8 ساعات بين الأسد والحريري وجهاً لوجه "طي الصفحة" ينتظر الترجمة وتحييد المحكمة

    0
    50

    مع أن القمة اللبنانية – السورية التي عقدها في آب 2008 رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد اعتبرت اشارة الانطلاق لعملية اعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، فان زيارة رئيس الوزراء سعد الحريري لدمشق السبت والاحد اكتسبت بعدا مختلفا يتصل بالشق المضمر منها وهو فصل ملف العلاقات الثنائية عن قضية المحكمة الخاصة بلبنان على أساس "فتح صفحة جديدة" بين القيادة السورية والحريري وما يمثله سياسيا ورسميا.

    وفي ضوء ذلك، رصدت الاوساط المراقبة ترتيبات الزيارة وشكلياتها أسوة بمضمون اللقاءات والمحادثات التي أجراها الرئيس السوري والحريري. وبدت هذه الترتيبات مثار "جدل مكتوم" داخليا. فثمة أوساط كانت تؤثر تغليب الطابع الرسمي واتباع الاصول المعتمدة في زيارات رؤساء الحكومات مع وفد وزاري من منطلق اكمال عملية "التطبيع"، واعلاء منطق التعامل من دولة الى دولة. وأبدت هذه الاوساط شكوكا في مغزى تغليب "الطابع الخاص" في استقبال الحريري مما يوحي بامكان توظيف سوريا هذا الطابع في اعادة فرض أنماط قديمة على تعاملها مع لبنان، معتبرة ان ما قيل عن "خطوات عملية" لترجمة النتائج الايجابية للزيارة ظل في اطار العموميات ولم تعلن أي خطوة تنفيذية بوضوح في مقابل الحجم الكبير للتطور الذي مثله ذهاب الحريري الى دمشق.

    غير أن أوساطا أخرى رأت في التكريم السوري الخاص للحريري دلالة أهم وأكثر تعبيرا عن رغبة دمشق في احاطة هذه الزيارة بدلالات قوية.

    وفي كلا الحالين ينتظر الجميع معرفة تفاصيل ما حكي عنه من اتفاقات على خطوات عملية لتزخيم عملية اعادة العلاقات الطبيعية، علما أن الجانب المتصل بالعلاقة المأزومة الطويلة السابقة بين دمشق والحريري أخذ معظم الوهج في تقويم الزيارة.

    والواقع ان الرئيس السوري ورئيس الوزراء اللبناني أمضيا نحو ثماني ساعات من الاجتماعات المنفردة "وجها لوجه" عبر ثلاثة لقاءات قبل ان يختم الحريري الزيارة بعد ظهر أمس بمؤتمر صحافي عقده في مبنى السفارة اللبنانية بدمشق حيث اكتسب حضوره اليها وعقده المؤتمر فيها رمزية ودلالة بارزتين.

    وأجملت أوساط قريبة من الحريري لـ"النهار" نتائج الزيارة فأشارت اولا الى ان رئيس الوزراء عاد الى بيروت مرتاحا الى كل ما رافق زيارته، وخصوصا بعدما عاين حرص الرئيس السوري على تجاوز البروتوكول تكرارا خلال استقباله واقامته مدللا بذلك على حرصه على إنجاح الزيارة، حتى ان الرئيس الاسد كان يقود السيارة بنفسه خلال التنقلات. وقالت هذه الاوساط "إن ثمة آمالا كبيرة نشأت خلال هذه الزيارة في طي صفحة الماضي أبرزها الجانب السوري ولاقاه فيها الحريري"، لافتة في هذا المجال الى ثلاث نقاط أساسية أعلنها الحريري في مؤتمره الصحافي تختصر هذا البعد. ذلك أنه شدد أولا على "أننا نرى الامور من موقع نصف الكوب الملآن ونرى الايجابيات". كما شدد على اقامة العلاقات "على أساس الصراحة والصدق". وأعلن ايضا "أننا لا نريد ان ننظر الى الأمور بشكل سلبي ولا أن يسجل أحدنا نقطة على الآخر". وقرن هذه النقاط بتأكيد جدية العلاقات قائلا ان "هذه الجدية ستترجم بخطوات عملية على الارض في مجالات عدة".

    وأضافت الاوساط القريبة من الحريري أنه خلافا للمعطيات التي سادت قبل الزيارة عن عدم وجود جدول أعمال للمحادثات، كان هناك جدول أعمال غني بالمواضيع والملفات وحصل توافق عليه سيترجم بخطوات تنفيذية في الاسابيع المقبلة. ولمحت في هذا الصدد الى زيارة محتملة اخرى للحريري مع وفد وزاري واسع لدمشق يتخللها درس كل الاتفاقات الثنائية الاقتصادية والتجارية وسواها ومعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين البلدين واعادة النظر فيها. واوضحت ان المحادثات بين الجانب السوري والحريري ادت الى توافق على مجموعة نقاط من ابرزها ترسيم الحدود وتحديدها وايلاء ملف التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري اولوية، واعداد كل وزارة ملفاتها ووضع مطالبها استناداً الى الاتفاقات الثنائية التي سيعاد النظر فيها.

    ومع ان الحريري والجانب السوري نفيا ان يكون موضوع المحكمة الخاصة بلبنان، قد طرح في المحادثات، رجحت اوساط سياسية واكبت الزيارة ان يكون الموضوع قد اثير على قاعدة الفصل بين ملفي العلاقات الثنائية ومسار المحكمة المستقلة، ولفت الحريري في مؤتمره الصحافي الى "ما قاله الرئيس الاسد في السابق وهو ان المحكمة الدولية اصبحت لدى المجتمع الدولي"، "ونحن ايضاً قلنا ان هذه المحكمة اصبحت لدى المجتمع الدولي وهي تقوم بعملها وكلنا نريد الحقيقة".

    وعزت الاوساط نفسها التكتم على نتائج الزيارة وعدم وضع سقوف عالية لها الى "مراعاة جو التعبئة الشعبية في الشارعين اللبناني والسوري وتحضيرهما لنتائج الزيارة". ولاحظت ان الحريري ولد انطباعاً انه يتولى هذا الملف شخصياً، فيما كان الرئيس السوري يتولى بدوره التحضير مباشرة للزيارة.

    اما حرص الحريري على عقد المؤتمر الصحافي في السفارة اللبنانية بدمشق، فادرجته الاوساط في اطار اعطاء الانطباع عن علاقة من دولة الى دولة وعلى اساس المؤسسات.

     

    بري

    وفي تعليق اول له على هذه الزيارة، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ"النهار" مساء امس: "ارى في هذه الزيارة توقيعاً بالاحرف الاولى لاتفاق سلام بين لبنان ولبنان وبين لبنان وسوريا وبين سوريا والسعودية".

    وعن انعكاسات الزيارة لاحقاً قال: "علينا كلبنانيين وعرب ان نبصر ونتبصر وان الاعمال بالاكمال والمتابعة ولنا ولسوريا كل المصلحة فضلاً عن العالم العربي".

     

    جعجع

    اما رئيس الهيئة التفنيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فقال لـ"النهار" تعليقاً على الزيارة: "لم يكن في امكان الرئيس سعد الحريري ان يظهر ايجابية اكثر مما فعل، بل كانت ايجابيته فوق العادة. وكل موضوع العلاقات اللبنانية – السورية صار الآن في الملعب السوري. واذا كانت كل الايجابية التي اظهرها الرئيس الحريري وتعاليه على الجروح والخلافات السابقة والحاضرة لن تقابل بايجابيات معينة فالأكيد ان العلاقات اللبنانية – السورية ستبقى مكانها ولن تحرز اي تقدم".

    واضاف: "بعد هذه الايجابيات انتظر مثلاً في اليومين المقبلين ان يكون ملف المفقودين والمسجونين اللبنانيين في سوريا قد بت تماماً لانه لا يحتاج الا الى اقفاله من جانب سوريا. وانتظر مثلاً في الاسابيع المقبلة ان تقفل المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات بصدور امر عن القيادة السورية لاننا نعرف ان الأمرة على هذه المعسكرات هي للمخابرات السورية. كما انتظر ان تبدأ عملية ترسيم الحدود من الجهة الجنوبية تحديداً لما لهذه الناحية من اهمية قصوى في انهاء احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. فلن يكون ممكناً بعد اليوم ان يطلب من سعد الحريري ان يبدي ايجابية اكبر والكرة الآن في الملعب السوري".

    وابدى جعجع ملاحظتين على هامش زيارة الحريري: "ان اشارة بالغة الأهمية ومعبرة جداً صدرت عن الرئيس الحريري بعقده المؤتمر الصحافي في السفارة اللبنانية تحديداً ليقول ان العلاقة هي من دولة الى دولة. والاشارة الثانية كانت اكثر وضوحاً حول المحكمة الدولية التي تنتظرها اكثرية اللبنانيين وبما معناه ان على جميع الاطراف ان يحترموا ما سيصدر عنها والا فان كل الكلام والحفاوة والحميمية ستبقى من دون نتائج فعلية".

     

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.