دبي تتقدّم في العمر

0
121

في صباح اليوم التالي للذكرى الثامنة والثلاثين لتأسيس الإمارات العربية المتحدة، كانت الشوارع مهجورة ما عدا من العمال الأجانب الذين يرتدون بزات برتقالية. كانوا يكنسون النِّثار عن طريق الشاطئ في دبي، ويمسحون الخيطان البلاستيكية الملوّنة عن عدسات كاميرات السير وينظفون بقايا الأسهم النارية. لقد اختفت سيارات الـ"هامر" والـ"إسكالاد" الملبَّسة بالكريستال التي استعرضت ذهاباً وإياباً في أبهى حللها. ملأت أصوات الزمامير والهتافات والمفرقعات النارية الليل؛ أما الآن فيسود هدوء تام.

لا تزال سيارة رباعية الدفع متروكة عند محطة للحافلات تحمل مؤشرات الاحتفال الذي أقيم في الثاني من كانون الأول الجاري: ملصقات خضراء في شكل قلب على غطاء المحرّك، وأعلام وطنية ترفرف عند النافذة الخلفية، وأُلصِقت على حاجب الريح صورة لحاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. يخال للمرء أن نظرته التي تحدّق في البعيد تهدف إلى توليد انطباع بأنه يتأمّل في الإنجاز العظيم لرؤيته. لكن بينما تترنّح الإمارة على شفير الانهيار الاقتصادي، بدا التعبير الغامض على وجه الشيخ محمد أقرب إلى نظرة رجل يرى حلمه يتداعى بسرعة.

في الذكرى الثامنة والثلاثين، تواجه الإمارة الأكثر اندفاعاً وشهرة بين الإمارات السبع ما يشبه أزمة منتصف العمر. لقد فقدت التفاؤل الأعمى الذي كانت تتمتع به في شبابها، عندما جلب التهافت على النفط سيارات المرسيدس ومتاجر "مكدونالد" إلى الصحراء، لكن ما زال عليها أن تكتسب حكمة التقدّم في السن. على الرغم من إعادة الاختراع المستمرة والناشطة، ومن المحاولات الحثيثة لتوجيه أنظار العالم إلى هذه المدينة – تعالوا لرؤية أطول برج في العالم! نافورة يمكن رؤيتها من الفضاء! مركز تبضع يمتد على مساحة 12.1 مليون قدم مربع! – إنها في خطر خسارة أوكسيجينها. من دون دعاية إيجابية، لا يعود لدبي وجود ذو مغزى على الساحة العالمية.

وإذا كان المال قد تبخّر فعلاً، فسوف يكون هناك تحوّل ديموغرافي كبير في صفوف المغتربين الذين يشكّلون غالبية السكان. نأتي جميعنا إلى هنا بحثاً عن المال. يختار بعضهم البقاء من أجل نمط الحياة، والبعض الآخر بسبب عدم وجود بديل أفضل. يرى كثر الحياة في دبي بمثابة استراحة مرحَّب بها من المسؤولية المدنية؛ يستطيع المغترب أن يحصل على الأفضل، فيختار الجيد ويتجاهل السيئ ويعيش الحلم. شرط أن يكون هناك اقتصاد يعمل. إذا فشل ذلك الاقتصاد، عليك أن ترحل. لا عمل، لا تأشيرة سفر، الوداع.

طوال فصل الصيف، كانت هناك تقارير عن نقص في صناديق الكرتون [لتوضيب الأمتعة]، وعن ترك أعداد كبيرة من السيارات المغبرة في المحطة الدولية في المطار؛ وكان أفراد العائلة والأصدقاء القلقون يتصلون هاتفياً بالمغترب ويسألونه "هل أنت بخير؟" "متى تعود إلى ديارك؟" كان هناك توقّع بأن الآلاف سيعودون إلى ديارهم لمواجهة الركود العالمي هناك. كان ثمة يقين بأنه في نهاية العام الأكاديمي، سوف تحزم العائلات مقتنياتها وتغادر البلاد.

لكن الحقيقة هي أن العديد من المغتربين الأجانب أقل قدرة على الهروب مما يحلو لهم أن يعتقدوا. فهم يعتبرون دبي الآن موطنهم، في السراء والضراء. لقد فتحوا حسابات مصرفية وأنشأوا أعمالاً تجارية؛ ويملكون منازل اشتروها بموجب رهون عقارية في مشاريع تحمل أسماء متنافرة مثل الينابيع والبحيرات والمروج. مصيرهم مرتبط بمصير دبي كمركز حيوي للبيزنس، وإذا غادروا، فهم معرّضون لخسارة كل شيء.

وهكذا يقول المسؤولون عن التسجيل في المدارس الكثيرة التي تستقبل المغتربين الأوروبيين إن لوائح الانتظار لا تزال طويلة، وإن قاعات التدريس مليئة بالكامل. وتتحدّث الأمهات اللواتي يتحلقن في الملاعب لاصطحاب أولادهن عن أمور غير الاقتصاد، مثل مشاريعهن لعيد الميلاد، والتغيّر في المناخ، والحفل الموسيقي الذي تجريه ريحانا في أبو ظبي ليلة رأس السنة.

لقد طمأنهن أزواجهن إلى أن الأمور ستكون على ما يرام، وإلى أنها ليست بالسوء الذي يتكلمون عنه. كل البلدان تواجه مشكلات مالية. فديون أميركا أكبر من ديون دبي. والاقتصاد البريطاني ينهار بسرعة. يجب أن نكون متفائلين. لقد قدّمت أبو ظبي، جارة دبي الأكثر ثراء ومحافظة، دعماً بقيمة عشرة مليارات دولار للابن المبذِّر. ومن أين ستحضرين حبش العيد هذه السنة؟

لكن خلف واجهة الرخام البرّاقة والنبات المعترش الزاهي الألوان ثمة مؤشرات تغيير يصبح من الأصعب تجاهلها يوماً بعد يوم. فلافتات "للإيجار" التي اختفت بلمح البصر العام الماضي مع قدوم الآلاف لبدء حياة جديدة هنا تتدلّى الآن من الفيلات والشقق. قبل اثني عشر شهراً، كنت تدفع السعر المفروض عليك حتى لو ضاعف مالكو الأراضي بدل الإيجار بين ليلة وضحاها، لكن إذا كنت تسعى إلى تغيير منزلك الآن، يمكنك أن تساوم وتطالب بتصليح الحمام وتحديث المطبخ وبحسم آلاف الدراهم من السعر الأصلي.

مع عواصف الغبار التي تهب في هذا الوقت من العام، من الصعب التمييز بين الأبراج نصف المشيَّدة التي لا تزال قيد البناء والأبراج التي هُجِرت ولن يُستكمَل بناؤها. قبل أشهر فقط، كانت مساحات كاملة من المدينة – الأجزاء الأقدم التي يعود بعضها إلى عشرة أعوام خلت – معدّة للتدمير؛ أما الآن فتُطلى أكواخ البنغل العتيقة وتُجهَّز من جديد وتُعرَض مجدداً في الأسواق. خلف لوائح الإعلانات الخشبية الضخمة التي تروِّج لـ"المجتمع المتكامل" الأحدث، ليس هناك سوى رمال.

ما تغيّر بالتأكيد هو العلاقة بين السكان المحليين والمغتربين. لطالما كانت علاقة مضطربة، ولا تَظهر التشنّجات الكامنة في النفوس إلا عندما يقع حادث سير ويُفترَض بأن الأجنبي هو المخطئ. ولا شك في أن جزءاً من هذا التوتّر سببه الاستياء المتنامي من انتهاء الطفرة التي أدّى المغتربون الأجانب دوراً محورياً فيها. ربما نأسف للانهيار ونعاني من التداعيات الاقتصادية، لكن سقوط دبي السريع لم يقوّض شعورنا بالانتماء الوطني؛ فنحن كنا مجرّد ركّاب في الرحلة. أما بالنسبة إلى السكان المحليين، فلا بديل، لا يمكنهم المغادرة. قد لا ينتقل إلى الجيل المقبل من أبناء دبي سوى إرث مدمَّر.

لقد عانت الهوية الإسلامية للإمارة أيضاً في العقود الماضية. وكيف يمكن ألا تعاني؟ لقد رحّبت دبي بالمغتربين من جرسي إلى اليابان، ومن أثيوبيا إلى أستونيا – لكنها تغاضت عن المساوئ التي يمكن أن يولّدها هذا الخليط الموقّت المتعدد الثقافة، على الأقل إلى أن بات ذلك التنوّع الذي لا جذور له يهدّد بأن يتحوّل السمة الأساسية للإمارة. يتذمّر السكان المحليون، عن حق في بعض الأحيان، من عدم احترام حساسياتهم الدينية، بينما يتبنّون علناً في الوقت نفسه العديد من العناصر الأقل استساغة في الغرب المعلمَن.

إذاً نُعاقَب نحن العمّال الأجانب لفشلنا في الاندماج والانخراط مع الثقافة والإرث المحليين. ويحضّوننا على التماهي. لكن السؤال المطروح هو "نتماهى مع ماذا؟" لا حاجة إلى تكلّم اللغة العربية في الحياة اليومية؛ وليس هناك الكثير لاستكشافه في الثقافة المحلية.

الأسبوع الماضي، ساد بعض الإرباك حول المأكولات التي يجب أن يأخذها أولادي معهم إلى المدرسة لمناسبة احتفالات العيد الوطني. ما مقوّمات المطبخ المحلي بالضبط؟ لو كان زفافاً، لكان الطبق المحلي عبارة عن حدبة جمل مشويّة. لكن السوبرماركت لا تخزّن لحم الجمال، وبما أن دبي تستعير الكثير من المطبخ اللبناني والمصري والهندي والباكستاني، من الصعب معرفة الطبق الذي ينتمي حصراً إلى مطبخ دبي. من أجل إعداد طعام لتلاميذ في السابعة من العمر، استسلمنا للإغراء المحتوم الذي يشكّله الكعك المكوَّب المكسو بالسكر والزبدة والمزيّن بنَثر عيد الميلاد. وقد لوّناه بألوان العيد، الأحمر والأبيض والأخضر، وظل ينقصه شيء أسود فقط ليبدو وكأنه يجسّد ألوان العلم الوطني.

أصبحت دبي ما هي عليه اليوم من خلال تحدّي التوقعات الطبيعية من بين أمور أخرى: جزر تتّخذ شكل أشجار النخيل، والفندق الوحيد في العالم سبع نجوم، وسباق الخيل الأغنى في العالم. لكن النتيجة هي مكان يفتقر إلى التماسك، جغرافياً وبسيكولوجياً على السواء. إنها تشبه بطرق عدّة ديكور فيلم رائعاً ينتظر وصول بطل مقدام يربط بين كل تلك الحبال المتراخية ويضفي بعض الصدقية على هذه الفنتازيا. غير أن هذا المكان غير التقليدي على الإطلاق ليس محصّناً أمام الواقع. سوف تحدّد الطريقة التي ستُنجِز فيها دبي طقس العبور هذا إذا كانت ستؤخَذ يوماً على محمل الجد. والقول بأن هذا كله مجرد دعاية سلبية، ومضة تسويقية عابرة، ليس مؤشراً واعداً.

في هذه الأثناء، تمتلئ المراكز التجارية بأشجار وزينة عيد الميلاد. يذكّروننا بوجوب ارتداء ثياب محتشمة بينما نشتري ثلجاً اصطناعياً من منحدر التزلّج المقفَل قبل التوقّف لمشاهدة البطارق التي تتزحلق على المزالج المزوّدة بعجلات أو احتساء كوب شوكولا ساخن في ظل دفء يوفّره بروجكتور موضوع على الجدار. لا تزال المراكز التجارية تعجّ بالرواد في نهايات الأسبوع، وإذا كانت المتاجر تقدّم حسومات، فمن يستطيع أن يحدّد إذا كانت مسألة موسمية أو مقياساً للانهيار الاقتصادي.

 

 

(عن "نيويورك تايمز" ترجمة نسرين ناضر )

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.