التنمية المستدامة وأمن الإنسان في البلدان العربية (*) (2/3)

    0
    84

      أمن الإنسان في البلدان العربية

     

      تلعب تقارير المنظمات الدولية، التي يتم إصدارها بشكل دوري، دوراً هاماً في مراقبة عمل الحكومات وأدائها في المجالات التي تدخل ضمن اختصاص تلك المنظمات. فقد أصبحت تلك التقارير، بما تكشفه من تقدم أو تراجع في سلم التنمية البشرية، بالاعتماد على مؤشرات اجتماعية واقتصادية، تثير مسؤولية الحكومات في المجالات ذات الصلة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعموم المواطنين.

     

      وفي الواقع، خلال العقود الثلاثة الماضية حققت الدول العربية إنجازات هامة في مجالات الإنماء والاقتصاد والتطور الاجتماعي، لكنّ المجتمعات العربية ما زالت تواجه مشكلات عميقة تهدد حاضر العرب ومستقبل أجيالهم القادمة. فمعدلات الأمية والفقر وتدنّي مستويات التعليم والبحث العلمي والتطور التقني في تزايد مقلق جداً، وعلى امتداد العالم العربي. كما أنّ هياكل الإدارات، خاصة الرسمية منها، شبه مترهلة تحتاج إلى إصلاحات عميقة وسريعة لتطوير مستوى الخدمات، التي تطال جميع المواطنين في مختلف جوانب حياتهم اليومية. يضاف إلى ذلك أنّ قضايا الحريات الشخصية والعامة، والخدمات الاجتماعية، وتوزيع الثروة، والعدالة في توزيع الضرائب وحسن جبايتها، والإنماء المتوازن، والمشاركة الديموقراطية، والتخفيف من حدة الانقسامات الطبقية والعرقية والقبلية والطائفية والجهوية وغيرها، تثير قلقاً شديداً في العالم العربي.

     

      ولعل أبرز ما يستوقف في التقرير الأول للتنمية الإنسانية في العالم العربي لعام 2002، إشارته إلى أنّ الفرد العربي سجل في السنوات العشرين الماضية أدنى نسبة نمو في مستوى الدخل في العالم لا يدانيه سوى سكان الصحراء الأفريقية، وأنه يحتاج إلى 140 سنة لمضاعفة دخله. كما ذكر أنّ التحديات التي تواجهها التنمية الإنسانية العربية على ثلاثة مستويات هي: الحريات، والمساواة بين الجنسين، واكتساب المعرفة. ويمكن إضافة تهديد الإرهاب وتصاعد الانقسامات الدينية والعرقية في المنطقة‏،‏ وازدياد التطرف وانتشار النزعات الأصولية السلبية‏،‏ واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى الدول،‏ وداخل كل دولة على حدة‏.‏ وأهم من ذلك كله عدم جاهزية المنطقة العربية للتحديات الاقتصادية المترتبة على العولمة‏،‏ وعدم تناغمها مع التطور التكنولوجي في العالم‏.‏

     

      وبعد سبع سنوات صدر التقرير الخامس برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 21 يوليو/ تموز 2009 ومساهمة نحو 100 خبير وأكاديمي (عرب وأجانب) متخصصين في شؤون العالم العربي، تحت عنوان " تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية "، حيث عرّف أمن الإنسان بأنه " تحرر الإنسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدة زمنياً والواسعة النطاق التي تتعرض لها حياته وحريتـه ".

     

      وتضمن سبعة تحديات يواجهها أمن الإنسان في البلدان العربية، وقد جاءت مرتبة بحسب قيمتها الاستراتيجية. والحقيقة، سيجد قراء التقرير أنّ مضامينه مألوفة، وقد تمت مقاربتها في التقارير الأربعة السابقة: أولها، صدر في سنة 2002 تحت عنوان " خلق الفرص للأجيال القادمة "، وقد تضمن ثلاث عقبات رئيسية تواجه العالم العربي تتمثل في: احترام الحريات الإنسانية، وتمكين المرأة، واكتساب المعرفة. وثانيها، صدر في سنة 2003 تحت عنوان " إقامة مجتمع المعرفة "، وجاء فيه: أنّ المعرفة تساعد بلدان المنطقة كمحرك قوي للنمو الاقتصادي وتسريع الإنتاجية، وتوسيع وتعزيز قيم الحرية والعدالة من خلال إرساء الحكم الرشيد. وثالثها، صدر سنة 2004 تحت عنوان " دعوة للحرية والحكم الصالح في العالم العربي"، وتضمن رصداً معمّقاً لنقص الحريات والحكم الصالح، ودعا للإصلاح في المجالين السياسي والقانوني. ورابعها، صدر سنة 2005 تحت عنوان " نحو نهوض المرأة في الوطن العربي "، حيث ركز على ضرورة رفع القيود المفروضة المكبلة لطاقات وحريات المرأة العربية، باعتباره عامل أساسي ولازم للتنمية في البلدان العربية كافة.

     

      غير أنّ الجديد في تقرير العام 2009 يكمن في توظيفه مفهوم " أمن الإنسان "، وسعيه إلى تحليل التحديات التي تواجه العرب دولاً ومجتمعات. إذ أنّ " أمن الإنسان " في البلدان العربية محكوم بسبعة تحديات متكاملة من حيث الوظائف والأبعاد:

     

      1 – البيئة والضغوط على الموارد، إذ من النادر أن يصدر تقرير دولي يتناول قضايا مصيرية تتعلق بأمن البشر ويعتبر البيئة أبرز العناصر المؤدية إلى انعدام الأمن، حيث اعتبر التقرير أنّ الضغوط البيئية المتعاظمة التي تواجهها المنطقة العربية ستؤدي إلى نزاعات سببها التنافس على الموارد الطبيعية المتناقصة.

     

      إنّ البلدان العربية، التي ضمت 317 مليون نسمة عام 2007 ستصل، حسب توقعات الأمم المتحدة، إلى 395 مليون سنة 2015، 60 % منهم لا تتجاوز أعمارهم 25 سنة، وهي أعلى نسبة للشباب في العالم ( متوسط معدل العمر فيها 22 سنة مقابل متوسط عالمي يبلغ 28 سنة ). كما سيتجاوز معدل التحضــر 60 % بحلول العام 2020، مما يعني توقع مزيد من التغيّرات في المنظومة القيمية والاجتماعية في عموم البلدان العربية. ومقابل هذا التطور التصاعدي في مكوّنات البيئة الحاضنة للديمغرافيا العربية، ثمة معطيات ضاغطة على أمن واستقرار البيئة، من قبيل ندرة المياه وشُحِّ مصادرها، حيث يقدر الحجم الإجمالي السنوي لموارد المياه السطحية المتوافرة في الدول العربية بنحو 277 مليار متر مكعب سنوياً لا ينبع منها في المنطقة العربية سوى نسبة 47 %، في حين يشترك في 53 % مع غيره من دول الجوار والمنابع، ناهيك عن مخاطر التصحر (يهدد نحو 2.87 مليون كيلومتر مربع أو نحو خمس المساحة الإجمالية للمنطقة العربية)، وتلوث المياه، وإجهاد مصادرها الجوفية. وبطبيعة الحال لن تكون البلدان العربية في منأى عن التغيّرات المناخية التي تعرض لها العالم في العقود الأخيرة، والتي بدأت تظهر نتائجها واضحة على الطبيعة والإنسان.

     

        2 – ضعف الدولة وعسر تحولها إلى وعاء حاضن لأمن الإنسان وسلامته واستقراره، فمما لا يختلف حوله اثنان إخفاق الدولة العربية الحديثة في إدراك مقوّمات الحكم الرشيد، كما هو متعارف عليها دولياً، وفي جل المسوحات والاستطلاعات التي أجراها معدّو التقرير كان نصيب الدول العربية ضعيفاً من حيث مدى قبول المواطنين لها (الشرعية)، ودرجة التزامها بالعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومن حيث كيفية إدارتها لاحتكار حق استخدام القوة والإكراه، ومدى قدرة الرقابة المتبادلة بين المؤسسات على الحد من إساءة استخدام السلطة.

     

      حيث أكد التقرير أنّ " العلاقة بين الدولة وأمن الإنسان ليست علاقة سليمة، ففيما يُتوقع من الدولة أن تضمن حقوق الإنسان نراها في عدة بلدان عربية تمثل مصدراً للتهديد ولتقويض المواثيق الدولية والأحكام الدستورية الوطنية ". كما تناول التقرير الإخفاقات الدستورية، فأشار إلى أنه رغم وجود دساتير في معظم البلدان العربية فإنه " في عدة مجالات جوهرية، لا تلتزم الدساتير العربية بالمعايير الدولية المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الدول المعنية، ويؤدي ذلك إلى الإخلال بمستويات أمن الإنسان "، وفنّد التقرير بعض هذه المعايير فأشار إلى أنّ " ثمة دساتير عربية تتناول حرية الرأي والتعبير بصورة غامضة مع الجنوح إلى التقييد لا إلى التسامح .. وهناك دساتير عربية عديدة تحيل تعريف الحقوق إلى القوانين التي تصدرها سلطة الدولة، بل تجيز التعدّي على حريات الأفراد وحقوقهم وانتهاكها ".

     

      ويتحدث التقرير عن استخدام القانون لتقييد الحريات، فيشير إلى أنّ ست دول عربية تمنع مواطنيها من ممارسة العمل السياسي، كما تقيّد إقامة وعمل الجمعيات المدنية وتفرض الرقابة عليها في معظم الدول العربية، كما تشهد بعض الدول العربية أحكاماً عرفيةً أو أحكام طوارئ منذ عقود، رغم أنّ هذه الأحكام عادة ما تكون لفترة محددة، وتستخدم بعض الدول القوانين لتهديد " حرية التعبير وتزيد من الصلاحيات الممنوحة للشرطة لتفتيش الممتلكات والتصنت والاعتقال، وفي بعض الحالات تزيد من الإحالة على المحاكم العسكرية ". وعلى العموم أخفقت القوانين في تحقيق التوازن المطلوب بين أمن المجتمع من جهة والحريات الفردية من جهة ثانية، وكان من نتائج ذلك أنّ السلطة القضائية في أغلب البلدان العربية " تعاني انتهاك استقلالها بصورة أو بأخرى جراء هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية "، وقد أدى ذلك إلى أنّ " كثيراً من مواطني البلدان العربية يعيشون في حالة من انعدام الحرية، ويُحرمون من الإدلاء بأصواتهم، واختيار ممثليهم ". كما يتحدث التقرير عن دعوات الإصلاح، التي ارتفعت خلال السنوات الأخيرة في بعض البلدان العربية، فيشير إلى أنّ تلك الدعوات " قوبلت بالترحيب .. غير أنّ هذه المبادرات على أهميتها، كانت تفتقر إلى الفاعلية ولم تغير من طبيعة العقد الاجتماعي في البلدان العربية، أو الأسس البنيوية للسلطة في المنطقـة ".

     

        وأثار التقرير، ضمن تعريفاته لمفهوم " أمن الإنسان "، نقطة معرفية على درجة بالغة الأهمية، تتعلق بطبيعة الدولة القادرة على تحقيق الأمن بالمواصفات المبينة أعلاه. إذ يشير إلى أنّ " الفرد لا يضمن لنفسه الأمن إلا في ظل دولة قوية، تخضع للمحاسبة، وتحكم بشكل جيد "، ما يعني أن تقعيد حكم الدولة على أسس ومبادئ الحكم الرشيد شرط لا مندوحة عنه، وهو ما نراه معطىً إشكالياً في البلدان العربية.

     

      ولم يفلت من جدلية العلاقة مع دور الدولة العربية ومسؤولياتها، كما شخّصتها بكفاءة أمة العليم السوسوة مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة، عندما كتبت في مقدمة الوثيقة " إنّ أمن الإنسان وأمن الدولة وجهان لعملة واحدة، فضمان أمن الإنسان يؤدي ليس إلى المزيد من فرص التنمية البشرية فقط، وإنما يمكّن الدولة أيضا من الاستفادة المستديمة من البيئة، ومن استحقاق شرعيتها في نظر مواطنيها، ومن الاستفادة من التنوع وتقوية اقتصادياتها في وجه التقلبات العالميــة ".

     

      3 – الأمن الشخصي للمواطنين في البلدان العربية، فإذا كانت المعوّقات البنيوية التي تحول دون قيام الدولة بوظائفها الدستورية والسياسية في توفير شروط " أمن الإنسان " في العالم العربي بالوجه الأكمل، فإن ثمة " فئات خارج نطاق التيار المجتمعي الرئيسي لا تتمتع بالأمن الشخصي على الإطلاق "، وقد حصرها التقرير في " النساء المُكرَهات اللواتي تُساء معاملتهن، وضحايا الاتجار بالبشر، والأطفال المجندين والمهجَّرين داخليا واللاجئين.. "، وبإطلالة سريعة على مضامين الفقرات ذات الصلة، تتجلى خطورة استمرار هذا التهديد على مستقبل تماسك المجتمعات العربية.

     

      وكالعادة تبوأت المرأة العربية مكانة بارزة في التقرير الذي اعتبر البيت مكاناً لممارسة العنف غير المنظور على الزوجات والشقيقات والأمهات، منوهاً بصعوبة قياس مدى انتشار العنف ضد النساء في الدول العربية لأنه " من الموضوعات المحظورة في ثقافة تتمحور حول السيطرة الذكورية "، فجرائم الشرف والاغتصاب والنزاعات المسلحة على رأس قائمة أشكال العنف الممارَس ضد المرأة العربية.

     

      ومما يثير الانتباه حجم مشكلة الاتجار بالبشر في العالم العربي، إذ أنّ هذه الظاهرة تتحرك وراء ستار السرية، تحت سمع الدول وبصرها: فقد تكون الدولة وجهة هذه الظاهرة، أو ممراً للعبور، أو قد تكون هي نفسها مصدر الأشخاص الذين يتم الاتجار بهم. وكما يقول التقرير: باتت البلدان العربية مقصداً رئيسياً للاتجار بالأشخاص الوافدين من مختلف بقاع الأرض (جنوب شرق آسيا، وجنوب آسيا، وشرق أوروبا، وآسيا الصغرى، ووسط آسيا وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء). وهذا يعني، بالنسبة إلى الرجال، العمل القسري في ظل ظروف غير إنسانية لا تُحترم فيها حقوق العمال. وبالنسبة إلى النساء، يعني خدمة منزلية، أو العمل في الملاهي الليلية والاستغلال الجنسي. وللأطفال يعني استخدامهم القسري كمتسولين، أو باعة جوّالين، أو حمّالين، أو تجنيدهم في الحروب الأهلية (السودان والصومال).

     

      وبالنسبة إلى اللاجئين، يلفت التقرير إلى فرادة المنطقة العربية باعتبـــارها " المنطقة التي تلتقي فيها قضية اللاجئين الأطول عهداً في العالم أي قضية الفلسطينيين بتلك الأحدث عهداً في دارفور ". ويقدر التقرير عدد اللاجئين في المنطقة بنحو نصف اللاجئين في العالم، وفقاً للأرقام التي سجلتها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) و" عددهم في البلدان العربية نحو 7,5 مليون في عام 2008 من إجمالي عددهم في العالم البالغ 16 مليوناً "، ومعظم هؤلاء اللاجئين من الفلسطينيين يليهم العراقيون. ويلفت التقرير إلى أنّ عدد النازحين داخل بلدانهم يفوق عدد اللاجئين " يبلغ نحو 9,8 مليون مهجّر غالبيتهم الكبرى موزعة في ست دول عربية هي السودان وسورية والصومال والعراق ولبنان واليمن ".

     

      وأشار إلى أنّ عامل الاحتلال والتدخل العسكري " يؤديان إلى تهجير الشعوب ويزرعان بذور التوتر ويعززان الجماعات المتطرفة التي تلجأ إلى العنف "، إضافة إلى أنهما يساعدان الأنظمة على " أن تتخذ من حماية الأمن القومي ذريعة لتأخير مسيرة الديموقراطية ". كما أنّ المراقبة الميدانية، التي يشير إليها التقرير، رصدت علاقة وثيقة الصلة بين الاختلافات الإثنية والطائفية والدينية واللغوية في عدد من الدول العربية ونشوب الصراعات المسلحة فيها، ومنها الصومال والعراق والسودان ولبنان.

     

      كما انتقد التقرير المنحى الأيديولوجي أو المذهبي الذي تنتهجه بعض الدساتير العربية، والذي يُفرغ النصوص المتعلقة بالحقوق والحريات العامة من كل مضمون، وشملت الانتقادات كذلك قوانين مكافحة الإرهاب التي منحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة " قد تشكل تهديداً للحريات الأساسية ". ويصف التقرير العلاقة بين الدولة وأمن الإنسان بأنها " ليست علاقة سليمة "، لأنه في الوقت الذي يتوقع من الدولة أن تضمن حقوق الإنسان، تكون هي نفسها مصدراً للتهديد، واعتبر التقرير " أزمة دارفور " دليلاً على تأثير أداء الدولة في أمن الإنسان.

     

      ولعل من أبرز ما أشار إليه التقرير هو الهوية والتنوع والمواطنة، فهذه القضايا التي شهدت حراكاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة شكلت مصدر قلق للإنسان العربي باعتباره يعيش محيطاً واسعاً من التنوع الإثني والديني والطائفي واللغوي، وقد ألمح التقرير إلى أنّ العرب قد مروا بمرحلة حاولوا خلالها حجب هذه التنوع، إلا أنّ التجربة أثبتت أنّ التنوع قد يكون مصدر قوة للأمم كما يمكن أن يصبح مصدر تهديد لأمنها، فقد أصبحت الحقوق المنقوصة لبعض المواطنين بسبب انتمائهم الديني أو العرقي أو الثقافي أو السياسي مصدر اختراق لأمن بعض الدول العربية، حيث ذهبت الأقليات تبحث عن أمنها خارج أوطانها، أو بحثاً عن الشبيه لها في هذا التنوع لتشكل معه تكتلاً داخل المجتمع أو تمتد بجذورها خارجه، ولا شك أنّ هذه الاختلافات لا يمكن التعامل معها إلا تحت مظلة المواطنة التي تتعامل مع مواطنيها على مبدأ المساواة وسيادة القانون، ولعل موضوع المواطنة من الموضوعات القلقة في حياة الإنسان العربي، فهو يعيش بين مطالبته بالالتزام بخصوصية هذه المواطنة والانفتاح على العالم في إطار العولمة الإنسانية.

     

      4 – الأمن الاقتصادي للدول والمواطنين على حد سواء، فمن المفارقات التي أسس عليها التقرير تحليله خطورة هذا التهديد، اعتماداً على الصورة المضلِّلة التي تعطيها الثروة النفطية عن الأوضاع الاقتصادية للبلدان العربية المنتجة لهذه الثروة الطبيعية ومشتقاتها، وقد استند في توضيح هذه المفارقة على المؤشرات المعتَمدة في تقارير التنمية البشرية عموماً، من قبيل " مستويات دخل الفرد وأنماط نموها، خيارات العمل والاستخدام، الفقر، الحماية الاجتماعية ".

     

      كما أفاد التقرير بأنّ هناك 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر، في حين تصل نسبة من يعيشون في فقر مدقع إلى نحو 34.6 مليون عربي بحسب خط الفقر الدولي (2005). وفي ما يتعلق بالبطالة " في العالم العربي بلغت 14,4 % مقارنة بـ 6,3 % على الصعيد العالمي "، وأنّ اتجاهات البطالة ومعدلات نمو السكان تشير إلى أنّ الدول العربية " ستحتاج بحلول العام 2020 إلى 51 مليون فرصة عمل جديدة ".

     

      وبعد صدور التقرير عُقد المؤتمر العربي الأول بشأن تشغيل الشباب في الجزائر ما بين 14 و 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، حيث قال المدير العام لمنظمة العمل العربية أحمد محمد لقمان: إنّ العالم العربي بحاجة إلى أربعة ملايين وظيفة جديدة سنوياً، وأوضح أنّ نسبة البطالة في العالم العربي بلغت 14 % لعام 2009، مشيراً إلى حاجة دوله إلى 4 ملايين وظيفة جديدة سنوياً. وتحصي منظمة العمل العربية أكثر من 25 مليون عاطل عن العمل في العالم العربي.  ومن جانبه قال الأمين العام المساعد في الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب طعمة الجوابرة: إنّ البطالة في العالم العربي تنتشر أكثر بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 عاماً إذ تفوق 25 %، مشيراً إلى أنّ الدول العربية تحتاج بحلول عام 2020 إلى 51 مليون فرصة عمل جديدة.

     

      5 – الأمن الغذائي، فإذا كانت بعض البلدان العربية قد ابتعدت عن خط الجوع بسبب إعادة توزيع ريع ثرواتها الطبيعية، وقد وصل بعضها حد التخمة مع ما نجم عن ذلك من مشاكل صحية (البدانة)، فإنّ أكثريتها تعاني مما أسماه التقريــــر " القصور الغذائي " المترتب عن عدم توافر ما يكفي من الأطعمة المتنوعة الضرورية للتوازن الغذائي والصحي.

     

      وعلى رغم أنّ الدول العربية تتمتع بقدر أوفر – نسبياً – على خط الغذاء الدولي مقارنة بخط الفقر، فإنّ هناك من السكان من هم مصنفون تحت بند " الجياع "، وهناك تباين ملموس بين البلدان العربية في مدى التقدم في مكافحة الجوع. والغريب أنّ الدول العربية تتمتع بدرجة من الاكتقاء الذاتي في مجال السلع الغذائية التي يقبل عليها الأغنياء، مثل اللحوم والأسماك والخضر، أكبر منها في المواد الغذائية التي يستهلكها الفقراء مثل الحبوب والشحوم والسكر. ويظل المستوى المتدني للاكتقاء الذاتي من الأغذية الأساسية واحداً من أخطر الفجوات التنموية في المنطقة العربية بحسب ما أكد التقرير.

     

      6 – الأمن الصحي، حيث غدا متعذراً ضمان الصحة لكل المواطنين، و تفشَّت الأمراض والأوبئة القاتلة في العديد من البلدان العربية، ناهيك عن المخاطر الصحية المستجدة، إذ يورد التقرير أنّ أكثر من 31.600 بالغ وطفل قضوا في البلدان العربية بسبب " الإيدز ".

     

      ومن النقاط الإيجابية النادرة التي أشار إليها التقرير صحة المواطن العربي، إذ حققت البلدان العربية، على مدى العقود الأربعة الماضية، تقدماً مشهوداً في مجال ارتفاع متوسط الأعمار المتوقعة، وانخفاض معدل وفيات المواليد الجدد. ولكن تظل هناك ثغرات عديدة، إذ أنّ الصحة ليست مضمونة للجميع، فالنساء يعانين أكثر من غيرهن من الإهمال، وبعض التقاليد يمنع حصولهن على الرعاية الصحية المناسبة، بالإضافة إلى العجز البيروقراطي ونقص التمويل مع تعاظم الأخطار الصحية جراء انتشار أمراض معدية جديدة.

     

      7 – الاحتلال والتدخل العسكري، حيث تعاني دول عربية كثيرة من هذا الواقع والمخاطر الناجمة عن استمراره. إذ عرض التقرير تقييماً للأضرار الناجمة عن الانتهاكات التي ترتكب ضد حقوق الإنسان، مع التركيز على آثار " التدخل " الأمريكي في العراق، واستمرار " السيطرة " الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك " الحملة " الأخيرة على غزة.

     

      وجاء في التقرير " من منظور التنمية الإنسانية لن يتحقق السلام الدائم إلا بإنهاء احتلال إسرائيل للأراضي التي احتلتها في 1967 واستعادة الحقوق الفلسطينية وفي مقدمتها حق تقرير المصير. وقد ساهم غياب مثل هذا الحل حتى الآن في إحباط التنمية الإنسانية في المنطقة ". كما أشار إلى الارتفاع غير المسبوق في أعداد الوفيات في العراق بعد الغزو الأمريكي في 2003 والتدهور العام في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية للعراقيين بعد الغزو.

     

      تونس في 10/12/ 2009                 الدكتور عبدالله تركماني

     

                                           كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

     

      (*) – في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الثامن والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " مساقات الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وبأوروبا " خلال يومي 11 و 12 ديسمبر/كانون الأول 2009، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ".

     

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.