علاقة الأسد والحريري بعيداً من المبالغات

    0
    85

    وليد شقير

     

    يفترض أن تفتتح الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الى دمشق خلال اليومين المقبلين للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، مرحلة جديدة تسمح بتأسيس علاقة بين الطرفين، إن على الصعيد الشخصي، أو على صعيد الدولتين.

     

    ويخطئ من يظن أن الزيارة ستبدأ بمعالجة الملفات العالقة بين سورية ولبنان منذ أول جلسة. فعنوان الزيارة هو المصالحة بين الرجلين بادئ ذي بدء. بل يجب أن ينظر الى تلك المصالحة على أنها جزء من المصالحات العربية الجارية، قبل أي شيء آخر وخطوة من خطوات المصالحة السعودية – السورية التي بدأت في قمة الكويت الاقتصادية مطلع العام الحالي. والدليل الى ذلك أنه ليس هناك أي فريق لبناني، غير الحريري على اطلاع على مجريات تلك المصالحة بين الدولتين، وعلى التواصل السعودي – السوري في شأن إتمام الزيارة نفسها وإنجاز المصالحة اللبنانية – السورية.

     

    ويكون مجافياً للمنطق أن يتم تحميل الزيارة بأثقال من نوع فتح الملفات العالقة بين لبنان وسورية دفعة واحدة، منذ الجلسة الأولى بين الرجلين. فوظيفتها، وفق ما يفترض أن ينظر إليها كل منهما فضلاً عن العارفين بحساسية علاقتهما، هي تصفية العلاقات الشخصية بينهما. وهذا يجعل الموقع الذي يأخذ الحريري الى دمشق، أي رئيس الحكومة اللبنانية، في مرتبة ثانية من الأهمية، في لحظات اللقاء الأولى، التي قد تطول أو تقصر، ليعود ويحتل مرتبة أهم عند بدء عملية البحث في العلاقة السياسية. وتصفية العلاقة الشخصية تبدأ بما سيقوله كل من الرجلين للآخر، خصوصاً الحريري حين تحدق عيناه بعيني مضيفه. وماذا سيكون جواب الثاني. فالأسد متهم بأفعال كثيرة تجاه الحريري وبعض اللبنانيين وما زال متهماً، والحريري صاحب مضبطة الاتهام، من بين كثر يشتركون فيها معه. والفيصل بينهما لا يقتصر على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بل يتعداها الى ما هو أبعد تحت عنوان كيفية الملاءمة بين العدالة وسياسة الإصرار عليها وبين مقتضيات المصالحة العربية والحاجة السورية – اللبنانية المشتركة الى تنقية العلاقة بين الدولتين. وعندها يصبح الزمن فيصلاً آخر في العلاقة بين الرجلين. وعندها قد يتم اللجوء الى مبدأ تسييس العدالة. عندها فقط، لأن المحكمة لم تكن ولم تصبح قابلة للتسييس على رغم صراخ بعض أعدائها منذ ما قبل نشوئها… فمقتضيات التسييس تتعلق في هذه الحال بظروف موضوعية ترتبط بعلاقات الدول والحاجة الى تطبيعها وتسويتها، بدلاً من تأزيمها…

     

    إلا أن فرصة تصفية العلاقة الشخصية، التي توفرها الزيارة، تبقى هي الأساس والهدف والنتيجة المتوخاة، تمهيداً لعلاقة بين الرجلين كممثلين لبلدين، تحتاج للتأسيس لمرحلة جديدة. وهذا تحد للأسد والحريري على السواء وليس للثاني وحده.

     

    وإذا كانت المصالحة بين الرجلين جزءاً من مصالحة عربية أوسع، وهدفها إعادة ربط العلاقة الشخصية بينهما، فإن من المبالغة لبنانياً تثقيل الزيارة، بتوقع حلحلة منها لملفات عالقة. ومن المبالغة السورية توقع عودة دمشق الى لعب دور الإملاء والضغط كالسابق عبر اختراع ملفات جديدة (من نوع الاستنابات القضائية السورية في حق لبنانيين) تضاف الى الملفات القديمة، لأن كل ذلك يعيق تصفية العلاقة الشخصية. فلا الحريري ذاهب بنية التسليم لسورية بأن تتدخل في سياسات لبنان وما يتصل بسلطته السياسية، ولا الأسد يرمي من وراء الزيارة الى التسليم بأخطاء كبرى ارتكبتها القيادة السورية في لبنان في المرحلة السابقة.

     

    ومثلما يتسم باللاواقعية توقع بعض اللبنانيين حصول الحريري على أجوبة عملية في شأن ترسيم الحدود وإزالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وحل قضية المفقودين اللبنانيين في سورية… فإن من اللاواقعية أيضاً أن ينتظر الجانب السوري من الحريري تحجيماً لزيارته ولدوره بأن يثير مع الأسد قضية الاستنابات القضائية السورية أو يطالب بالعودة عنها، إذا كان هدف دمشق وضعها على طاولة البحث مقابل ملفات أخرى قد يثيرها الجانب اللبناني. والأرجح أن الحريري سيتصرف كأن هذه الاستنابات غير موجودة، لا سيما بعد أن اعتبرتها الدول الراعية للمصالحة مع سورية على أنها خطوة سلبية وغير مجدية وبلا مبرر… وتقع خارج سياق التحضير لزيارة الحريري.

     

    قد تأتي عملية إثارة الملفات العالقة مع سورية من جانب لبنان لاحقاً. ومثلما تقتضي التطورات الإقليمية إنهاء حال العداء مع سورية، فإن التطورات التي حصلت في المرحلة الماضية تقتضي من القيادة السورية أن تقدم على المصالحة آخذة في الاعتبار تطورات حصلت، فهي ستستقبل الحريري كأول رئيس حكومة للبنان بعد إقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين مع ما يعنيه ذلك من علاقة جديدة مع لبنان. وهي ستستقبل ابن الرئيس الراحل رفيق الحريري الذي كانت على خصومة معه نتيجة سياساتها السابقة في لبنان…

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.