تحليل: مصير عباس مربوط بتغيير نهج المفاوضات

0
133

ثمة من يعتقد اليوم ان  سياسة الرئيس الاميركي باراك اوباما قد خذلت الفلسطينيين، وثمة من يكاد يجزم بأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستند في رفضه معاودة المفاوضات مع اسرائيل الى موقف اوباما المعلن حيال حل الدولتين.

والحق ان الرئيس عباس فتح معركة تكاد تكون مصيرية للفلسطينيين ولمصيره السياسي هو: للفلسطينيين لأنه لا يريد لأي مفاوضات فلسطينية – اسرائيلية  لانهاء الاحتلال  ان تبدأ من الصفر، لانهم إذا ما وافقوا على هذا المبدأ فانهم لن يتوصلوا الى نقطة الاستحقاق في هذه العملية مع تغيرالحكومات الاسرائيلية بمعدل واحدة كل سنتين ونصف سنة الى 3 سنوات ومع كل عملية مفاوضات جدية تتناول قضايا الوضع النهائي، ولانهم سيعطون اسرائيل الحق في ان تنهي احتلالها للاراضي الفلسطينية كما تشتهي، وهذا امر غير مقبول كما يقول ويردد رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض.

لذا فإن تشديد الفلسطينيين على مرجعية اي مفاوضات مستقبلية بين الجانبين ليس مجرد شروط او عقبات لا معنى لها، بل هي ضرورية مع اسرائيل وخصوصا اذا كانت حكومتها تستند الى ائتلاف احزاب لا يؤمن معظم اطرافه  بحل الدولتين، ولا بمبدأ انهاء الاحتلال، بل بضرورة تعميق الاحتلال من خلال تأييد الاستيطان ورفض أي قيود على البناء في الضفة الغربية حتى لو كانت مؤقتة وجزئية ومعروفة الاغراض كأن تكون حملة علاقات عامة على الحلبة الدولية ومقدمة لمعاودة المفاوضات واطلاق اوسع حملة استيطان لمنع قيام دولة فلسطينية.

سلالم الهبوط الاسرائيلية من شجرة رفض المفاوضات  التي يقف عليها الرئيس عباس غير آمنة وغير عملية حتى الآن، وتشير الى نيات اكثر خطرا مما يعرضه علنا رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومعظم هذه السلالم ينطلق من مبدأ الدولة المؤقتة الحدود التي عرضها وزير الدفاع ايهود باراك والرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس والشخصية الثانية في حزب "كاديما" المعارض شاؤول موفاز. والدولة الموقتة الحدود تعني مباشرة حق اسرائيل في مصادرة الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة وما اقتطعه الجدار من دون مفاوضات. وموافقة الفلسطينيين على هذا المبدأ تعني التسليم لاسرائيل بهذا "الحق".

اليوم تدّعي اسرائيل ان الفلسطينيين صاروا في الزاوية لانهم يرفضون معاودة المفاوضات، بخلافها هي، لأنها صارت كما قال اخيرا نتنياهو ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان مستعدة للمفاوضات من دون شروط مسبقة (أي من دون وقف الاستيطان ومن دون معاودتها من النقطة التي وصلت اليها في عهد الحكومة السابقة برئاسة ايهود اولمرت، ومن دون الاتفاق على مرجعيات لهذه المفاوضات).

والفلسطينيون ايضا يبحثون داخليا عن مسالك لا تضعهم في هذه الزاوية، ويفكرون في عدد من الخيارات بينها، الى استكمال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، تمهيد الارض لإمكان مناقشة مجلس الامن الدولي خيار اعلان مرجعيات المفاوضات واصداره بيانا يتضمن مطالبة الطرفين بمعاودة المفاوضات لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران 1967 وايجاد حلول في المفاوضات لاي مشكلات تحقق هذا الهدف. كما يبحث الفلسطينيون مع فريق اميركي برئاسة  المبعوث الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل في مشاركة المنسق السابق لعملية السلام دنيس روس في خيارات اخرى بينها اعلان رئاسي اميركي يعين مرجعيات المفاوضات والخط الجغرافي لها من دون تحديد مسبق للحدود النهائية بين الدولتين والدعوة الى مفاوضات مكثفة ذات جدول زمني  يتناسب مع استكمال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة ( خلال سنتين).

وقبل ذلك يحتاج الفلسطينيون الى الرد على الحملة الاسرائيلية لوضعهم في الزاوية من طريق برامج ومقترحات تعزز علاقاتهم مع المجتمع الدولي، وعدم ترك الحلبة الدولية لاسرائيل. ومن بين هذه البرامج ازالة عدم اليقين فيما يتعلق بمستقبل الرئيس عباس السياسي الذي ربط ذلك بمصير العملية السياسية، واعلانه عدم الترشح لأي انتخابات رئاسية مقبلة، وتهديده باتخاذ خطوات اخرى لم يفصح عنها. وثمة نية لدى المجلس المركزي لمنظمة التحرير ان يقرر بعد ايام قليلة  تجديد الثقة  بعباس وسياساته وتكليفه مع المجلس التشريعي الحالي مواصلة ولايته الى حين اختيار خلف له عبر انتخابات تجرى على اساس القانون الاساسي الفلسطيني، وتعيين موعد لاجراء الانتخابات لا يتجاوز 28 حزيران المقبل باعتباره موعدا جرى التوافق عليه مع حركة المقاومة الاسلامية "حماس" ونصت عليه الورقة المصرية للمصالحة.

معركة عباس على تغيير نهج المفاوضات مع اسرائيل ليست انقلابا على المفاوضات، بل تصحيح لها. ومصير عباس السياسي مرتبط بنجاح الفلسطينيين في هذه المعركة لا بأي امر آخر.

 

رام الله – من محمد هواش

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.