"الديموقراطية العربية": خصوصيات معوّقة

0
58

 كلما تعمقنا في دراسة الحالات العشر للدول العربية التي تخوض تجربة الإصلاح السياسي والتي درسها مشروع مؤسسة كارنيغي (كتاب "ما يتعدى الواجهة"، 2008) أدركنا استحالة التعميم على عملية التحول الديموقراطي في العالم العربي.

في مصر على سبيل المثال يعتبر ضعف الأحزاب السياسية وقلة المنافسة الحقيقية من العوائق الرئيسة للديموقراطية، حيث المشهد السياسي يخضع منذ فترة طويلة إلى سيطرة حزب واحد كان واحداً في السابق، وتحول الآن حزباً مهيمناً وهو الحزب الوطني الديموقراطي.

أما لبنان فهو على عكس حالة مصر التي تبدو فيها قوة الدولة، ذلك أن الدولة فيه بالغة الهشاشة، لأنها ضعيفة نظراً الى تعقد العملية السياسية القائمة على محاولة التوازن بين الطوائف.

والمشكلة أن الطائفية في لبنان ليست مجرد ممارسة سياسية منحرفة، بقدر ما هي ممارسة سياسية مقننة، بحيث توزع المناصب السياسية الرئيسية بحسب الطوائف.

وقد ترافق الميثاق الوطني الذي أبرم عام 1943 مع اتفاق غير رسمي، على وجوب أن يكون رئيس الدولة مسيحياً مارونياً ورئيس الوزراء مسلماً سنياً ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً، وعلى وجوب تمثيل المسيحيين والمسلمين في البرلمان وفي الخدمة المدنية وفقاً لنسبة 6 للمسيحيين و5 للمسلمين (استناداً إلى الإحصاء السكاني لعام 1932).

وهكذا يمكن القول إن النظام اللبناني بحكم استناده إلى الطائفية يعوّق إنشاء دولة حديثة فيها سلطة مركزية تتمتع بقدرة صنع القرار.

وإذا كانت الطائفية هي السمة الغالبة على النظام السياسي اللبناني، فإن القبلية هي المعلم الرئيسي للنظام السياسي اليمني، بالرغم من الإصلاحات الديموقراطية التي تمت فيه في السنوات الأخيرة.

والنظام السياسي الحالي قام على أساس نشأة جمهورية اليمن عام 1990، عندما جرى توحيد الجمهورية العربية اليمنية المتميزة تاريخياً وسياسياً في الشمال مع جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الجنوب، وقد حاول هذا النظام بسط سلطته على مجتمع متميز ببنية قبلية قوية، غالباً ما كانت تملك استقلالية ذاتية فعلية عن الدولة.

وهكذا لا يمكن  فهم الواقع السياسي اليمني إلا من خلال النفاذ من باب التركيبة القبلية من ناحية، ومشكلات الوحدة بين اليمنيين من ناحية أخرى.

ويشهد على ذلك الصراع القائم الآن بين الحوثيين والسلطة المركزية في اليمن من ناحية، ومطالبات الجنوب بالانفصال عن الشمال من ناحية أخرى.

وهكذا يمكن القول – لو تأملنا حالتي لبنان واليمن – إن الطائفية والقبلية تعتبران من بين المعوقات الحقيقية لتحقيق ديموقراطية سياسية حقيقية.

والطائفية اللبنانية التي تقوم على أساس العرق والمذهب الديني، يمكن أن نجد أصداء لها في عديد من البلاد العربية أبرزها العراق حيث الصراع بين السنة والشيعة. كما أن القبلية – وإن كانت بارزة بروزاً شديداً في اليمن – لا يغيب تأثيرها في عدد من البلدان العربية كالسعودية ودول الخليج العربي.

والسؤال المحوري هو ماذا يعني تأثير الطائفية والقبلية على مجمل العملية السياسية في بلاد عربية متعددة؟

معناه ببساطة أن الركن الأول من أركان أي نظام ديموقراطي وهو المواطنة، غائب تماماً، وهذا في تقديرنا السبب العميق في تعثر عملية الإصلاح الديموقراطي في العالم العربي.

بعبارة أخرى ما دام ينظر الى الفرد ليس باعتباره مواطناً – بغض النظر عن دينه وجنسه وأصله العرقي – له كل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فنحن أمام معضلة كبرى لابد من مواجهتها، إن أردنا أن نحقق تقدماً في الإصلاح السياسي العربي.

وإذا رجعنا إلى الخبرة الأوروبية في هذا المجال لاكتشفنا أن مشروع الحداثة الأوروبي الذي في ضوئه تم تحديث المجتمعات الأوروبية ونقلها من نمط المجتمعات الزراعية الاقطاعية إلى نموذج المجتمعات الصناعية الرأسمالية، قام أساساً على الفردية. بمعنى استخلاص الفرد من ربقة البنى الشمولية التي كانت سائدة في المجتمع الإقطاعي الأوروبي، حيث ذاب استقلاله باعتباره كياناً فردياً في خضم التنظيم الشمولي للمجتمع الإقطاعي، والذي كان يقوم على العبودية، بحيث كان الأفراد يعتبرون مجرد أرقام وليس لهم كيانات مستقلة، وبالتالي لم تكن لهم حقوق.

من هنا ركز مشروع الحداثة الغربي على تحرير الفرد من أغلال المجتمع الإقطاعي، وتحويله مواطناً له حقوق سياسية وحقوق اقتصادية في الوقت نفسه، بالإضافة إلى إعطائه حق التنقل والعمل كما يشاء، من هنا منطق شعار الرأسمالية المبكرة "دعه يعمل، دعه يمر"، بمعنى ترك الحرية للفرد باعتباره مواطناً في أن يتنقل وفق إرادته الحرة من مكان إلى مكان حسب تقديره، وكذلك إعطاؤه الحق في اختيار نوع العمل الذي يريده.

وكان هذا تحولاً تاريخياً في تاريخ المجتمع الأوروبي، لأنه تضمن تحويل "الرعايا" في المجتمع الإقطاعي "مواطنين". وربما عبر خير تعبير عن هذا التحول "إعلان حقوق الإنسان والمواطن الشهير". وإذا ألقينا النظر الآن إلى تجربة العالم العربي لأدركنا أن مثل هذا التحول لم يحدث لأسباب متعددة، وقد يكون هذا هو السبب الحقيقي لتعثر الديموقراطية العربية.

وقد كان الأفراد العرب لفترة طويلة مجرد رعايا للدولة العثمانية، وحين برزت فكرة العروبة وتحررت البلاد العربية – عبر دروب ومسالك شتى – من الإرث العثماني الثقيل، كان المفترض أن يتحول هؤلاء الرعايا في الدول العربية التي انفصلت عن الدولة العثمانية، مواطنين كاملي الأهلية، لهم كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

غير أن التاريخ يشهد على أن الاستعمار الغربي بصوره المتعددة قد عوق من هذه المسيرة. كان هناك استعمار استيطاني فرنسي للجزائر، واستعمار إيطالي لليبيا، واستعمار فرنسي للمغرب وتونس، واحتلال إنكليزي لمصر، ونظم للوصاية والانتداب على سوريا ولبنان واحتلال إنجليزي للعراق.

كل هذه الصور الاستعمارية أدت إلى وضع الأفراد العرب في بلادهم المختلفة بتأثير القمع والبطش، في خانة الرعايا وليس في فئة المواطنين الأحرار.

ثم جاءت من بعد حقبة الاستقلال، واستطاعت دول عربية شتى أن تنتزع استقلالها سواء بالمفاوضات مثل حالة مصر عام 1954 بعد مفاوضات شاقة مع الإنكليز قام بها الضباط الأحرار بعد ثورة يوليو 1952، أو بالقوة المسلحة عبر حرب تحرير مجيدة كما هو الحال في الجزائر، أو بمزيج من النضال السياسي والكفاح المسلح كما حدث في تونس والمغرب.

تم الاستقلال الوطني، غير أنه في ما يبدو فإن عملية تحويل الرعايا الذين كانوا خاضعين في ظل الحكومات الاستعمارية الغربية إلى مواطنين كاملي الحقوق، لم تتم لأسباب متعددة في الدول العربية المستقلة.

ويرد السبب في بعض البلاد التي قامت فيها ثورات سياسية مثل ثورة يوليو 1952، وحكم البعث في سوريا والعراق، إلى أن هذه النظم الثورية وإن حررت الأفراد من عديد من القيود التي كبلت حركتهم في الحقبة الاستعمارية، وباشرت كل على حدة عمليات تحديث واسعة المدى رفعت من نوعية حياة الناس، إلا أن القيود السياسية التي فرضت على الأفراد جعلتهم يظلون قابعين في فئة الرعايا ولم تنقلهم إلى فئة المواطنين كاملي الأهلية.

والمواطنة في معناها الحقيقي تعني حق الأفراد في التمتع بحقوقهم السياسية والاقتصادية كاملة بغض النظر عن الدين والأصل والجنس.

غير أن المواطنة بهذا المعنى لم تتحقق في غالبية البلاد العربية وذلك لأن نظمها السياسية راوحت بين الشمولية المطلقة والسلطوية الكاملة. ومن المعروف أن كلا من الشمولية والسلطوية تحد من حريات الأفراد، كما أنها تقيد حركة المجتمع المدني، لأنها تقوم أساساً على الهيمنة المطلقة للدولة، ومنع ظهور مراكز مستقلة لاتخاذ القرار.

إذا كانت هذه النتيجة التي خلصنا إليها من واقع التحليل التاريخي للخبرة العربية في مرحلة ما قبل الاستعمار ومرحلة الاستعمار وما بعد الاستعمار صحيحة، فعلينا إذن – حين الحديث عن الإصلاح السياسي في الوطن العربي – أن نبدأ أولاً بموضوع المواطنة، من حيث تحديد معناها الحقيقي وبيان تجلياتها الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ولا بد في هذا المجال من التحليل المتعمق للأسباب التي تعوّق تحول الأفراد في المجتمعات العربية المختلفة مواطنين، لهم كل الحقوق في ضوء التعريفات السائدة في العالم للمواطنة في معناها الصحيح.

ومن هنا لابد لنا أولاً أن ندرس معنى المواطنة تاريخياً، وأن نتابع تحولاتها في العصر الحديث، وتجلياتها على وجه الخصوص في عصر العولمة، التي فتحت الطريق أمام صور مستحدثة منها.

في ضوء ذلك كله نحتاج إلى أن نبدأ حملة ثقافية كبرى لتثوير الوعي الاجتماعي العربي، من خلال سياسات ثقافية مدروسة شعارها "مواطنون لا رعايا"!

 

 

(باحث مصري)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.