اتباع الطريق الخطأ في أفغانستان

0
135

كان ينبغي على الرئيس الأميركي باراك أوباما إعلان النصر والشروع في سحب القوات من أفغانستان. وبالرغم من أن قراره بتصعيد الحرب قد يحقق الأهداف المرجوة، فإن الثمن الذي سنتكبده مقابل ذلك سيكون فادحا للغاية، ومن دون أن نجعل أمتنا أكثر أمنا ضد تهديد الهجمات الإرهابية.

 

آمل أن أكون خاطئة في رأيي هذا. إلا أن تساؤلي الجوهري بخصوص توجه أوباما تجلى، في أحداث بعيدة عن ميدان القتال، ففي مقديشو بالصومال، تمكن تفجيري انتحاري من اختراق احتفال بتخريج دفعة جامعية وتسبب في مقتل 19 على الأقل، بينهم ثلاثة وزراء في الحكومة الصومالية.

 

في الواقع، استخدامي تعبير «الحكومة الصومالية» لا يخلو من مفارقة، بالنظر إلى أنه لم توجد بالبلاد أي حكومة بالمعنى الحقيقي منذ عام 1991. ولا تزال البلاد تعاني من حرب أهلية متعددة الأطراف مشتعلة منذ أمد بعيد على السيطرة بين عشائر مسلحة ولوردات حرب. ويتمثل التطور الأهم في الفترة الأخيرة في الحرب الأهلية في ظهور حركة تمرد ذات طابع ديني «الشباب»، والتي تسيطر حاليا على قطاع كبير من البلاد، والتي سرعان ما أشارت إليها أصابع الاتهام عن تفجير الخميس سالف الذكر.

 

لكن أين شاهدنا هذا الفيلم من قبل؟

 

لا، الصومال ليست نسخة طبق الأصل من أفغانستان، لكن ذلك لا ينفي أنهما تشتركان في كون كل منهما دولة فاشلة ترسخت بها جذور أيديولوجية إسلامية أصولية وعنيفة، وكذلك أسلوب الهجمات الانتحارية، التي تنعت بـ«الاستشهادية»، الذي يثبت فاعلية كبيرة.

 

من جانبي، أشك في أن قرار أوباما بإرسال 30.000 جندي إضافي إلى أفغانستان سيثبت نجاحه، لكن دعونا نفترض أنه سينجح. طبقا لمسؤولين بارزين بالبيت الأبيض، يعني هذا القرار أن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها سيتمكنون من «الحط من» «طالبان» للدرجة التي سينعدم عندها خطر سيطرة الجماعة على السلطة في كابل وتفقد سيطرتها على مناطق مهمة من الريف الأفغاني.

 

ويؤكد البيت البيض أن هذه الأهداف يجب تحقيقها، بحيث يصبح من المستحيل عودة «طالبان» إلى أفغانستان، وإنشاؤها قاعدة للعمليات بها واستغلالها في شن هجمات جديدة ضد الولايات المتحدة وأهداف أخرى.

 

في اعتقادي، إذا ما بدأت الأمور تخرج عن سيطرة «طالبان»، فإن الكثير من المقاتلين سيذوبون ببساطة من جديد بين السكان ويدخلون في حالة خمول حتى الموعد الزمني النهائي الذي حدده في يوليو (تموز) 2011. بحلول هذا الموعد، هل ستكون القوات العسكرية الأفغانية قادرة بالفعل على الوقوف وحدها ضد خطر «طالبان»، حتى وإن كان خاملا؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الموعد الزمني الذي أقره أوباما يصبح بلا أي معنى حقيقي وستعلق القوات الأميركية في أفغانستان، وبأعداد ضخمة، على امتداد المستقبل المنظور.

 

بيد أنه حتى حال نجاح قرار تعزيز القوات، ما الذي يمنع «القاعدة» ـ أو أي جماعة ذات فكر مشابه ـ من الإقدام ببساطة على نقل نشاطها إلى الصومال أو اليمن، باعتبارها دولة فاشلة أخرى؟ أو أي مكان آخر مدمر من العالم تعاني الحكومة المركزية فيه من الضعف وتنتشر به مشاعر السخط حيال الهيمنة الغربية؟

 

لقد تصادف كون أفغانستان الاختيار الذي استقر عليه أسامة بن لادن كمحل لمقر رئاسة «القاعدة»، لكنه وكبار مساعديه طردوا من البلاد في غضون فترة قصيرة من الإطاحة بحكومة «طالبان» عام 2001. ومن المعتقد أن «القاعدة» تتخذ من باكستان مقرا لها، في وقت تعاني قياداتها من قيود شديدة على قدرتها على الحركة. ورغم أن تردد الحكومة الباكستانية حيال إنجاز المهمة يثير مشكلات لنا، يبقى من غير المحتمل أن تتمكن طائرة من دون طيار من تحقيق ذلك.

 

تكمن المشكلة الحقيقية في أن الفلسفة الدموية لـ«القاعدة»، العدو الحقيقي لنا، ليس لها قاعدة مادية، ذلك أن بإمكانها الظهور بأي مكان، بل وحتى داخل قاعدة شديدة الحراسة تتبع الجيش الأميركي في وسط تكساس.

 

وعليه، يجب أن ننظر إلى ما يستلزمه قرار تصعيد الحرب في أفغانستان كي ينجح. من جهته، يجب أن ينبذ الرئيس حميد كرزاي الفساد، الأمر الذي سيتطلب أكثر من مجرد محاضرة صارمة من جانب أوباما. وسيتعين ليس تدريب القوات العسكرية الأفغانية على القتال فحسب، وإنما كذلك توسيعها من مستوى قوتها الحالي البالغ 92.000 جندي إلى ما يصل إلى 260.000 جندي، وهو مستوى تكاد لا تتحمله حكومة كرزاي الضعيفة الفقيرة. وسيتعين على دولة تشتهر بكونها «مقبرة الإمبراطوريات» نظرا لمقاومتها الأسطورية في وجه الاحتلال الأجنبي إقرار تحول جوهري بتوجهاتها.

 

في النهاية ـ وحتى إذا جاءت الظروف في يوليو (تموز) 2011 مواتية بما يمكن أوباما من إصدار أوامره بتنفيذ انسحاب حقيقي، وليس انسحابا ظاهريا ـ سيبقى التهديد الأكبر للإرهاب قائما. إن توجه «تجفيف المستنقع» لا تجدي نفعا في محاربة الإرهاب إذا كانت العدوى قادرة على إصابة مستنقع آخر.

 

في الواقع، لم يكن من المنطقي قط التفكير في جهود محاربة الإرهاب باعتبارها «حربا» لأنه من غير الممكن هزيمة أسلوب أو فكرة بقوة السلاح. لقد اختار جورج دبليو. بوش نهجا نخوض من خلاله حربا مستمرة مكلفة وفتاكة. وكان على باراك أوباما اتخاذ نهج مغاير.

 

*خدمة «واشنطن بوست»

 

خاص بـ«الشرق الأوسط»

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.