تآكل صورة الضحية

0
94

سميح صعب

من تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، الى بيان الاتحاد الاوروبي الذي اعتبر القدس عاصمة لدولتين، الى اصدار محكمة بريطانية مذكرة اعتقال بحق رئيسة حزب "كاديما" تسيبي ليفني لدورها في الحرب على غزة، الى التبدل الحاصل في الموقف التركي، تبدو اسرائيل في موقف الدفاع عن النفس، بينما لا تزال ورقتها الوحيدة الرابحة هي الولايات المتحدة لا سيما بعدما أحجم الرئيس باراك اوباما عن ممارسة الضغوط على الدولة العبرية لحملها على القبول عملياً بحل الدولتين.

وفي موازاة الضغط الاوروبي والتركي، تستعد اسرائيل لمواجهة الفلسطينيين في الامم المتحدة اذا ما نفذت السلطة الفلسطينية تهديداتها بالذهاب الى مجلس الامن للحصول منه على اعتراف بدولة فلسطينية تعلن من جانب واحد على الاراضي المحتلة عام 1967. وتعتمد اسرائيل في هذه المواجهة على الدور الاميركي الذي سيمنع مجلس الامن من الاعتراف بدولة فلسطينية.

وفي الوقت عينه تخوض اسرائيل سباقاً لتغيير معالم القدس الشرقية من خلال الهدم التدريجي لمنازل الفلسطينيين وترحيلهم عن المدينة. وفي الوقت الذي تستعد لمضاعفة عمليات البناء في مستوطنات الضفة الغربية بعد انتهاء فترة التجميد لمدة عشرة اشهر، وترصد عشرات ملايين الدولارات لما تسميه "المستوطنات المعزولة"، وفيما تتغاضى عن هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، تفقد اسرائيل جانباً كبيراً مما كانت تعتبره "شرعية" على الصعيد الدولي.

ولا يبدو ان مبالغة اسرائيل في تصوير الخطر الذي تشكله ايران على المنطقة وعلى العالم، من خلال برنامجها النووي، تحد من الانتقادات الموجهة اليها. صحيح ان اسبانيا عملت على تغيير قوانينها حتى يتمكن الزعماء الاسرائيليون من المرور في اراضيها من دون ان يجري اعتقالهم بسبب دعاوى مقامة ضدهم من فلسطينيين ومنظمات لحقوق الانسان، وصحيح ان بريطانيا ستعمل ايضاً على تغيير قوانينها كي يتمكن الزعماء الاسرائيليون من زيارتها او المرور باراضيها، وصحيح ايضا ان دولاً اوروبية اخرى ستحذو حذو مدريد ولندن، إلا ان شيئاً ما قد تغير في العالم وهو ان كثراً من الزعماء الاسرائيليين باتوا طريدي العدالة العالمية حيث لا يمكن اليد الاميركية ان تمتد لحمايتهم.

وهذا ما يقض مضاجع المسؤولين في اسرائيل اليوم. فللمرة الاولى تخفق الدولة العبرية في تصوير نفسها على انها ضحية، لأن العالم يتقدم اليوم نحو الاعتراف بضحية أخرى هي الفلسطينيون وما يعانونه منذ اكثر من 60 عاماً. وعندما لا يعترف الاوروبي بكل ما أحدثه الاحتلال الاسرائيلي في الاراضي التي احتلها عام 1967، يصير على الاسرائيلي ان يفكر اكثر في جدوى المضي في سياسته. وعندما يصير الاسرائيلي للمرة الاولى متهماً من جهة دولية بارتكاب جرائم حرب، فإن استعادة اسرائيل لقوة الردع في مواجهة الفلسطينيين او الدول العربية او ايران لا تحميها من العدالة العالمية.

وعلى رغم ان اسرائيل تمكنت من صد اندفاع اوباما نحو ممارسة الضغط عليها كي تقبل بحل الدولتين، الا انها أخفقت في ان تربح بعد الحرب على لبنان في 2006 والحرب على غزة الشتاء الماضي، صورة الضحية، التي كانت تكسب معها تعاطف الرأي العام العالمي، في حين كان العرب هم الخاسرون الدائمون في هذه المعركة.

وتآكل التعاطف الدولي يبدو أهم بكثير من استعادة اسرائيل لقوة الردع. فمسؤولوها منشغلون الآن في معرفة أي المطارات الاوروبية أكثر أماناً لهم كي يمروا بها، وأي دول يمكن ان يحلوا بها من دون ان يتعرضوا للاعتقال. لا بد ان ثمة شيئاً قد تغير في العالم!

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.