حديــث جــاد مــع الدكــتـــور محمـــد الـبـــرادعـــي

0
55

كنت من الذين احتفوا بالاخبار التي تناثرت حول ترشيح الدكتور محمد البرادعي لرئاسة الجمهورية‏،‏ كما احتفيت بالكوكبة من الاسماء التي تناثرت معه وفي التوقيت نفسه مثل الدكتور احمد زويل صاحب نوبل في الكيمياء‏،‏ والسيد عمرو موسى الامين العام لجامعة الدول العربية الذي صرح آنذاك بأن الرسالة‏،‏ او النداء‏،‏ قد وصلته من الجماهير المصرية‏.‏ وكان مصدر الاحتفاء هو ان هذه الشخصيات المصرية المرموقة سوف تقدم كثيرا من الغني الفكري والسياسي خلال فترة المنافسة على المنصب الرفيع لرئيس الجمهورية‏،‏ وهي في كل الاحوال حققت لمصر الكثير من السمعة الدولية من خلال الدور الذي لعبته في خدمة الانسانية او المنطقة العربية‏.‏

واعترف انه كان في ذهني دائما ان مرشح الحزب الوطني الديموقراطي يستحق منافسين من ذوي القامة حتى يكون ما حققه‏،‏ وما لم يحققه‏،‏ جزءا من نقاش وحوار راق يأخذ بيد مصر خلال العقد المقبل الذي اظن انه سوف يكون عقدا فاصلا في التاريخ المصري‏،‏ يدور حول تحقيق امنيات المصريين في بلد عصري ومتقدم‏.‏ واذا كان السيد عمرو موسى قد اعلن ان الرسالة وصلته من الجماهير المصرية‏،‏ وما زلنا في انتظار رده على الرسالة‏،‏ فانه يبدو ان الجماهير نفسها‏،‏ او جماهير اخرى‏،‏ قد ارسلت ذات الرسالة الى الدكتور محمد البرادعي الذي قرر الرد عليها برسالة اخرى حدد فيها اطارا عاما لعملية دخوله الى حلبة المنافسة الكبرى‏.‏

وفي البداية فان رجلنا هو ابن الديبلوماسية المصرية وأحد الذين اخرجتهم لكي يعملوا بامتياز في ساحة العمل الدولي‏،‏ كما انه الرجل الذي حصل على جائزة نوبل للسلام الرفيعة‏،‏ التي لا تمنح الا لهولاء الذين ساهموا في تقدم الانسانية‏،‏ والعمل من اجل السلام العالمي‏،‏ ولن ننسى ان الرئيس حسني مبارك قد منحه قلادة النيل العظمى التي لا تمنح الا للملوك والروساء ومن قدموا للعالم خدمات جليلة‏.‏ ولكل هذه الاسباب‏،‏ فان ما جاء في رسالة الرجل للآراء والاصوات التي دعته الى التقدم للترشيح في انتخابات الرئاسة المصرية المقبلة‏،‏ يتطلب ان يؤخذ بالجدية نفسها التي طرح بها موضوعه‏.‏

وبصراحة فإننا هنا لا نتعامل مع شخصية عادية يمكن ان يؤخذ كلامها حبا بالشهرة‏،‏ فقد حصل على الكثير منها‏،‏ او نفاقا لجماهير وجماعات‏،‏ فقد كان عليه في تجربته في الوكالة الدولية للطاقة النووية ان يتعامل بكرامة واعتزاز بالنفس مع قوى عظمى وكبرى‏،‏ ومسلحة بالاسلحة النووية‏،‏ او انها في الطريق اليها‏.‏

الجدية التي تليق بصاحبنا هنا تبدأ بالمصارحة معه ان سبعة وعشرين عاما من البعد عن مصر تحتاج منه ان يلتقط انفاسه قليلا بعد تجربة عريضة في منظمة دولية مهما كانت مرموقة‏،‏ فان هناك فارقا كبيرا بينها وبين دولة وامة ومجتمع يلخصها عنوان عريض في التاريخ اسمه مصر‏.‏ واخشى ما اخشاه ان يكون صاحب التجربة العريضة في الخارج قد اعتمد في اطاره العام على مجموعة الاراء والاصوات التي اتته من خلال ضجيج ذائع في مصر ساهم فيه انفجار في تكنولوجيا المعلومات‏،‏ مع درجة غير مسبوقة من الحرية السياسية‏.‏

ولكن وراء هذه الضوضاء فان مصر لم تكن فراغا سياسيا او اقتصاديا واجتماعيا خلال السبعة والعشرين عاما الماضية وانما جرت فيها تغيرات عظمى ليس اقلها ان عدد سكان مصر قد اصبحوا الآن ثمانين مليون نسمة بعد ان كانوا اربعين في مطلع الثمانينات‏.‏

هذا التغير الديموغرافي يطول الحديث فيه‏،‏ وما حدث له كما ونوعا‏،‏ وسواء كان ذلك اقتصاديا او اجتماعيا او سياسيا او حتى جغرافيا‏،‏ اعمق بكثير مما يبدو على السطح‏،‏ ولا تصح معه الاحكام المتعجلة او سابقة التجهيز على مقاس‏ "آراء واصوات"‏ اعتدنا عليها كثيرا داخل الساحة المصرية‏،‏ وبقي ان يتعود عليها ايضا الدكتور البرادعي ويعطيها ما تستحقه من حجم ومكانة‏.‏ وحينما تصبح كل الامور في احجامها الطبيعية فان كثيرا من القضايا التي اثارها صاحبنا في كلمته العامة ربما تحتاج الى تعامل اكثر جدية مما تعامل معه الدكتور البرادعي حتى الان‏.

على سبيل المثال فان رجلنا‏،‏ يقول‏،‏ وله كل الحق في ذلك انه "لا بد ان تجري العملية الانتخابية التشريعية والرئاسية على غرار المعمول به في سائر الدول الديموقراطية المتقدمة منها والنامية"،‏ ولكنه يعود فورا بعد ذلك لكي يطلب امرين متناقضين‏:‏ اولهما وجود لجنة قومية مستقلة ومحايدة تتولى تنظيم كافة الاجراءات الخاصة بالعملية الانتخابية لضمان نزاهتها‏.‏ وهذه اللجنة موجودة الآن بالفعل في ما يخص الانتخابات الرئاسية‏،‏ ومن الممكن تعزيز امكاناتها وقدراتها خلال المرحلة المقبلة‏.‏ وثانيهما ان يكون هناك اشراف قضائي كامل على العملية الانتخابية‏،‏ وهي مسألة تفسر في مصر على ان يكون هناك قاض لكل صندوق‏.‏ مثل ذلك لا يوجد في الدول الديموقراطية المتقدمة والنامية التي طالبنا الدكتور البرادعي ان نعمل على مثالها‏،‏ وطالما انه سوف تكون هناك لجنة قومية مستقلة ومحايدة ومشرفة على كل تفاصيل الانتخابات‏،‏ فما هي الحاجة لشل السلطة القضائية كلها ولفترة طويلة‏،‏ وجر القضاء كله الى ساحة السياسة المفعمة بالاهواء والمصالح‏.‏

وللحق فانه من المفهوم ان يطالب الدكتور البرادعي بوجود مراقبين دوليين‏،‏ وهي مسألة تستحق ان تدرس من جانب الحزب الوطني الديموقراطي من زاوية البحث عن صيغة للتوازن ما بين زيادة صدقية العملية الانتخابية‏،‏ وعدم المساس بالسيادة المصرية‏.‏ ولكن‏،‏ وللحق ايضا‏،‏ فان التحفظ على الرقابة الدولية لم يكن آتياً فقط من جانب الحزب الوطني الديموقراطي‏،‏ وانما كان قادما ايضا من قوى واحزاب سياسية كثيرة لم ترَ في مسالة الرقابة الدولية الا تدخلا في الشؤون الداخلية المصرية‏.‏

الجدية مع الدكتور البرادعي ايضا تستدعي دعوته لكي يكون هو الآخر على استعداد لكي يأخذ مصر ايضا بالجدية التي تستحقها‏،‏ فما يطلبه منا صاحبنا هو ان نهدم الدستور والمؤسسات المصرية القائمة‏،‏ وتفصيل اوضاع جديدة تتيح له الترشيح لمقعد الرئاسة دون مشاركة منه في عملية الاصلاح والتغيير الواجبة والمطلوبة‏.‏

الامر هكذا ليس مصريا على الاطلاق‏،‏ فلا مصر فتاة تنتظر فتاها المخلص القادم على حصان ابيض من فيينا‏،‏ ولا هي الدولة التي يجري فيها التغيير بجرة قلم‏،‏ او بناء على رغبة فرد حتى ولو كان حائزا على جائزة نوبل‏.‏ وكل ذلك لا يمنعني من الاتفاق مع الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية ان مصر تحتاج الى تغييرات دستورية جوهرية‏،‏ ولكن هذه التغيرات ينبغي لها ان تأتي من خلال نقاش وحوار مصري عميق بين القوى السياسية المختلفة التي تعبر ايضا عن مصالح متنوعة وليس استنادا الى اشارة من بعيد استدعتها‏ "آراء واصوات‏" قادمة من جماعات مصرية لا يوجد مقياس واحد يقول بانها تمثل حقا الشعب المصري‏.‏

والحقيقة ان الدكتور البرادعي قد ادهشني كثيرا عندما قال‏:‏ كلنا متفقون على ماهية مشاكلنا حيث كنت اظنه اكثر اقترابا من الواقع المصري مما ثبت في كلمته‏،‏ حيث ان الاصل في المجتمعات المختلفة ان يكون هناك تباين في النظر الى مشاكل المجتمع‏،‏ او في تقدير اهميتها‏،‏ واولوياتها‏.‏ وعلى سبيل المثال فان المشكلة السكانية تختلف فيها الرؤى المصرية‏،‏ والعلاقة بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية تجري عليها اختلافات جذرية‏،‏ وحتى الدولة المدنية العصرية الحديثة ـ والتي للمناسبة اتفق فيها مع صاحبنا ـ لايوجد توافق كبير عليها‏.‏ وخلال التعديلات الدستورية الاخيرة دار نقاش عكس اختلافات واسعة حول المادة الثانية من الدستور‏،‏ والى اي حد يكون الاعتماد على مبادئ الشريعة الاسلامية مصدرا رئيسا للتشريع متوافقا مع فكرة الدولة المدنية‏.‏ وعندما طرح الاخوان المسلمون برنامجا سياسيا منذ فترة ليست بعيدة كان الاساس فيه العمل من اجل دولة دينية نقية يقودها جماعة من الفقهاء المسلمين الذين يقررون السياسات الشرعية للبلاد‏.‏

ان الآراء الواردة في رسالة الدكتور البرادعي تعكس الى حد كبير طريقته في ادارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث حصل رجلنا والوكالة على جائزة نوبل للسلام لسببين رئيسيين‏:‏ اولهما انهما جعلا قضية منع انتشار الاسلحة النووية في المقدم من اولويات السياسة العالمية‏،‏ وهي التي تمثل اخطارا على استقرار النظام الدولي‏.‏ وثانيهما ان الوكالة ذاتها لم تعد واحدة من المنظمات الدولية التي لا يسمع بها احد بل صارت لاعبا اساسيا‏،‏ وساحة مقبولة‏،‏ في عمليات التفاوض المعقدة للتعامل مع الانتشار النووي‏.‏

مثل هذا الانجاز لم يكن قليلا‏،‏ ومع ذلك فقد عمل الدكتور البرادعي كمدير للوكالة‏،‏ لكنه تصرف في معظم الاحيان كمفتش‏،‏ مهمته ان يعرف‏،‏ وكانت المفاجأة طوال الوقت‏،‏ ان الوكالة لم تتمكن من ان تعرف‏،‏ فقد تم الكشف عن كل البرامج النووية السرية تقريبا‏،‏ بأساليب ليس من ضمنها مفتشو الوكالة‏.‏ وظهرت مرة اخرى مشكلة المفتش في التقارير التي كان يتم تقديمها حول البرامج النووية‏،‏ لذا كانت تقارير التفتيش عادة ما لا تجزم بوجود مشكلة ما‏،‏ كما انها لا تجزم بعدم وجود تلك المشكلة‏،‏ كما وضح في حالة ايران‏،‏ فلو قيل ان لديها برنامجا نوويا عسكريا ستتدمر طهران‏،‏ ولو قيل انه ليس لديها ذلك‏،‏ ستتدمر الوكالة‏! وكان ثمن المعضلة وضع اسماء دول عربية ضمن طائفة الدول التي يناقش سلوكها النووي‏،‏ كسوريا ومصر‏،‏ برغم انه كان يمكنه حسم المسالة مبكرا‏.‏

وللحق فان البرادعي انتقد نفسه‏،‏ بانه لم يصرخ بأعلى صوته عام ‏2003،‏ ليقول انه ليس لدى العراق برامج نووية سرية‏.‏ وللحق ايضا فان الاستغراق في دور المفتش كان واحدة من النقاط التي اثارها يوكيا امانو مدير الوكالة الجديد حين قال ان البرادعي حوّل الوكالة الى العمل في مجال منع الانتشار النووي‏،‏ بأكثر مما عملت في مجال تسهيل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية‏،‏ وهي المهمة الاصلية لها‏.‏ كما ان الاستغراق في دور المفتش ادى الى افلات المواقف احيانا‏،‏ فالرغبة في التفتيش على منشآت اسرائيل النووية‏،‏ دون حسابات كافية‏،‏ قادت في النهاية الى قيامه بما سمي مهمة تفقد لمفاعل دايمونا من أعلى‏،‏ من طائرة‏،‏ قبل ان تنحرف المسألة كلها في اتجاه ان تطرح اسرائيل افكارا‏،‏ بأنها عضو نشط في الوكالة‏،‏ وانها تريد الاعتراف بها كدولة امر واقع نووية اي مماثلة للهند وباكستان‏.‏

وفي حقل السياسة الخارجية الذي لم يمسه الدكتور البرادعي في رده على الاصوات التي نادته‏،‏ هناك اختلاف بين منطق الوكالة ومنطق الدولة‏،‏ وهذه المشكلة واجهها مرشح "محتمل آخر"‏ هو السيد عمرو موسى‏،‏ لكن بشكل عكسي‏،‏ عندما انتقل للعمل من وزارة خارجية الدولة المصرية‏،‏ الى امانة جامعة الدول العربية‏،‏ عندما ذكّره احد الوزراء العرب حينها بانه لم يعد وزيرا لمصر‏،‏ ولن يحتاج الدكتور محمد البرادعي لمن يذكره بأنه لم يعد مديرا للوكالة‏،‏ الا أن هذا الميراث سيظل معه‏، ‏ومع كل ذلك اسئلة‏:‏ ماذا سيفعل الدكتور البرادعي مع ايران‏،‏ فقد وضح في الفترة الماضية ان لديه نوايا حسنة بشانها‏،‏ وربما يكون ذلك صحيحا بشأن علاقاتها بالوكالة‏،‏ لكن ليس صحيحا بشأن علاقاتها مع مصر‏،‏ والاهم ان ذلك لم يكن صحيحا بشأن علاقاتها بالوكالة‏،‏ حتى ففي نهايه المطاف‏،‏ وقبل ان تنتهي مدته بأيام قال الدكتور البرادعي‏،‏ ان التفاهم معها وصل الى طريق مسدود‏.‏

والسؤال الأهم ماذا سيفعل مع اسرائيل‏،‏ فلديه تصور لاقامة منطقة خالية من الاسلحة النووية يختلف عن التصور الذي تجاهد مصر من اجله‏،‏ وربما دون ان يقصد أدت تفاعلات الدكتور البرادعي النووية معها‏،‏ الى اظهارها كدولة امر واقع نووية طبيعية‏،‏ وبدأت اسرائيل تطالب بحل مشكلة ما يسمي‏P-3،‏ اي الدول النووية الثلاث التي توجد خارج معاهدة منع الانتشار‏،‏ وهي الهند وباكستان واسرائيل‏،‏ وللمناسبة فان المدير العام الحالي للوكالة يوكيا امانو‏،‏ قال خلال زيارة له الى مصر‏،‏ ان هذا الامر لن يمر الا على جثته‏.‏

ولكن قضيتنا هنا ان منهج البرادعي يترك كل الملفات مفتوحة تقريبا‏،‏ بدون تقدم‏،‏ وبدون تدهور‏،‏ فهل كان بامكانه ان يفعل اكثر مما فعل ام لا‏؟ وهل كان قادرا على حسم المسألة الايرانية‏،‏ او التحذير من تفاقم المسالة الكورية‏،‏ او وضع حدود لاحتمالات شيوع‏ "النموذج الهندي"،‏ او مساندة البرامج النووية المدنية؟‏ وهل كان بامكانه ان يحسن عمل الوكالة بحيث تكون قادرة على اكتشاف النشاطات النووية السرية‏،‏ او جعل تقديراتها اكثر دقة‏،‏ والاجابة هنا هي ان احدا لا يعرف‏.‏ ولكن الخوف الاساسي ان يكون ما كان نجاحا في الوكالة استنادا على نشر فكرة منع الانتشار النووي لا يكفي في الحالة المصرية‏.‏

فالقول بأننا نحتاج دولة مدنية عصرية تقوم على الحداثة والاعتدال والحكم الرشيد هو الحلم المصري منذ عهد محمد علي‏،‏ ولكن المسألة انه بعد قرنين من الزمان او اكثر فان اعادة تكرار الحلم والحديث عنه بعبارات بليغة لا يضيف كثيرا لما نعرفة‏،‏ ولا يعطي رواجا للفكرة مثلما حدث مع موضوع مواجهة الانتشار النووي‏.‏ فما تحتاجه مصر هو الكيفية التي تتعامل بها الدولة مع المعضلات والتحديات الكبرى التي وقفت في مواجهة تحقيق هذا الحلم‏،‏ وجعلت الاقتراب منه يجري على شكل خطوة بعد خطوة‏،‏ وليس على شكل قفزات سريعة كما فعلت امم اخرى‏.‏

ومن ليبرالي الى ليبرالي اخر فانه لا يجوز في كل المناهج الليبرالية ان يفرض مرشح شروطه مسبقا على اللعبة السياسية‏،‏ ففضلا عن ان ذلك يمثل نوعا من التعالي غير المحمود‏،‏ فانه يتجاهل جدلا كبيرا يجري في مصر حول طبيعة النظام السياسي المرغوب‏.‏ والسؤال الكبير في هذا الجدل هو كيفية الانتقال بمصر نحو ارقى صور الديموقراطية‏،‏ ومن الممكن للدكتور البرادعي مع آخرين المساهمة في الاجابة على هذا السؤال‏.‏ فالوصول الى الصورة المرغوبة هو نتيجة جدال سياسي وكفاح لا يجري في مواجهة السلطة السياسية‏،‏ وانما يدور مع قوى كثيرة في مجتمعنا تريد صورا اخرى‏،‏ لكن اخانا يريد ان تكافح الناس بالنيابة عنه لتعطيه الرئاسة على طبق من فضة‏.‏

لقد اقترب وقت الجد‏،‏ ولم يعد ممكنا ان تكون السياسة الفاظا وكلمات او حوارا مع اصوات تأتي من على الفضاء الافتراضي‏،‏ او حتى من على سلالم النقابات‏،‏ كما انها ليست عملية تفتيش على وطن يكافح ابناؤه من اجل حياة ارقى‏،‏ ولكنها ممارسة من خلال المؤسسات القائمة حتى يتم الاتفاق على تغييرها‏.‏ ومن الممكن ان يشكل الدكتور البرادعي اضافة للحوار المصري الدائر شرط ان يعود واحدا منا ـ مع الاجلال والتوقير اللازم لمصري حاصل على جائزة نوبل وقلادة النيل ـ ولكن عليه اولا ان يعرف ان المصريين يستمعون ويتحاورون‏،‏ ولكنهم لا يأخذون دروسا من احد‏، كما يعرف ثانيا ان هناك فارقا كبيرا بين مصر ـ الدولة والشعب والمجتمع والتاريخ ـ والوكالة‏!!

 

 

(رئيس مجلس ادارة صحيفة "الاهرام" المصرية)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.