شكوك الخليجيين مستمرة في نوايا ايران ويطالبون بالمشاركة في الحوار

0
67

القراءة المعمقة لنتائج قمة مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في الكويت هذا الأسبوع تفيد بأن هذه هي المرة الأولى منذ غزو الكويت واحتلالها التي تقوم فيها الدول الست بتفعيل استراتيجية الأمن الخليجي الجماعي، وذلك عند الحديث عن الاعتداءات على المملكة العربية السعودية على الحدود مع اليمن ومعركتها مع الحوثيين. وتفيد أن "قوة التدخل السريع" التي انطلقت من قمة الكويت هدفها المواجهة الجماعية للإرهاب، وليس إنشاء شبه جيش مشترك للتدخل في النزاعات الإقليمية أو تلك ما بين دول الخليج العربية. وتفيد القراءة المتمعنة ان الرسالة الأساسية لإيران ليست الرغبة في الحوار معها كمجلس تعاون بشروطها وانما الاستعداد للتحاور معها ضمن الشروط الدولية للحوار والانخراط. أي أن قمة الكويت طالبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ألاّ تتمرد على الشرعية الدولية والشروط الدولية للتوافق بل أن تنسجم مع قواعد السلوك الدولي وان تزيل مخاوف دول الجوار وشكوكها. وتزامنت مع عقد القمة الخليجية دعوات ملفتة الى توسيع الحوار بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد المانيا (5+1) وبين إيران ليشمل دولاً رئيسة من المنطقة مثل المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا. والأكثر إثارة للفضول والانتباه هو الموقف الأميركي من هذه الدعوات والذي هو عبارة عن ترحيب بفكرة تأجيل فرض المزيد من العقوبات على إيران بقرار من مجلس الأمن، بحجة تلبية مطالب دول المنطقة بتوسيع رقعة حوار 5+1، بموازاة مع ازدياد الكلام عن مهلة شهر لطهران لتبدّل مواقفها نحو المطالب الدولية منها في الملف النووي.

 

هناك أمور عدة ملفتة حدثت في الكويت أثناء القمة الخليجية، منها ما يدخل في خانة طبائع العلاقات ما بين الدول الست – المملكة العربية السعودية، ودولت الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين وسلطنة عمان ودولة قطر – ومنها ما يشير الى توجهات استراتيجية لهذا المجلس.

 

في البدء، مسألة الأمين العام لمجلس التعاون والتي اختلفت عليها قطر والبحرين وكادت تُفشِل قمة الكويت لولا إصرار أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح على ايجاد صيغة تحول دول الفشل.

 

هذه أول مرة لا يتم اختيار الأمين العام المقبل لمجلس التعاون، وانما يتم تحديد الدولة التي سيأتي منها الأمين العام. هذا جديد على مجلس التعاون إذ انه، تقليدياً، ينهي قممه باختيار القادة شخصاً معيناً أميناً عاماً للمجلس علماً أن هناك دورية في انتماء المرشح للدولة التي يحين دورها. ما حدث في قمة الكويت عندما دعمت القمة مرشحاً للبحرين أميناً عاماً وليس مرشح البحرين المطروح اسمه انما هو أمر مُستحدث في تقاليد مجلس التعاون وصيغة جديدة أُدخِلت على أسلوب عمل مجلس التعاون الخليجي.

 

كذلك، هذه هي المرة الأولى التي تفرض فيها دولة في مجلس التعاون الفيتو على شخص أمين عام مرشح لدولة أخرى. ولذلك جاءت توصيات قمة الكويت بترشيح للدولة وليس للشخص. وهذه سابقة. فلقد جرت العادة أن تتقدم الدولة بمرشحها من دون اعتراض، احتراماً للتقاليد، وما حدث هو خروج عن المألوف والمعتاد عندما اعترضت قطر على مرشح البحرين، وزير الإعلام السابق محمد المطوّع، الذي، في رأي قطر، أهان أميرها، فيما، في رأي البحرين، تلقى ملك البحرين إهانات من مسؤولين كبار في قطر.

 

حصيلة الأمر ان قطر كانت تريد التمديد للأمين العام الحالي لمجلس التعاون، القطري عبدالرحمن العطية الذي يُكمل 3 دورات بحلول آذار 2011، انما فشلت. أما البحرين فإنها اضطرت، عملياً وكأمر واقع، الى التخلي عن محمد المطوّع مقابل حجز مكانها في الأمانة العامة، وكانت تلك الصيغة الأقل ضرراً وجنّبت قمة الكويت الإخفاق. فالآن يجدر بالبحرين اختيار مَن يقوم بهذه المهمة بانسجام مع البيئة الخليجية.

 

ثانياً، ايران. لقد تصرفت الكويت بصورة حاسمة عندما لم تعط أية فرصة لاحتمال دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى قمة مجلس التعاون، فوضعت المؤتمرات المقبلة على النهج الكويتي القائم على أنه لا يمكن لمجلس التعاون القبول برئيس دولة من الجوار لأن مجلس التعاون هو لدول الخليج، وان ما حصل في الدوحة عندما دعت أحمدي نجاد الى قمة مجلس التعاون كان الاستثناء وليس تقليداً يُتبَع.

 

وبالنسبة الى الملف النووي، شددت قمة الكويت على الالتزام بالشراكة الدولية وشروط معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وتحدثت عن منطقة للشرق الأوسط خالية من السلاح النووي ورحبت بجهود دول 5+1 لحل الأزمة بالطرق الديبلوماسية وعبر تسوية سياسية. انما القمة أوضحت ما المطلوب من إيران اليوم، وهو ألا تتمرد بل أن تنسجم مع قواعد السلوك الدولية، وان تساهم وتفي بما عليها لإنجاح المفاوضات السلمية، وان تزيل شكوك دول الجوار ومخاوفها. فلقد حددت قمة الكويت المسؤوليات على إيران بعدما أوضحت ان لإيران الحق باستخدام الطاقة النووية سلمياً تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فجاءت مواقف دول مجلس التعاون في البيان الختامي للقمة بمثابة شروط على إيران. وهذا برهان على استمرار الشكوك بإيران.

 

بالموازاة مع قمة الكويت، أتت رسائل ملفتة ولربما مختلطة من الولايات المتحدة في ما يخص العقوبات على إيران. فمن جهة، برز الكلام عن مهلة شهر للتجاوب، وإلا. انما من جهة أخرى أفادت مصادر ومؤشرات عدة بأن الغرب يبحث عن ذريعة أو حجة لتجنب فرض العقوبات على إيران الآن.

 

هنا، أتى موقف وزير خارجية البحرين، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، بصورة لافتة للانتباه. فهو قال في حديث الى "الحياة" على هامش "حوار المنامة" في البحرين في اليوم ذاته من بدء القمة الخليجية، ان فرض العقوبات الإضافية على ايران "ليس اجراءً عادلاً" لأن أساس تعزيز العقوبات هو حوار "ناقص" جرى بين الـ 5+1 وافتقد بعداً فائق الأهمية. المهم في كلامه ليس ضرورة توسيع الحوار ليشمل دول المنطقة فحسب وانما ربط فشل حوار الـ 5+1 وما يترتب على ذلك من عقوبات بعدم مشاركة دول إقليمية مع الـ 5+1 في الحوار مع إيران.

 

في اليوم ذاته كان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان يؤكد في المنامة "انني اتفق تماماً مع حقيقة انه يتعين علينا أن نأخذ مصالح دول الخليج في اعتبارنا في هذه المحادثات… ولن يمكننا تجاهل مصالحهم. البحرين لديها نصائح جيدة لنا. انهم جيران إيران ولديهم علاقات ديبلوماسية مع إيران على العكس منا. وسنسعى للحصول على أفضل النصائح من دول الخليج لهذه المحادثات" وأضاف: "سآخذ الاقتراح معي الى واشنطن لنتأكد من أن واضعي سياساتنا يأخذونه في الاعتبار".

 

مصادر ديبلوماسية رفيعة، عربية وغربية، أكدت أن هناك في الولايات المتحدة وألمانيا وربما فرنسا وبريطانيا أيضاً من يريد استخدام التشكيك في شكلية إقامة الحوار مع إيران (5+1) والمطالبة بمشاركة الدول الرئيسة في المنطقة في هذا الحوار كحافز لتأجيل فرض عقوبات إضافية على إيران احساساً منهم ان إيران ستلاقي التصعيد بالتصعيد، بدلاً من أن تؤدي الضغوط الى التجاوب إيجاباً. وهذا ما أكده مسؤول رفيع شارك في "حوار النامة" نقلاً عن زير خارجية إيران بأن العقوبات المعززة ستؤدي الى قرار تعزيز تخصيب اليورانيوم الى 20 في المئة.

 

قمة الكويت بعثت رسائل الخطوط العريضة الى طهران ولم تكشف بصورة علنية عما إذا كانت جميع دول مجلس التعاون تسير في اتجاه توسيع قاعدة الحوار لتفادي المزيد من التصعيد. ودعمت القمة سيادة دولة الإمارات على جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ودعت إيران الى الحوار بشأنها. وتجنبت قمة الكويت الخوض في استراتيجية متكاملة نحو العراق وأيضاً نحو فلسطين. أرضت قمة الكويت المملكة العربية السعودية بدعوتها الى الإسراع في المصالحة الوطنية العراقية من أجل إنجاح العملية السياسية الشاملة "التي يجب أن تستوعب جميع أبناء الشعب العراقي من دون استثناء أو تمييز". وأرضت الكويت بالتأكيد أن على العراق استكمال تنفيذ قرارات مجلس الأمن، علماً بأن نائب رئيس الوزراء وزير خارجية الكويت الشيخ محمد الصباح أوضح في حديثه الى "الحياة" عشية القمة ان خروج العراق من تحت الفصل السابع للأمم المتحدة مرتبط بتنفيذه الكامل للقرارات.

 

بالنسبة الى لموضوع الفلسطيني، حرصت القمة الخليجية على تثبيت الثوابت بلا مبادرات جديدة. وبحسب المصادر المطلعة، أبلغ مسؤولون أميركيون عشية القمة الى مسؤولين خليجيين ان الإدارة الأميركية جديّة في اعتزامها التحرك مجدداً لإطلاق المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، إنما على أساس الانطلاق من حدود الدولة الفلسطينية كي لا تبقى المفاوضات مجمّدة في الخلاف على الاستيطان. وأيّدت قمة الكويت قرار مجلس الجامعة العربية الخاص بعقد جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي لإعلان قيام دولة فلسطين على أراضيها المحتلة في عام 1967، إنما من دون موعد زمني، كما رحبت ببيان الاتحاد الأوروبي الذي أكد على الحق الفلسطيني في القدس كعاصمة له في إطار إنشاء دولته، ودعا الى "لم الشمل" الفلسطيني و "توحيد الكلمة".

 

رسالة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح الى قمة الكويت كانت انه يريد أن يكون مجلس التعاون الخليجي شريكاً لليمن في معاناته الإقليمية والاقتصادية والسياسية. رد قمة الكويت هو ان دول مجلس التعاون ضد تقسيم اليمن ومستعدة للمساعدة للحؤول دون ذلك، انما الشراكة مع اليمن لن تصل بعد الى مستوى إدخاله عضواً في مجلس التعاون الخليجي. كما لوحظ ان بعض الوزراء، كوزير خارجية البحرين مثلاً، ميّز بين الاعتداء على المملكة العربية السعودية من أطراف في اليمن، وبين معركة حكومة اليمن مع الحوثيين معتبراً ذلك "شأناً داخلياً".

 

قطر وعمان أيضاً تميزان بين المسألتين وهما متشددتان في شأن ضرورة الحوار لحل الأزمة مع الحوثيين في الوقت الذي رفضت الحكومة اليمنية الحوار الإقليمي – الذي أرادته قطر وإيران – رفضاً باتاً وأكدت على لسان اللواء علي الآنسي في حديثه الى "الحياة" أن لا حوار مع الحوثيين ولا بديل عن الحسم العسكري الآتي قريباً، بحسب قوله.

 

أما في "التضامن التام" وفي "الدعم المطلق لحقها في الدفاع عن أراضيها"، فقد كان هناك إجماع بلا تحفظ من جميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي بأن "أي مساس بأمن واستقرار المملكة العربية السعودية هو مساس بأمن واستقرار وسلامة كافة دول المجلس".

 

في الجانب الاقتصادي، اتخذت قمة الكويت خطوات عملية تُهنّا عليها أبرزها انطلاقة عربة "الاتحاد النقدي"، والتكليف بدراسة إنشاء مشروع ربط دول مجلس التعاون بقطارات سكك حديدية، وخطوات المساواة في المعاملة بين مواطني مجلس التعاون في التعليم، وإنشاء هيئة إقليمية للاعتماد الأكاديمي والجودة، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وبالطبع، تدشين الربط الكهربائي.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.