اتفاق الحد الأدنى للمناخ في كوبنهاغن يُثير خيبةً وعاصفةً من الانتقادات, مليارات للدول الفقيرة ولا حدود إلزامية لخفض انبعاثات الملوِّثين الكبار

0
72

لامس مؤتمر المناخ التاريخي في كوبنهاغن الكارثة، قبل أن يتمخض امس بعد 31 ساعة من المفاوضات الماراتونية عن اتفاق بطموحات محدودة، بتخصيصه مليارات الدولارات للدول الفقيرة لمكافحة الاحتباس الحراري، من دون أن يطلب من الملوثين الكبار خفوضات أكبر لغازات الدفيئة، وهو ما يبقى بعيداً كل البعد عن الامال التي علقت عليه في فترة من التعبئة غير المسبوقة استعداداً له.

وعكس أسبوعان من الاخذ والرد انقسامات عميقة بين الدول الغنية والفقيرة، وحتى بين الملوثين الكبار مثل الصين والولايات المتحدة، في شأن طريقة مكافحة الاحتباس الحراري.ومع ذلك، وافقت كل الدول الـ 193 الاعضاء في الامم المتحدة تقريباً على اتفاق قدمه الرئيس الاميركي باراك أوباما يدفع في اتجاه خفوضات أكبر للدول الغنية، ولكن من دون حدود الزامية.

وبعد المفاوضات الشاقة وقمة جمعت 130 رئيس دولة وحكومة وليلة من المناقشات الحامية، صرح الامين العام للامم المتحدة بان كي- مون: "هذا لا يمثل ربما كل ما نأمل فيه، لكن القرار الصادر عن المؤتمر يشكل مرحلة اساسية".

وصباح أمس، اعلن المؤتمر انه "أخذ علماً" بـ"اتفاق كوبنهاغن" الموقع مساء الجمعة بين رؤساء 28 دولة صناعية وناشئة، وهو ما يعتبر صيغة أقل قوة قانونياً وسياسياً من التبني الرسمي.

وكانت المساومة الناجحة التي أجراها أوباما الجمعة واستمرت 11 ساعة مع الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، أبرز الدول النامية، مهدت لتعاون مستقبلي بين الدول الصناعية والدول النامية. لكن "اتفاق كوبنهاغن" الذي تمخض عن تلك المساومة أثار انتقاد دول عدة طالبت الدول الصناعية بخفوضات أكبر للانبعاثات وشعرت بأنها ابعدت من المفاوضات التي أجرتها القوى الكبرى.

وكان أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اعلنا مساء الجمعة  التوصل الى "اتفاق كوبنهاغن"، علما ان الاختراق الرئيسي الذي تضمنه هو جمعه الولايات المتحدة والصين، أكبر ملوثين في العالم.

ومع ان أوباما وساركوزي اعتبرا أن الاتفاق "غير كاف"، علماً أن الرئيس الفرنسي  رأى فيه "افضل اتفاق ممكن"، تحدد الوثيقة المؤلفة من ثلاث صفحات هدفا يتمثل في الحد من ارتفاع حرارة الارض درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. لكنها لا تفصّل كيفية التوصل الى ذلك، وتنص على رصد الدول الغنية ثلاثين مليار دولار على المدى القصير، اي خلال السنوات  2010 و2011 و2012، على ان يتزايد هذا المبلغ ليصل الى مئة مليار دولار بحلول 2020. وستخصص هذه الاموال في شكل رئيسي للدول الاكثر فقراً بهدف مساعدتها على التأقلم مع تداعيات الاحتباس الحراري.

واعتبر الخبير المناخي الفرنسي ايرفيه لو ترو ان "الخطر يكمن الان في مرارة ما بعد كوبنهاغن، وتراجع التعبئة، وتبعثر الرأي العام"، بعد تصاعد الحماسة حول العالم مع اقتراب موعد المؤتمر الدانماركي.

وبعد ليلة طويلة، اكتفى رئيس الوزراء الدانماركي لارس لوكي راسموسن رئيس الجلسة العلنية الختامية للمؤتمر والذي بدت عيناه حمراوين، باعطاء الكلمة لمتحدثين سردوا  لائحة طويلة من الطعون في "الاتفاق".

وانتقد ممثل أرخبيل توفالو الصغير في جنوب المحيط الهادئ، بشدة مشروع الاتفاق، وشبهه بـ"حفنة من الاموال من اجل خيانة شعبنا ومستقبلنا"، علماً أن بلاده مهددة مباشرة بارتفاع مستوى البحار الناجم عن الاحتباس الحراري.

وأثار الاتفاق جدلاً حاداً بسبب التفاوض عليه سراً وراء الابواب المغلقة، مما يتعارض والقواعد المتعددة  للامم المتحدة، علماً أن المفاوضات أجرتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وكبرى الدول الناشئة كالصين والهند، وجنوب افريقيا والبرازيل، اي الدول الاكثر انتاجا لغازات الدفيئة.

ويدعو اتفاق الحد الادنى الدول الصناعية والدول النامية الى تأكيد التزامها تقليص انبعاث غازات الدفيئة خطيا بحلول نهاية كانون الثاني، ويلحظ آليات تضمن الشفافية في التطبيق. لكنه لا يحدد موعداً نهائياً يبدأ بعده تقليص تلك الانبعاثات على نحو تدريجي.

انتقادات

 

وأمكن التوصل الى صيغة "أخذ العلم" بالاتفاق، بعدما غرقت الجلسة في نقاشات استمرت ليل الجمعة-السبت وتبادلت خلالها بوليفيا وكوبا والسودان وفنزويلا اتهامات حادة مع رئيس الوزراء الدانماركي.

وقال المبعوث السوداني لومومبا ستانيسلوس دي أبينج الذي ترئس بلاده مجموعة الـ77 (130 بلداً نامياً) إن الخطة بالنسبة

الى أفريقيا هي بمثابة محارق النازية، إذ ستسبب مزيداً من الفيضانات والجفاف والانهيارات الطينية والعواصف الترابية وارتفاع منسوب مياه البحار.ورأى  أن الوثيقة عبارة عن "حل يعتمد في اعتقادنا على المعايير نفسها التي أرسلت ستة ملايين شخص في أوروبا إلى المحارق".

وأثار هذا الكلام رداً من بعثات أخرى، قبل أن يوافق الاتحاد الافريقي على الاتفاق.

وندد بعض المنظمات غير الحكومية بما اعتبرته "اخفاقا".  وقالت منظمة "غرينبيس": "من دون طابع الزامي، لن تتحقق أية أهداف سنة 2020 ولا سنة 2050، وليست ثمة خاتمة أسوأ لمؤتمر كوبنهاغن".

وأبدى المدير التنفيذي للمنظمة الافريقي الجنوبي كومي نايدو "خيبة امل عميقة". وقال: "انه اعلان نيات ينطوي على ثغرات يمكن ان تمر عبرها (طائرة الرئاسة الاميركية) آير فورس وان".

واصيب عدد من المفاوضين بخيبة امل كبيرة لان الفقرة التي تشدد على ضرورة التوصل الى اتفاق "ملزم قانونا" من الان حتى مؤتمر المناخ في مكسيكو في نهاية 2010  حذفت من النص النهائي.

واقترحت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل استضافة مؤتمر في منتصف الطريق، وتحديدا في حزيران المقبل في بون.

الزعماء

 

وقبل مغادرته كوبنهاغن مساء الجمعة، صرح أوباما بأن الاتفاق نقطة بداية، لافتاً الى أن "هذا التقدم لم يأت بسهولة ونعرف أن هذا التقدم وحده غير كاف… قطعنا شوطاً طويلاً، ولكن علينا الذهاب إلى مدى أبعد".

وقال كبير المفاوضين الصينيين في شأن المناخ  شيه تشن هوا إن "الاجتماع كانت له نتيجة ايجابية، ويجب أن يكون الجميع سعداء".

ورأى رئيس الوزراء الياباني يوكيو هاتوياما أن "الاتفاق خطوة كبيرة الى الامام".

واعتبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وهي من المناصرين لخطوات قوية لمكافحة الاحتباس الحراري أن "القرار كان صعباً جداً بالنسبة الي. قمنا بخطوة واحدة ونأمل في مزيد من الخطوات".

أما رئيس الوزراء الأوسترالي كيفين رود فوصف الاتفاق بأنه " مهم في ما يتعلق باتخاذ إجراء حيال التغير المناخي"، ذلك "أنه أول اتفاق عالمي بين الدول الغنية والدول الفقيرة على التغيرات المناخية".

وأبدى الاتحاد الاوروبي ارتياحه الى الاتفاق، وإن يكن أقر بانه لا يلبي طموحاته.

وقال رئيس الوزراء الاسوجي فريدريك رينفلت الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي حتى 31 كانون الاول الجاري إ ن "هذا الاتفاق ليس ممتازاً وهو ليس من طبيعة الرد على التهديد المناخي…لكنه بداية يجب ان نبني عليها".

وكان العديد من الدول الأوروبية يريد من أوباما أن يقدم عرضاً لخفض أكبر للغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري بحلول 2020 . لكنه لم يتمكن من ذلك، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن مجلس الشيوخ رفض التشريع الخاص بخفض انبعاثات الكربون.

ووصف رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر الاتفاق  بانه "كامل وواقعي". وقال: "الآن، يتوجب على كل الدول ان تلتزم القيام بأعمال ملموسة من اجل التصدي للتغيرات المناخية في اطار معاهدة جديدة، اعمال يمكن التحقق منها وتكون موضع متابعة".

 

(وص ف، رويترز، أب)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.