المساواة لا تنهي الاحتباس

0
98

في صعوبة كبيرة، وبعد مفاوضات مضنية تجاوزت الموعد المحدد، أمكن التوصل الى «اتفاق كوبنهاغن» حول المناخ، على رغم تحفظات كثيرة من الحاضرين. لقد غرق المشاركون، خبراء وسياسيين، في خضم بحث تقني عن كيفية المواءمة بين وقف ارتفاع حرارة الأرض، بفعل انبعاث الغازات الحابسة، وبين حاجة سكان الكرة الأرضية الى الغذاء والتنمية والتقدم.

 

وليس صدفة ان تقتصر مناقشة هذه المعادلة الصعبة، إن لم تكن مستحيلة، بين الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، فيما اقتصر دور المشاركين الآخرين، بمن فيهم الأوروبيون، على المراقبة والانتظار. كما ليس صدفة ان يشكل تأييد هذه الدول للصيغة النهائية للاتفاق، جواز المرور الى اعتماده في القمة. ذلك ان هذه البلدان الأربعة تختصر، بطبيعة اقتصادها وحاجاتها للطاقة، جوهر المعضلة من جهة، ومن جهة اخرى تختصر العلاقة بين الدول المتقدمة والدول الناشئة الوازنة في الاقتصاد العالمي.

 

كما بات معروفاً، ارتبط ارتفاع حرارة الأرض بالاحتباس الحراري الناتج عن الوقود والطاقة المستخدمة في الصناعة، وأيضاً من قطع الغابات واستخدامه للزراعة والمراعي، وأيضاً من تربية الماشية الضرورية للغذاء. اي يرتبط الاحتباس بالنمو الصناعي والزراعي والنقل. وسيستمر ما دام هذا التقدم ضرورياً، في ظل الاعتماد الشديد على الطاقة التقليدية التي لا يرى الخبراء والمتخصصون إمكاناً للاستغناء عنها في المستقبل المنظور. وعلى رغم اللجوء المتزايد الى الطاقة النووية والهوائية والشمسية، والاستثمارات الكبيرة في هذا المجال، لا تزال الطاقة البديلة النظيفة غير الملوثة وغير المنتجة للغازات الحابسة تشكل حوالى واحد في المئة من الحاجات الفعلية.

 

اي ان دول العالم لا تزال في حاجة ماسة للطاقة النفطية والمحروقات المسببة للاحتباس وللمراعي والاراضي الزارعية التي تقضي على الثروات الحرجية المنظفة للغازات الحابسة، خصوصاً ثاني اوكسيد الكربون. ولن تغامر دولة متقدمة صناعياً او ناشئة بالتزام الحد من نموها. وهذا ما عبّر عنه في وضوح الوفد الصيني المفاوض في كوبنهاغن عندما شدد على وجود 15 مليون جائع في بلاده لن يتمكن من إطعامهم ان هو التزم بجدول لخفض الانبعاث الحراري في بلاده.

 

إذن، اي تقدم يفترض الاحتباس الحراري. وهنا تكمن المعضلة. فالذين حققوا تقدمهم يسعون الى فرض المشاركة والمساواة في مكافحة الانبعاث الذي سيكون بالنسبة الى الدول الناشئة بمثابة سد لتحقيق تقدمها. فيما تعني هذه المساواة بالنسبة الى الدول النامية والفقيرة بمثابة حكم مبرم على إمكان تقدمها الصناعي والزراعي وتلبية الحاجات الأساسية لشعوبها. ولن تساهم البلايين المرصودة لهذه الدول الفقيرة في تنميتها ما دامت محرومة من إمكانات الطاقة البديلة النظيفة ومحرومة أيضاً من الاستفادة من الطاقة التقليدية. لتأخذ هذه البلايين طابع الرشوة الآنية اكثر بكثير من كونها حلاً لمشكلة التنمية.

 

هكذا، يبدو ان لا حل تقنياً لمشكلة المناخ، وسيظل العالم يدور في هذه الحلقة المفرغة من القرارات والتحفظات ما لم يتم التوجه الى حل سياسي، يفرض على الدول المتقدمة اكثر بكثير من الدول الفقيرة والنامية. واذا كان ثمة جدول لخفض الاحتباس ينبغي ان يكون مرتبطاً مباشرة بدرجة التقدم الاقتصادي للدول وليس بإجراءات متساوية في ما بينها. اي ان توافق الدول المتقدمة ان تزيد خفض انبعاثاتها في مقدار درجة نموها الاقتصادي، وان تعطى للدول الفقيرة فرصة للتقدم

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.