؟ أجاب الحريري: «انا جئت الى دمشق رئيس حكومة كل لبنان ولم آت كرئيس حكومة فريق سياسي ومن هذا المنطلق حرصنا في الحكومة وكأفرقاء سياسيين على بناء علاقة ودية بين الدولتين والشعبين، كل الأفرقاء في الحكومة يريدون هذا الأمر وهذا ما قلناه في بياننا الوزاري وهذا ما نلنا على اساسه ثقة المجلس النيابي».

     

    وعليه فإن الانفراج في العلاقات اللبنانية – السورية سيترك آثاره الإيجابية في الوضع الداخلي، إضافة الى انه سيزود الحكومة بجرعة سياسية  فوق العادة تتيح لها فتح ملف التعيينات الإدارية وملء الشواغر في الإدارات والمؤسسات الرسمية، كما ان اللقاء المباشر بين الأسد والحريري، وهو الأول من نوعه، أمّن للطرفين فتح قنوات للاتصال بينهما للتنسيق في كل ما هو طارئ وللتداول في آخر المستجدات من دون وسيط بينهما.

     

    على صعيد آخر، وصل ليل أمس الى بيروت وزير خارجية ايران منوشهر متقي في زيارة يقدم خلالها التهاني للحكومة الجديدة ويجدد الدعوة لرئيسها الى زيارة طهران. وينتظر ان تستغرق زيارة متقي لبيروت ساعات يتوّجها بعقد مؤتمر صحافي بعد ان يكون التقى اليوم الرؤساء سليمان وبري (في مصيلح في جنوب لبنان) والحريري ونظيره اللبناني علي الشامي والأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله. وتردد ان اجتماعه مع الأخير تم في ساعة متأخرة من الليل الفائت.

    "الحياة"

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.