التنمية المستدامة وأمن الإنسان في البلدان العربية (*) (1/3)

    0
    100

      الدكتور عبدالله تركماني

     

      تنطوي الحياة العالمية المعاصرة على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية واجتماعية تشكل، في وجه من وجوهها، فلسفة قوامها أمن الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن والتنمية المستدامة، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون. وقد برز مفهوم أمن الإنسان في السنوات الأخيرة باعتباره جوهر مفهوم الأمن الوطني الذي يهتم بأمن الدول.

     

      التنمية المستدامة

     

      مر مفهوم التنمية بأربع مراحل: في أولاها، جرى التركيز على النمو الاقتصادي. وفي ثانيتها، على التنمية البشرية. وفي ثالثتها، على التنمية البشرية المستدامة. وفي رابعتها، على التنمية الإنسانية بمعناها الشامل. ولعل مقولة التنمية أمست اليوم محوراً مشتركاً لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرّف إعـلان " الحق في التنمية " الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1986 عملية التنمية بأنهـا " عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ". وحتى لا تظلم الأجيال القادمة، بسبب استنزاف الأجيال الحاضرة لجميع الموارد، ظهر ما يعرف بـ " التنمية المستدامة " والتي جاء تعريفها في مؤتمر الأمم المتحدة عام 1987 بأنها " التنمية التي تلبي احتياجات الجيل الحالي دون الإضرار بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة ".

     

      إنّ التنمية المستدامة تهدف إلى التوافق والتكامل بين البيئة والتنمية من خلال ثلاثة أنظمة هي‏:‏ نظام حيوي للموارد‏،‏ و نظام اقتصادي‏،‏ و نظام اجتماعي‏.‏ ويعني النظام الأول القدرة على التكيّف مع المتغيّرات الإنتاجية البيولوجية للموارد لعملية التخليق والإنتاج، لتكوين الموارد الاقتصادية بطريقة منظمة وليس جائرة الاستخدام‏.‏ أما النظام الاجتماعي فيعني توفير العدالة الاجتماعية لجميع فئات المجتمع.‏ وأخيراً النظام الاقتصادي، وهو يعني القدرة على تحقيق معادلة التوازن بين الاستهلاك والإنتاج لتحقيق التنمية المنشودة التي تهدف إلى‏:‏ التحسن المستمر في نوعية الحياة‏، ‏والقضاء على الفقر المدقع داخل المجتمع‏،‏ والمشاركة العادلة في تحقيق مكاسب للجميع‏،‏ و تحسين إنتاجية الفقراء‏،‏ وتبنّي أنماط إنتاجية واستهلاكية مستحدثة‏،‏ والانضباط في الأساليب والسلوكيات الحياتية للمجتمع‏.‏

      أهم التحديات التي تواجه التنمية العربية

     

      بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991 وتداعياتها دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة، توضحت فيها مشاكل أساسية تعترض عملية التنمية المستدامة: أزمة المياه والغذاء والبطالة، وعدم تنفيذ المشاريع التنموية، والأزمات السياسية المستمرة، وارتفاع النمو الديمغرافي، وتدنّي مستوى الخدمات، وتزايد المديونية الخارجية، وانهيار أسعار بعض المواد الأولية.

     

      واليوم يوجد، في كل بلد عربي، ثقوب سوداء تبتلع جهود الشعب وعافيته، وتقوّض وظائف الدولة، على ما بين الشعب والدولة من تباين في الدور والموقع، ومن أهمها ثلاثة:  أولها، الفساد الذي لا يلتهم فقط عوائد التنمية، ولا ينتزع اللقمة من أفواه معظم المواطنين، بل يقوّض كذلك ما قد يبذل من جهود للخروج من التأخر، ويُغرق العرب في تأخر يتفاقم دون هوادة، فيجدون أنفسهم في وضع من يركض إلى الخلف ووجهه إلى الأمام. وثانيها، السلطة الفردية، التي لم تترك وسيلةً إلا ولجأت إليها كي تضعف المجتمع وتصادر حقوق المواطن، بدل أن تقوّي نفسها بتقويته، وتوسّع مكانتها عبر صيانة وتوسيع حقوقه. وثالثها، العدالة والمساواة، مع أنّ تبنّيها غدا حتمياً، وإلا استحال إنقاذ دولنا ونظمنا، التي لطالما تجاهلت العدالة والمساواة وأقامت أوضاعاً مناقضةً لهما، شبه مستحيل.

      الأمن الإنساني

     

      ظهر مفهوم الأمن الإنساني كجزء من مصطلحات الأنموذج الكلي للتنمية الذي تبلور في إطار الأمم المتحدة، وقد برز المفهوم من خلال تقرير التنمية البشرية لعام 1994، إذ كانت نقطة البداية لإطلاق المفهوم، ومن ثم ورد بقوة في تقرير التنمية الإنسانية لهذا العام 2009، لما له من علاقة وثيقة في تحقيق التنمية المستدامة وتحقيق الأمن الحياتي للناس.

     

      لقد أصبح مفهوم الأمن الإنساني الشغل الشاغل للدول الحديثة، حيث يركّز على الظروف الداخلية التي يجب توافرها لضمان الأمن الشخصي للأفراد. ولم تعد هنالك إشكالية بين مفهوم حقوق الإنسان ومفهوم الأمن الإنساني، الذي يتجاوز التركيز على وضع مجموعة من القواعد القانونية الكفيلة بالتعامل مع مصادر تهديد الأمن الإنساني إلى التركيز على سبل تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان.

     

      كما أنّ الحديث عن الأمن الإنساني يقتضي التعرّف على أهم تحديات الأمن الجماعي، وإبراز الترابط بين التهديدات المعاصرة التي يتعرض لها نظام الأمن الجماعي مثل الإرهاب والحروب الأهلية وبين الفقر والتنمية‏.‏ وفي هذا السياق تبنّت الأمم المتحدة إعلان الألفية الثالثة بشأن التنمية في سبتمبر/أيلول 2000، وتضمن ثمانية أهداف أساسية تصبو إليها البشرية، من أجل عيش أفضل، تحققها الدول خلال الفترة الممتدة بين 1990 – 2015، وتتمثل في: القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتحقيق تعميم التعليم الابتدائي، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وخفض معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة مرض نقص المناعة " الإيدز " والملاريا وغيرهما من الأمراض، وضمان الاستدامة البيئية وتطوير شراكة دولية من أجل التنمية.

     

      إنّ البعد الشامل والتكاملي والمستديم في التنمية يحيل إلى حلقات مترابطة في معاني المفهوم الجديد للأمن الإنساني وشروطه:

     

        * تنمية وعي المواطن، كإنسان مسؤول، للمشاركة في الشأن العام.

        * اعتبار مستوى التعليم ومستوى الصحة ومستوى الوعي البيئي ومستوى المشاركة معايير أساسية في درجات التنمية المستدامة.

     

      إنّ مفهوم الأمن الإنساني شامل جامع لمناحي حياة المواطن المختلفة: فالأمن الوطني هو حالة الثقة والطمأنينة نحو حماية الكيان الذاتي للدولة والعمل في بيئة مستقرة وآمنة من أي عمل عدواني، حيث القوة الوطنية لا تعني في هذا السياق القوة العسكرية فقط، بل هي محصلة لقدرات الدولة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية. أما الأمن الذي يتعلق بصحة المواطن وغذائه ودوائه وبيئته واقتصاده، ويهتم بحركة تمكين المرأة في المجالات المختلفة، فقد أصبح غاية بحد ذاتها من أجل استقرار المواطن نفسياً وجسمياً وأخلاقياً وقانونياً لتحسين أدائه العام، وبناء مجتمع سليم يرتقي بالذوق العام.

     

      ويختلف مفهوم الأمن الإنساني عن مفهوم التنمية كونه أشمل منها، بما يتجاوز المنظور التنموي الذي يركز على قضايا الحاجة أكثر من قضايا الخوف. أما باراديغم الأمن الإنساني فهو صياغة ذكية لمفهوم الأمن بإعادته لموضوعه أي أمن الإنسان، وهو يشكل تحدياً لاحتكار الأقلية للأمن في المعنى وفي الممارسة، مما يجعله ذا صبغة سياسية واضحة، ومن هذا المنظور فإنه يرتبط بشكل ومحتوى السلطة السياسية، بما يعطيه شرعية الربط بالمسألة الديمقراطية دون إغفال كل القضايا الأخرى المتعلقة بحاجات الإنسان المتنوعة.

     

      وعندما يُعتمد مفهوم الأمن الإنساني، لقراءة المنطقة العربية، فإنه ينفتح على مقاربة رابطة لقضاياها المتنوعة: من موضوع الاحتلال والحروب والنزاعات، إلى الماء والبيئة والطاقة والتنمية والانتقال الديمقراطي.

     

      تونس في 10/12/ 2009                 الدكتور عبدالله تركماني

     

                                           كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

     

      (*) – في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الثامن والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " مساقات الديمقراطية والتنمية المستدامة بالمغرب العربي وبأوروبا " خلال يومي 11 و 12 ديسمبر/كانون الأول 2009، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات ". 

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.