في ذكرى ضم الجولان – دراسة موثقة

    0
    243

    الرابع عشر من كانون أول عام واحد وثمانين، تاريخ كئيب في ذاكرة الجولانيين، إذ نجحت الحكومة الإسرائيلية التي كان يرأسها مناحيم بيكن في تمرير قانون الضم بالقراءة الثالثة والأخيرة تحت قبة برلمانهم.

     

    قلة من المواطنين، لا حول لهم ولا قوة، لم يتجاوز تعدادهم سبعة آلاف نسمة مِن مجموع سكان الجولان، البالغ أنذاك مائة وثلاثين ألف نسمة، هم مَن بقوا في قراهم بعد ذلك البلاغ الشهير (66)، الموقع باسم وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد، معلنا سقوط القنيطرة قبل بلوغ جنود العدو لها، وتاليا نجاج إسرائيل في بسط سيطرتها على ما مجموعه 1860 كم2، هي مساحة الهضبة، بقي منها تحت الاحتلال 1250 كم2 بعد اتفاقية فصل القوات بين سوريا وإسرائيل عام أربعة وسبعين.

    الاحتلال تم، ولم تصدق تكهنات الأهالي أن أيامه ستكون معدودة، وأن الأمور ستعود إلى مجاريها بوقت قصير. فسكان الجولان، وككل العرب، لم يصدقوا بادئاً ما كانت تراه عيونهم، بعد أن أوهمتهم الحكومات العربية ووسائل الإعلام (التضليل) المتوفرة آنذاك بالقزم الإسرائيلي، الذي لن يحتمل حتى مجرد تصميم العرب على قتاله، فيعود اليهود إلى البلدان التي منها أتوا! لكن الحقيقة كانت أبلغ من كل ما شاهدوا وسمعوا. فالعرب، تعرضوا لهزيمة نكراء لم يشهد لها تاريخهم، ولا حتى تاريخ الشعوب مثيلاً.

    هل كُتِبَ الاحتلال عليهم مرة أخرى …؟ وهم الذين لم يذوقوا طعم الحرية حتى في عهد الاستقلال!؟ منذ اليوم الأول لاحتلالها الهضبة السورية، راحت إسرائيل تعمل على تثبيت أقدامها في المنطقة، فالقرى والمدن التي كانت آهلة (تقارب المائتين، بين مدينة وقرية ومزرعة، على ذمة بعض المراجع) تم مسحها عن وجه الأرض، بعد نزوح أهلها الجماعي إلى الداخل السوري، وبدأت تظهر المخططات لإقامة مستوطنات يهودية على أنقاضها.

    أما فيما تبقى من القرى (مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية)، بدأت إسرائيل رسم سياسات استيعابية لها. فأول ما قامت به هو الاستيلاء على جهاز التعليم، فألغت المنهاج الدراسي السوري مستبدلة إياه بآخر إسرائيلي، يهدف إلى تكريس ما يسمى بالقومية الدرزية، وفصل أبناء القرى عن جلدتهم العربية. أصبح طلاب الهضبة السورية يدرسون قسراً التاريخ الدرزي منفصلاً عن تاريخ العرب والإسلام، مدعّما بما يسمى تراث الدروز، على اعتبار أن الدروز شعب؛ إضافة إلى طرد جميع المدراء والمدرسين المعينين من قبل وزارة التربية السورية.

    عمدت سلطات الاحتلال بعد ذلك إلى تعيين مجالس محلية ومذهبيات درزية، تتولى تنفيذ سياسة إسرائيل ومخططاتها، فعينت موظفيها من الموالين لها والمنبوذين اجتماعياً، ثم ربطت قرى الجولان باقتصادها، فأصبح التعامل يتم بالعملة الإسرائيلية. وبما أن أسواق الوطن الأم ومنتجاته محرمة على سكان الهضبة، صار من المحتم في هذا الإطار التعامل مع الأسواق الإسرائيلية، سواءً في استيراد المؤن أو توريد الحاصلات الزراعية، علماً بأن سلطات الاحتلال حرّمت على سكان الهضبة إقامة غرفٍ تجارية والتعامل مباشرة مع الأسواق العالمية.

    لجأت إسرائيل بعدها إلى ربط شبكة الكهرباء بمحطاتها، كما استولت على قسم كبير من مصادر المياه بما فيها بركة رام (بحيرة مسعدة)، التي يقدر مخزونها بحوالي 3.2 مليون م3 من المياه. فحرم الأهل من استثمارها تحت الضغط، وأُخضعت لشركة المياه الإسرائيلية (موكوروت)، وضخت مياهها إلى المستعمرات التي أقامتها في الشمال. كما مُنِعَ الأهالي من حفر الآبار الارتوازية في أراضيهم، بحجة أن المخزون الجوفي من المياه هو ملكاً لدولة إسرائيل.

    بعد فشل العدو في الاستيلاء على الينابيع المنتشرة داخل الأراضي الزراعية، قام بحفر آبار ارتوازية بمحاذاتها، فنضبت هذه الينابيع وشحّت مياهها، ثم سحبت إسرائيل مياهها إلى الكيبوتسات والمستوطنات اليهودية في الهضبة. هذا عدا عن مصادرة آلاف الدونمات الزراعية بحجة أنها مناطق عسكرية مغلقة بعد زرعها بالألغام وضرب طوق من الأسلاك الشائكة حولها.

    نجحت إسرائيل أيضا في استثمار الجولان سياحياً، بعد تهويد الأرض وطمس آثارها العربية وزرعها بالأجسام اليهودية المصطنعة؛ فسيطرت على منتجع بانياس والحمة وجبل الشيخ، مستقطبة ملايين السياح من شتى أصقاع العالم.

    بالنسبة للضرائب، فإن الحاكم العسكري الإسرائيلي حاول فرض ضريبة الدخل على السكان، دون جدوى ، لكن موقف الأهالي راح يتزعزع مع تزايد ارتباطهم بالاقتصاد الإسرائيلي، فأصبحت الضرائب تقتطع قسراً من أجور العمال، إضافة إلى حملات المداهمة والاعتقال بحجة التهرب من دفع الضرائب، إلى أن أصبحت هذه الغرامات مع مضي الوقت تثقل كاهل الأهالي إلى حد الخنق.

    ماذا كان الرد الوطني … ؟

    إن نضال أهالي الجولان – وعلى عكس ما كتب البعض أنه جاء عملاً عفوياً – فهو، كان كفاحاً منظماً ومقصوداً، ومنذ اليوم الأول الذي وطئت فيه أقدام المحتل الإسرائيلي أرضهم. فأهالي الجولان، اتخذوا موقفاً وطنياً موحّداً، واضحاً يتلاءم مع إمكانياتهم كأناس عزل من السلاح في التصدي للاحتلال.

     

    استقبل أهالي الجولان الاحتلال الإسرائيلي منذ يومه الأول بالرفض، معتبرين أن عهد الاحتلال عهد حزن وحداد. استعد مواطنو الجولان، لمقاومة الاحتلال، على أمل تصفيته والعودة لأحضان الوطن الأم بوقت قريب، فأقام بعض الشبان الوطنيين اتصالات سرية مع الوطن الأم، بغية تشكيل خلايا كفاح مسلح ضد الاحتلال. وفي الشهور الأخيرة من عام 1967، ألقت قوات الاحتلال القبض على مجموعة من الشبان بتهمة الاتصال مع السوريين.

    كذلك في أواخر عام 1969 اكتُشفت خلية فدائية أخرى، راح ضحيتها ما يزيد على 140 معتقلاً، وعلى إثرها انفلت الإسرائيليون الغاضبون من عقالهم وراحوا يضيقون الخناق على أهالي الجولان ويزيدون من إجراءاتهم القمعية بحقهم.

    في حزيران عام 1971 ألقي القبض على خلية فدائية، ثم تلتها شبكة أخرى في تشرين أول عام 1972 . بلغت أحكام بعضهم عشرين عاماً.[1] وبتاريخ27 / 1 / 1973 استشهد الشاب عزت أبو جبل وبيده ملفات ومعلومات عن مواقع عسكرية إسرائيلية، وهو في طريقه إلى الوطن الأم سوريا، وذلك بكمين نصبته قوات العدو له في المنطقة المزروعة بالألغام، التي تفصل مجدل شمس عن الأراضي السورية الأخرى. بعدها، في صيف عام 1974 اكتُشف تنظيم جديد للمقاومة، وفي 27 / 12 / 1976 استشهد الشاب الثاني نزيه أبو زيد في نفس المنطقة وللأسباب ذاتها. هذه الخلايا والتنظيمات، ساعدت على نقل كثير من المعلومات عن خطي بارليف وآلون العسكريين الإسرائيليين، وتحصينات العدو الأخرى إلى الوطن الأم، ومنها إلى القوات المصرية.

     

    الأطماع الصهيونية في الجولان

    مرتفعات الجولان السورية تعد من أهم المواقع الاستراتيجية، حيث تستند إلى جبل الشيخ من الشمال ووادي اليوموك من الجنوب، إضافة لإشرافها المباشر على الجليل الأعلى في فلسطين المحتلة، وسهل الحولة وبحيرة طبريا، فالجولان بهذه المواصفات يشكل مفتاحاً للسيطرة على المناطق المذكورة.

    أهمية الجولان هذه، قدرت بشكل سليم من قبل جميع الدول التي احتلتها، من الأتراك إلى الاستعمار الفرنسي ومن قبلهم الغاصبين القدماء. والإسرائيليون نظروا إليه بعين الغدر لفترة طويلة تمتد إلى ما قبل عدوان حزيران، وذلك لأجل تأمين عمق دفاعي، وإبعاد الخطر المباشر عن المناطق الحيوية الآهلة بالمستوطنين اليهود في الشمال، الأمر الذي يجعل إسرائيل قادرة على التحرك بسهولة ضد القوات السورية. هذا إضافة لما للجولان من أهمية طبيعية باعتباره – وبحق – خزاناً للمياه. وأطماع الصهيونية بالهضبة قديمة، تعود إلى ما قبل قيام إسرائيل. ففي عام 1918 جاء ذكرها في الخريطة التي أصدرها ديفيد بن غريون لإسرائيل.

    وعام 1920، بعث ممثل المنظمة الصهيونية الأميركية لويس برانديس برقية إلى حاييم وايزمن، جاء فيها أن الحدود الوطنية الشمالية الشرقية لا غنى عنها لقيام مجتمع يعيل نفسه بنفسه، لذا ينبغي أن تضم فلسطين مفارق مياه الليطاني عند جبل الشيخ، وإلى الشرق سهول الجولان وحوران. وفي عام 1921،كتب هوراس مئير كالين، اليهودي الأميركي في كتابه (الصهيونية والسياسة العالمية) يقول: إن مستقبل فلسطين بأكمله هو بأيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع نهر الأردن.[2

    بعد قيام إسرائيل عام 1948، تمثلت إستراتيجيتها بأطماع جغرافية وديمغرافة، واعتبارات دفاعية وأمنية وسياسية، إضافة إلى السيطرة على مصادر المياه في الجولان. راحت إسرائيل أول الأمر، تخرق اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع مع سوريا عام 1949 بقصد الوصول إلى غايتها النهائية بضم هذه المنطقة، وشرعت عام 1950 بتنفيذ مشروع تجفيف مستنقعات الحولة، كذلك بادرت مدفعيتها بقصف منطقة الحمة السورية وضواحيها.

    في كانون ثاني عام 1953، أنجز الإسرائيليون بناء القناة الخاصة بتجفيف مستنقعات الحولة، ثم بناء محطة كهربائية على جسر بنات يعقوب، شمالي بحيرة طبريا. وفي كانون أول عام 1955، شنّ الإسرائيليون غارة واسعة النطاق على المواقع السورية شمال شرق بحيرة طبريا، لهدف السيطرة الكاملة عليها، كذلك باشروا بتحويل مياه نهر الأردن إلى النقب والمنطقة الساحلية عام 1956.

    ردّاً على ذلك، أقرَّ مؤتمر القمة العربي الأول الذي عقد في القاهرة في 13 كانون ثاني 1964، مشروعاً لتحويل روافد هذا النهر في المنطقة العربية، لقطع الطريق على مشاريع إسرائيل .[3] لكن المشروع، ما إن دخل قيد التنفيذ حتى قامت الطائرات الإسرائيلية بقصفه، وكان هذا المشروع العربي فيما بعد سبباً مباشراً لتصعيد حدة التوتر بين سوريا وإسرائيل، والذي انتهى إلى نشوب عدوان حزيران

    على أرض الواقع إذن، لم يبق إلا خمسة قرى آهلة بسكانها، فيما أجبِر الباقون على النزوح عن أرضهم وبيوتهم سائرين شرقاً باتجاه الوطن الأم، كما تقدّم ذكره. وهنا يُطرَح السؤال ،عن سرّ بقاء هذه القرى قائمة وآهلة … ؟

    لا شك أن هذا التساؤل، بقي مثار جدل لفترة ليست قليلة، وما سيُطرَح هنا جاء اعتمادا على خلاصة مراجع وأبحاث ميدانية، تحتوي على استنتاجات ووجهات نظر الأهالي.

    سكان القرى المتبقية، كانت لديهم خبرة وممارسة تفوق بكثير تلك التي كانت لدى من نزح، فهم لم ينسوا بعد تجربتهم القاسية مع المستعمر الفرنسي، فمجدل شمس وحدها دفعت حوالي 117 شهيداً إبان الثورة السورية الكبرى، لذلك لم يكن من السهل على إسرائيل دفعهم إلى ترك منازلهم. وهذه القرية، حُرِقت زمن الأتراك ست مرات، حيث ذاق أهلها الكثير من التنكيل والخراب. إضافة إلى حرقها ونهبها وتهجير أهلها مرات عدة أيام الفرنسيين، إذ سقطت بعد ستة أشهر من المعارك الضارية. ويقال إنها من أواخر المناطق السورية التي وصل إليها الفرنسيون.

    القاعدة الاقتصادية المتينة التي قامت عليها قرى الجولان، كانت أيضاً من الأسباب الجوهرية لبقائهم. فأرضهم هذه، كانت الأساس لوجودهم ومن أجلها دفعوا الغالي والنفيس.

    طبيعة الموقع الذي تربض فيه هذه القرى على سفح جبل الشيخ، زرعت في نفوس أهلها الاستقرار، نظراً لتضاريسه القاسية وصعوبة اختراقه.

    رجال الدين أيضاً والمسنون، لعبوا دوراً كبيراً في إبقاء السكان، بسبب خبرتهم الواسعة بالمصائب والكوارث التي تعرضت لها المنطقة إبان الحكم العثماني والفرنسي لها.

    سبب آخر أيضاً لعب دوره في هذا المجال، وهو أن المعارك العسكرية لم تدر بشكل مباشر فوق هذه القرى، لكن هذا ليس معناه أن القرى نجت من القصف والدمار، فسكان قرية مسعدة وبقعاثا وعين قنية لجؤوا إلى قرية مجدل شمس بعد قصف قراهم، وحتى نهاية المعارك. إضافة إلى أن مجدل شمس نفسها لم تسلم من القصف.

    عامل آخر وهام، وهو المخطط الإسرائيلي الحالم بإقامة دولة درزية، تصون لها حدودها الشمالية الشرقية مع سوريا، المشروع الذي أفشله الأهالي لاحقاً، ما حدا بها إلى التخفيف نسبياً من وطأة نيرانها على القرى الأربع.

    أما القرية الخامسة فهي الغَجَر، والتي تقع على تقاطع ما بين الحدود السورية اللبنانية الفلسطينية، إذ تم احتلالها بعد أسبوعين من الحرب. إن بُعدَ هذه القرية، حفّزَ الإسرائيليين على عزلها، ونتيجة للضغوطات والابتزاز، تمكنت إسرائيل فعلياً من عزلها عن أخواتها القرى الأربع المتبقية. وكُتِبَ على هذه القرية ألا تخط سطراً واحداً في كتاب الجولان النضالي الطويل ضد الاحتلال الإسرائيلي.

     

    بوادر إعلان ضم الجولان:

    إن العقلية الصهيونية لا تنسجم مع الإبقاء على مساحة إسرائيل صغيرة. فالدولة الصغيرة لا تملك مقومات للبقاء كالدولة الكبيرة، والدولة الكبيرة قادرة على تطوير ذاتها بمختلف مجالات الحياة. وإسرائيل، لم توجد حسب الفكر الصهيوني لتكون عالة على أحد، أو تكون تحت رحمة أحد، بل لتكون كياناً مستقلاً يمتلك إرادته ويتصرف بحريته. ويخطئ من يعتقد، أن القادة الإسرائيليين سيتخلون في يوم ما عن مثل هذا التفكير، لأن في ذلك مقتل فكرة دولة إسرائيل.[4]

    بناء على ما تقدم، فإن حكومات العمل المتعاقبة سعت إلى تغيير معالم الأراضي التي احتلتها. أما حكومة الليكود التي خلفتها، سارت على نفس خطاها، فعملت على التهام الجولان بصورة أكثر صرامة. فمع تكثيف حكومة مناحيم بيغن اليمينية لحركة الاستيطان، جاءت مبادرة أنور السادات لتشجع الصهاينة على بدء التحرك لضم الجولان بشكل نهائي، حيث بدأت تتعامل مع الجولان بطريقة تؤدي إلى ضمه بصورة شرعية.[5]

    ظهرت أولى بوادر إعلان الضم بتاريخ 12كانون ثاني 1978،حيث ذكرت إذاعة إسرائيل باللغة العبرية أن الإسرائيليين يطالبون بتطبيق القانون المدني الإسرائيلي على الجولان لخلق حقائق واقعية في المنطقة، قبل بدء المفاوضات مع دمشق.[6]

    إن إذاعة هذا الإعلان، اعتبر موقفاً رسمياً لحكام إسرائيل. وفي الصدد نفسه، كتب رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية رعنان فايتس في جريدة عل همشمار في 7 تشرين أول عام 1976 أحد الممهدات لإعلان الضم. فتحت عنوان (إلى أين نسير)، اقترح فايتس أن تكون هضبة الجولان جزءا من لواء صفد، الذي يضم قضاءي صفد وطبريا. وأخيراً، ارتفع صوت غيؤولا كوهين، نائبة الكنيست ورئيسة حزب هتحيا، حيث رفعت مع مجموعة لوبي الجولان، التي تضم عدداً من أعضاء الكنيست مشروعاً للحكومة يقضي بضم الجولان.[7]

    صدور القانون الإسرائيلي بضم الجولان:

    رغم أن صدور القانون الإسرائيلي بضم الجولان جاء في 14/12/1981، إلا أن الممارسات العملية للضم بدأت منذ الأسبوع الأول للاحتلال. فإضافة إلى تشريد معظم سكانه وتهويد أرضه، بدأت إسرائيل تتعامل معه وكأنه جزء لا يتجزأ من أملاكها. فلم يكن مستغرباً أن حكومة مناحيم بيغن الليكودية أدرجت مسألة ضم الجولان على سلّم أولوياتها، بعد إعلانها ضم القدس المحتلة في الفترة الأولى من حكمها، وتيقّنها من امتصاص نقمة المجتمع الدولي بفضل الموقف الأمريكي المساند لها.

    إن مسألة ضم الجولان كانت تحظى تقريباً بإجماع من قبل جميع الأحزاب السياسية الإسرائيلية، وحتى عام 1981 فإن نسبة المطالبين بضم الهضبة لم تنخفض عن 70 %. وفي تاريخ 22/12/1980، تقدمت عضوة الكنيست غيؤولا كوهين بمشروع يقضي بضم الجولان، لكن هذا المشروع سحب، وذلك تجنباً لإحراج الولايات المتحدة الملتزمة بكامب ديفيد. لذلك ارتأى مناحيم بيغن، خلق جو سياسي مناسب قبل البدء بتطبيق القرار بشكل قانوني، فأراد أن يصدر بطاقات هوية إسرائيلية للمواطنين السوريين، وبذلك تقول إسرائيل للعالم إن مواطني الجولان قد تخلوا عن مواطنتهم السورية.

    قوبلت هذه المبادرة بالرفض القاطع من قبل الأهالي، ما دفع بيغن في 14/12/1981 إلى اتخاذ قراره بضم المرتفعات السورية المحتلة، إثر خروجه من مستشفى "هداسا" في القدس المحتلة، حيث كان يعالج ساقه المكسورة. دعا بيغن مجلس وزرائه لجلسة استثنائية، أحيطت بسرية تامة، وافق المجتمعون خلالها على مشروع قانون ضم الجولان. وبعد مناقشة الكنيست لهذا المشروع، تم تأييده بأغلبية 63 صوتاً مقابل 21. ونصّ القانون على ما يلي:

    1 ـ إن قانون دولة إسرائيل وصلاحياتها وإداراتها، ستطّبق على مرتفعات الجولان.

    2 ـ يعمل بهذا القانون فور موافقة الكنيست.

    3 ـ يكلف وزير الداخلية يوسف بورغ بتنفيذ هذا القرار.

    بررّ بيغن إصدار قانون الضم بقوله: إن سوريا لا تقبل الاعتراف بإسرائيل أو التفاوض معها مستشهداً بتصريح الرئيس حافظ الأسد لصحيفة الرأي العام الكويتية في 13/12/1981 والذي قال فيه: إن سوريا لن تعترف بإسرائيل حتى لو اعترف بها الفلسطينيون[8]. وأضاف بيغن: لقد حان الوقت لاتخاذ قرارات من جانب واحد، مدّعياً أن الجولان كانت في الماضي جزءا من الأراضي الفلسطينية، وأنها أعطيت اعتباطياً لسوريا.

    حزب العمل المعارض الذي اشترك نيابةً عنه في التصويت خمسة عشر عضواً، سبعة منهم وافقوا على المشروع، فيما عارضه الثمانية الباقون. وكان شمعون بيريز رئيس الحزب آنذاك والموجود في الولايات المتحدة، طالب نوابه بالعمل على تأجيل الاقتراع وليس رفضه، وإتاحة الفرص لمناقشات أوسع في هذا المجال. أما آرييل شارون وزير الحرب، أكدّ أن إسرائيل مستعدّة لأي احتمال عسكري على الجبهة السورية، وأنها لن تتراجع عن قرار الضم الذي أصدرته.

     

    رد المواطنين السوريين في الجولان المحتل على القرار الإسرائيلي:

    أول ردود الأهالي، جاء في 16/1/1979، حيث أصدر حوالي 1200 مواطن من أبناء الهضبة مذّكرة ردّوا فيها على مشروع تسليم الهوية الإسرائيلية لهم، برفض هذا العمل جملةً وتفصيلاً، حيث جاء في المذّكرة: لا يسعنا إلا أن نؤكد من جديد، وأن نعلن للملأ، أنه مهما طال ليل الاحتلال علينا، فلن نتنازل عن هويتنا، وعن كوننا سوريين. تلا ذلك، توجيه بيان للرأي العام العالمي والإسرائيلي، كذّبوا فيه ادعاءات إسرائيل، أن سكان الجولان سلّموا بأمر الاحتلال.

    في تاريخ 25/3/1981، عقد اجتماع حاشد في بلدة مجدل شمس، حضره آلاف المواطنين من جميع القرى، أصدروا خلاله وثيقتهم الوطنية، التي حددوا بموجبها مسيرة حياتهم اليومية، وتعاملهم مع العدو، ومع بعضهم. وهذا نصُّ الوثيقة كاملاً.

     

    الوثيقة الوطنية للمواطنين السوريين في المرتفعات السورية المحتلة

    نحن المواطنون السوريون في المرتفعات السورية المحتلة، نرى لزاماً علينا أن نعلن لكل الجهات الرسمية والشعبية في العالم أجمع، ولمنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها، وللرأي العام العالمي والإسرائيلي، ومن أجل الحقيقة والتاريخ، وبصراحة ووضوح تامين عن حقيقة موقفنا من الاحتلال الإسرائيلي، ودأبه المستمر لابتلاع شخصيتنا الوطنية، ومحاولته ضم الهضبة السورية المحتلة حيناً، وتطبيق القانون الإسرائيلي علينا حيناً آخر، وجرّنا بطرق مختلفة للاندماج بالكيان الإسرائيلي، والانصهار في بوتقته، ولتجريدنا من جنسيتنا العربية السورية، التي نعتزُّ ونتشرّف بالانتساب إليها، ولا نريد عنها بديلاً، والتي ورثناها عن أجدادنا الكرام، الذين تحدّرنا من أصلابهم، وأخذنا عنهم لغتنا العربية التي نتكلّمها بكل فخر واعتزاز، وليس لنا لغة قومية سواها، وأخذنا عنهم أراضينا الغالية على قلوبنا وورثناها أباً عن جد منذ وجُد الإنسان العربي في هذه البلاد قبل آلاف السنين.

    أراضينا المجبولة بعرقنا وبدماء أهلنا وأسلافنا، حيث لم يقصروا يوماً في الذود عنها وتحريرها من كل الغزاة والغاصبين على مر التاريخ، والتي نقطع العهد على أنفسنا أن نبقى ما حيينا أوفياء ومخلصين لما خلفوه لنا، وأن لا نفرط بشيء منه مهما طال زمن الاحتلال الإسرائيلي، ومهما قويت الضغوط علينا من قبل السلطة المحتلة لإكراهنا أو إغرائنا لسلب جنسيتنا، ولو كلّفنا ذلك أغلى التضحيات، وهذا موقف بديهي وطبيعي جداً أن نقفه، وهو موقف كل شعب يتعرّض كله أو جزء منه للاحتلال. وانطلاقاً من شعورنا بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقنا تجاه أنفسنا وأبنائنا وأجيالنا القادمة أصدرنا هذه الوثيقة.

    1ـ هضبة الجولان المحتلّة، هي جزء لا يتجزأ من سوريا العربية.

    2 ـ الجنسية العربية السورية، صفة ملازمة لنا لا تزول، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.

    3 ـ أراضينا هي ملكية مقدسة لأبناء مجتمعنا السوريين المحتلين، وكل مواطن تسُّول له نفسه أن يبيع أو يتنازل أو يتخلى عن شبر منها للمحتلين الإسرائيليين يقترف جريمة كبرى بحق مجتمعنا، وخيانة وطنية لا تغتفر.

    4 ـ لا نعترف بأي قرار تصدره إسرائيل من أجل ضمّنا للكيان الإسرائيلي، ونرفض رفضاً قاطعاً قرارات الحكومة الإسرائيلية الهادفة سلبنا شخصيتنا العربية السورية.

    5 ـ لا نعترف بشرعية المجالس المحلية والمذهبية، لكونها عينّت من قبل الحكم العسكري الإسرائيلي وتتلقى تعليماتها منه، ورؤساء وأعضاء هذه المجالس لا يمثلوننا بأي حال من الأحوال.

    6 ـ إن الأشخاص الرافضين للاحتلال من خلال مواقفهم الملموسة، والذين هم من كافة قطاعاتنا الاجتماعية، هم الجديرون والمؤهلون للإفصاح عمّا يختلج في ضمائر ونفوس أبناء مجتمعهم.

    7 ـ كل شخص من هضبة الجولان السورية المحتلة، تسوّل له نفسه استبدال جنسيته بالجنسية الإسرائيلية، يسئ لكرامتنا العامة، ولشرفنا الوطني ولانتمائنا القومي ولديننا وتقاليدنا، ويعتبر خائنا لبلادنا.

    8 ـ قرّرنا قراراً لا رجعة فيه وهو: كل من يتجنس بالجنسية الإسرائيلية، أو يخرج عن مضمون هذه الوثيقة، يكون مجحوداً ومطروداً من ديننا ومن ترابطنا الاجتماعي، ويحرّم التعامل معه، أو مشاركته أفراحه وأحزانه أو التزاوج معه، إلى أن يقرَّ بذنبه ويرجع عن خطأه، ويطلب السماح من مجتمعه، ويستعيد اعتباره وجنسيته الحقيقية.

    لقد اعتمدنا هذه الوثيقة، مستمدّين العزم من تراثنا الروحي والقومي والإنساني الأصيل، الذي يحضًّنا على حفظ الإخوان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوفاء العميق للوطن .

     

    25 ـ3 ـ1981

     

    في 14 / 12 / 1981، كما سلف، صدر القانون الإسرائيلي بضم المرتفعات السورية المحتلة، حيث قوبل هذا القرار بالرفض القاطع والاستنكار العام، فقام المواطنون بمهاجمة السيارات العسكرية وترديد العبارات المنددة بإسرائيل، تلاه إصدارهم نداءً يدعو إلى إضراب شامل لمدة ثلاثة أيام في اليوم الثاني لصدور القرار.

     

    راديو إسرائيل، أذاع في 27 / 12 / 1981 أن الحركة التجارية في قرى الجولان توقفت تماماً. وأغلقت المدارس وامتنع العمال عن الذهاب إلى أماكن عملهم.[9] مما دفع قوات الاحتلال إلى إعلان حالة التأهب القصوى، وقالت وكالة رويتر

    في التاريخ نفسه: إن القوات الإسرائيلية اعتقلت عدداً كبيراً من المواطنين إثر إعلان الإضراب.[10] أما وكالة فرانس

    بريس، قالت في تقرير لها من مجدل شمس في 17 / 12 / 1981: إن المواطنين السوريين تجمعوا في ميدان كبير، وهم يتابعون إذاعة دمشق، لمواكبة الردود السورية المحتملة.[11]

    استكمالاً لتصعيد المقاومة، شهدت بلدة مجدل شمس في 18 / 12 / 1981 مظاهرة عارمة، حمل المواطنون خلالها أعلاماً سوداء معلنين استياءهم ورفضهم للقرار الإسرائيلي، ما دفع رئيس لجنة المستوطنين في الجولان المحتل لتقديم طلب إلى الجنرال داني مات، المسؤول عن المناطق المحتلة، يحثه فيه على إبقاء الأحكام العسكرية في الجولان، حتى بعد ضمها، نظراً لتصاعد مقاومة الأهالي فيه.

    خلال الفترة الآنفة الذكر من 14 إلى 18 كانون أول 1981، قامت القوات الإسرائيلية بحملات مداهمة وتفتيش واعتقال، طالت العديد من سكان القرى المحتلة. صحيفة الاتحاد الناطقة باسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، ذكرت أن إجراءات الجيش الإسرائيلي في قرى الجولان لن تثني سكانه عن الاستمرار بمقاطعتهم لدوائر الحاكم العسكري، ورفضهم للهوية الإسرائيلية. أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي رفائيل إيتان، أعلن بعد عدة أيام أنه من الممكن استدعاء سكان الهضبة في أي وقت لتأدية الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. ثم تلاه تهديد يسرائيل كينغ، حاكم لواء الشمال للأهالي بالويل والثبور إذا واصلوا رفضهم للهوية الإسرائيلية.

    وفي الإطار نفسه، صعّدت إسرائيل من إجراءاتها القمعية، فبدأت حملات المطاردة والتفتيش والاعتقال، وفرض الأحكام الجبرية وحظر التجول على السكان، وقامت بتبديل أرقام السيارات العائدة لسكان الجولان بأرقام مدنية إسرائيلية، وإجراءات تمهيدية ضاغطة أخرى كتمهيد لتطبيق قرار الضم، فأعلنت الجولان منطقة عسكرية مغلقة يحظر الدخول إليها والخروج منها إلا بتصريح عسكري.

    بذلك، تكون آلية القمع العسكرية الإسرائيلية فرضت واقعاً متأزِماً في قرى الهضبة السورية، حيث عاش السكان في الفترة ما بين صدور قرار الضم إلى تاريخ إعلانهم إضرابهم الكبير المفتوح، في الرابع عشر من شباط عام 1982 حالة غليان شعبي ومواجهات مستمرة وضغوطات دائمة متجددة، وصولا إلى الإضراب.

     

    الإضراب الكبير

    اقتصرت جهود العالم أجمع، والدول العربية، وسوريا على وجه الخصوص، على كونها مبادرات كلامية ونظرية وعاجزة عن ردع إسرائيل، التي لم تتراجع عن قرارها، بل صعدت من نقمتها وإجراءاتها القمعية بحق سكان المرتفعات السورية.

     

    قرر أهالي الجولان مواجهة إسرائيل على طريقتهم. فبعد فشلها بفرض جنسيتها على سكان المرتفعات السورية المحتلة، بادرت إسرائيل إلى إقرار تشريع ضم الجولان مصعدة إجراءاتها القمعية بحق المواطنين السوريون، من اعتقالات إدارية إلى حملات تفتيش ومداهمة، وإعلان منطقة الجولان منطقة عسكرية مغلقة.

    ورداً على ذلك، عقد سكان الهضبة اجتماعاً في خلوة مجدل شمس، قرروا خلاله إعلان إضرابهم المفتوح والشامل في 14/2/1982. صحيفة هآرس الإسرائيلية، كتبت في افتتاحيتها بعد يومين: يخطئ من يعتقد أنه بالاعتقال وغيره من ممارسة سياسة اليد الحديدية، يمكن إخماد مقاومة سكان الجولان.[12] أما صحيفة عل همشمار، كتبت في اليوم نفسه: ربما تفلح سياسة اليد الحديدية في كسر الإضراب وملء السجون، لكنها لن تزيد من التأييد لإسرائيل.[13]

    إن إعلان الإضراب، جاء ضربة قاسية لإسرائيل وغير متوقعة، فمواطنو الجولان التزموا بالقرار الشعبي بشكل تام، حيث أغلقت المحلات التجارية، وتوقف المزارعون عن أعمالهم، وأغلقت المدارس أبوابها، ولم يذهب العمال إلى أماكن عملهم، ما دعا إسرائيل إلى فصل العاملين وحرمانهم من كل حقوقهم. كما ألغت المقابلات مع الأقارب في سوريا، والتي كانت تتم في المنطقة المعزولة السلاح، التي تبعد أمتار قليلة عن مجدل شمس، وذلك أيام الحكم العسكري للهضبة. تلا ذلك، التهديد الذي أطلقه آرييل شارون، ومردخاي تسيبوري للسكان بالطرد، إذا هم واصلوا رفض القانون الإسرائيلي. كما امتنعت العيادات التابعة لدائرة الخدمات الصحية الإسرائيلية عن استقبال أي مواطن سوري لا يحمل الجنسية الإسرائيلية.

    أدى هذا التصعيد الإسرائيلي إلى زيادة نقمة الأهالي، ما حدا بإسرائيل للجوء إلى دفع عضو الكنيست الليكودي المتشدد، أمل نصر الدين للقيام بوساطة لدى السكان لردم الهوة بين الطرفين، وجاء رد أهالي الجولان بأنهم يرفضون حتى مجرد أستقباله، أو وجوده على أرضهم. أرسلت وزارة الحرب بعدها ممثلاً عنها بتاريخ 20/2/1982 لحث الأهالي على قبول الجنسية الإسرائيلية، والتأكيد أن إسرائيل لن تجبرهم على أن يكونوا صهاينة، وإنما مواطنين مسالمين وحسب.

    جاء الرد الشعبي حاسماً، رافضاً لاستلام الجنسية، وطالب الأهالي المندوب الإسرائيلي بإطلاق سراح المعتقلين، ولم شمل العائلات على جانبي خط وقف إطلاق النار، وطالبوا من خلاله وزير الحربية شارون، التعهد بشكل مكتوب بعدم إلزام أبناء الجولان بالخدمة بصفوف جيشه.[14]

    بعد فشل الوسيط السالف الذكر، زار الجنرال أمير دروري قائد المنطقة الشمالية قرى الجولان، طالباً من الأهالي فك الإضراب، محذراً ومؤكداً أن قرار حمل الجنسية الإسرائيلية لا يحتمل التأويل، مضيفاً أن إسرائيل وحدها هي من يقرر، وأن على السكان الطاعة والالتزام، مهدداً أنه سيتم ترحيل كل من يرفض الجنسية الإسرائيلية إلى داخل الأراضي السورية.

    لم تلق محاولة دروري الأخيرة حظاً أوفر من سالفتها، ما دفع قوات الاحتلال إلى إغلاق القرى الأربع بقرار عسكري، وفرض حصار خانق على السكان، تم خلاله قطع الصلة بين القرى الأربع، ومنع الدخول إليها أو الخروج منها. كما قلصت المياه، وقطع التيار الكهربائي، وفرضت السلطات حظراً على وصول المواد الغذائية. مما دفع السوريين لإرسال قوافل محملة بالمواد الغذائية والأدوية إلى المنطقة المعزولة السلاح، المحاذية لبلدة مجدل شمس في 26/2/1982، لكن الإسرائيليين رفضوا السماح لها بالدخول.

    في خلال ذلك، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي البيوت معتقلة عددا من المواطنين، ومرفقة ذلك باستعراضات عسكرية لجنودها داخل القرى، ثم حظر التجول على سكانها، ومنعت الأطباء والمساعدات المقدمة من الضفة الغربية والجليل والناصرة من الوصول إلى المنطقة، كما منعت مرضى الهضبة من الخروج للعلاج خارج قراهم. إضافة إلى منعها الصحفيين من الدخول إلى الجولان للكشف عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الأهل

    حتى المواشي، أخضعتها إسرائيل لقرارات حظر التجول، ولم تتّردد من تصويب بنادقها على الرعاة الذين لم يلتزموا به.

    راح الوضع يزداد سوءا في الهضبة يوماً بعد يوم، وأخذت إسرائيل تـَتَفَنن في ابتكار وسائل الإرهاب والقمع، فزجت بعدد كبير من جنودها في شوارع القرى، وكإجراء تخويفي آخر استقدمت قوات العدو عدداً من المجنزرات الحربية، التي راحت تجوب الشوارع ليلاً نهاراً، في محاولة لدب الرعب في قلوب الأهالي.

    وفي هذه الفترة، تمكن عدد من الشبان من تهريب بعض الرسائل التي تشرح واقعهم الصعب، ما دفع العديد من الإسرائيليين إلى الاحتجاج أمام مكتب رئيس الحكومة، وتنظيم مظاهرات في القرى والمدن العربية في إسرائيل. كذلك قام عدد من المحامين العرب واليهود بجهود جبارة لإيصال صوت أحرار الجولان إلى الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية والإنسانية.

    وإثر تدهور الأوضاع في الجولان، توجه أربعة نواب من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة إلى قرى الجولان للاطلاع على أوضاعهم عن كثب، لكن قوات الجيش منعتهم من دخولها، ما حدا بهم إلى إصدار مذكرة إلى الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، وصفوا فيها حقيقة ما يجري في الجولان.

     

    عقب تلك الحادثة أدانت صحيفة هآرتس في افتتاحيتها بتاريخ 15/ 3 /1982 ممارسات إسرائيل في الجولان، ومثلها فعلت دافار وعل همشمار.[15] في الإطار نفسه، أحكمت إسرائيل حصارها، وكان حليب الأطفال نفذ، والأمراض تفشت

     

    حتى بلغ عدد الأطفال المصابين بالحصبة حسب بعض الإحصائيات 40% من مجموع من تقل أعمارهم عن 14 عاماً.

    في هذه الأثناء، راح عدد من الجنود الإسرائيليين يجوبون القرى، معلنين عبر مكبرات الصوت أن كل من لا يتقدم بطلب الحصول على الهوية الإسرائيلية حتى 1 نيسان من العام نفسه، سيقدم إلى المحاكمة ويغرم بمبالغ طائلة.

    وبتاريخ 17/ 3 / 1982، استيقظ أهالي مجدل شمس على أصوات ألوف السوريين الذين احتشدوا على الجانب الشرقي لخط وقف إطلاق النار. فاندفع سكان القرى لملاقاتهم من خلف الأسلاك الشائكة وحقول الألغام، مما دفع بخمسمائة جندي إسرائيلي مدججين بالسلاح إلى تفريقهم بالقوة.

    استمر هذا الوضع بالتأزم حتى تاريخ 31/ 3 / 1982، حيث استقدمت إسرائيل باستقدام حوالي 16 ألف جندي إلى قرى الهضبة، فمقابل كل طفل أو سيدة أو شيخ كان هناك جندي إسرائيلي مدجج بالسلاح ويزيد، معززين بعدد كبير من المجنزرات والحافلات العسكرية، مدعمين بالحوامات. عُزلت قرى الجولان تماماً عن العالم الخارجي، وحوصر أهلها في خلوة مجدل شمس ومحيطها، حيث حضر آرييل شارون وزير الحرب وقائد المنطقة الشمالية أمير دروري، وهددا بقصف الخلوة ومحيطها بمن فيهما.

    وفي صباح 1/4/ 1982 أحكم تطبيق الحصار، وتوزع عدد من الجنود على أسطح المنازل، ومنع الأهالي من مغادرة بيوتهم أو حتى فتح ستائر نوافذهم. ثم انطلقت قوات الجيش الإسرائيلي على شكل مجموعات، كل منها تتألف من حوالي 15 جنديا، دخلوا إلى كل بيت في القرى الأربع.

    راح الجنود يدخلون المنازل مستخدمين الحوار والطرق الدبلوماسية بادئاً، لإقناع الأهالي بتسلم الهويات التي أعدت لهم مسبقاً، وما إن يرفضونها، حتى ينهال الجنود عليهم بالضرب بأعقاب بنادقهم، ثم اعتقال من يقاوم بطشهم. حولت إسرائيل المدارس إلى معتقلات، بعد أن خرب الجنود أثاثها، ولجأت إلى أساليب تعذيب بدائية وحشية، إضافة لإطلاق النار على البعض، والذي أدى لإصابات بالغة الخطورة

    استمرت هذه الحملة ثلاثة أيام متواصلة، بتغطية ودعم كاملين من الإذاعة والتلفزة في إسرائيل، والتي حاولت عبثاً تسميم نفوس المواطنين، تارةً بالإعلان أن وجهاء الهضبة وكبار الشخصيات الوطنية فيها استلموا الهويات الإسرائيلية، وما على المواطنين إلا قبولها، وتارة أخرى بالتهديد وإطلاق الويلات على السكان بهدف الضغط والتخويف.

    فُك الحصار بعدها، وكانت النتيجة فشل القوات الإسرائيلية بكل وسائل الترغيب والقوة والتهديد وإطلاق الرصاص بتوزيع الهوية الإسرائيلية على السكان. وبعد فك الحصار، احتشد الأهالي في ساحات القرى الأربع، جامعين الهويات التي تركها الجنود خلفهم في الشوارع والأرصفة والأزقة، وأمام أعين الجنود وعدسات الصحفيين، داسوها بأرجلهم وحرقوا بعضها، وتم وضع بعضها الآخر في صناديق، ثم أرسلوها إلى رئيس وزراء إسرائيل، مناحم بيغن في ديوانه.

    نتيجة ما تقدم، تكون إسرائيل فشلت في كسر شوكة الإضراب وإرغام المواطنين على استلام هوياتها. ومن جديد، عادت المظاهرات والمسيرات تجوب شوارع القرى، معلنة رفضها للاحتلال، وعازمة على الاستمرار في الرفض حتى تتراجع حكومة بيغن عن تشريعها.

    وإلى يومه الأخير، لم يخل يوم واحد من أيام الإضراب دون مظاهرات واشتباكات مع القوات المحتلة، لكن في مقابل ذلك كانت الأمراض استفحلت، والمواد التموينية تلاشت، والأوضاع على كافة الأصعدة تدهورت حتى وصلت إلى حد غير معقول.

    كانت إسرائيل من جهتها، اعترفت للملأ بفشلها الذريع في تحقيق مخططها في الهضبة السورية المحتلة، فلا ضم الجولان تحقق، ولا نجحت بفرض الجنسية الإسرائيلية والخدمة الإلزامية على سكانها. مما دعاها إلى التيقن باستحالة تطبيق إجراءاتها بكل ما تملك.

    وهكذا، اقتربت نهاية الإضراب بعد أن حقق معظم أهدافه، فدخل الأهالي في مفاوضات مع سلطات الاحتلال عبر وسطاء عرب وفلسطينيين، بهدف الوصول إلى حل مقبول ينسجم مع متطلبات السكان، توصل الجانبان فيها إلى فك الإضراب في 20/7/ 1982 بعد دخول إسرائيل في حرب فاشلة قادتها ضد لبنان، وحصدت نتيجتها ومُر آثامها.

    …… يومها، كان للنضال في الجولان طعم آخر؛ ولا شك أن الذين عايشوا تلك المرحلة يبكون دما، إذا ما قارنوها بـ "نضال" اليوم، وما يشوبه من استعراض ومزاودة ونفاق!! مَن كان واعيا تلك المرحلة، وله ذاكرة جيدة، يعرف أنه طوال كل تلك السنين الخالدة في تاريخ الجولانيين، كان النظام السوري حساباً ساقطا من كتابهم النضالي، ولم يكن هناك أي ذكر له، ولكل ما يتعلق به.

     

    اليوم، أصبح الوضع مختلفاً، وانضم أهالي الجولان إلى شعبهم السوري في تمجيد أسباب بلوتهم واحتلال أرضم، فصرنا نقرأ بيانات وبرقيات موقعة باسم أهالي الجولان، كما في البرقية الموجهة إلى المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث، تقول: " أيها الرفاق، نهنئكم ونهنئ شعبنا بانعقاد المؤتمر القطري العاشر لحزبنا الصامد، الذي دحر القهر والتخلف والاستبداد، وأضحى نوراً ساطعاً، بدّدَ مواطئ الظلمة، وبعث الحياة في كل بقاع الوطن الغالي، ونشر الأمن والحب والعطاء في كل بيت وحقل ومصنع ومعهد"! ولو أن كاتب هذه السطور يجزم أن هذه البيانات والبرقيات، لا يعلم بها إلا كتابها، والذين لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة؛ وهي تُفبرَك مِن غير علم الأهل، ومضامينها لا تحوز على موافقة الغالبية العظمى من السكان؛ أو بيان على شاكلة الذي صدر قبل أيام بمناسبة ذكرى الضم، والذي يساوي الجلاد بالضحية، بشكل يثير الحيرة والدهشة والاستغراب، في إيراده ما يلي:

     

    "…. تحية لكل المعتقلين وسجناء الحرية والضمير في كل مكان.

    ….. التحية والحب والتقدير لأبناء شعبنا ولجيشنا الوطني وقيادتنا، وعلى رأسها السيد الرئيس بشار الأسد".

    هكذا بدأت مسيرة أهالي الجولان الكفاحية والنضالية، وهذا ما انتهت إليه؛ فالنظام نفسه الذي خسر الأرض، عاد ليقبض ثمن تاريخ طويل من عذابات الأهل وتضحياتهم تحت الاحتلال، وبقرار من الأهل أنفسهم؛ أو من بعضهم، إذا استقام القول!؟ إنهم في المحصلة جزء من شعب أجبِر، أو وجد نفسه مضطراً، وفي سابقة لم يحصل لها مثيل في التاريخ، على تمجيد خيباته وهزائمه وانكساراته، وتشييد التماثيل ونظم الأناشيد والقوافي لأصحاب تلك الهزائم والمسؤولين عنها!

     

     

     

    _________________

    * حسان شمس, صحافي من الجولان السوري المحتل- واشنطن

     

    المصادر :

    [1] الجولان ملحمة صمود – نظير مجلي ص 52-53

    [2] استراتيجية الصهيونية وإسرائيل تجاه المنطقة العربية والحزام المحيط بها – حبيب قهوجي- ص 51

    [3] نفس المصدر – ص 59

    [4] مرتفعات الجولان – د . عبد الستار قاسم -ص90

    [5] نفس المصدر ص92

    [6] الجولان سجل أحداث ص22

    [7] الجولان سجل أحداث ـ مصدر سابق ـ نفس الصفحة

    [8] مرتفعات الجولان ـ مصدر سابق ص101

    [9] إذاعة صوت إسرائيل – 27 / 12 / 1981

    [10] وكالة رويتر – 27 / 12 / 1981

    [11] وكالة فرانس بريس 17 / 12 / 1981

    [12] صحيفة هآرتس 16/2/1982

    [13] صحيفة عل همشمار 16/2/1982

    [14] صحيفة هآرتس 21/2/1982

    [15] صحيفة هآرتس ـ دافار ـ عل همشمار 15 / 3 / 1982

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.