أوروبا ضد السلام: من يدفع الفلسطينيين إلى التطرف؟

0
68

عندما نتابع المبادرة السويدية للاعتراف الأوروبي بشرقي القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، لا بد أن نستذكر انها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها إسرائيل محاولة أوروبية لتقويض مكانة العاصمة.

فقبل عشر سنوات، وفي الرابع من أيار 1999، كان اتفاق أوسلو الانتقالي على وشك الانتهاء، وفكرت السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات بالإعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد. وكلما اقترب الموعد المحدد، كلما تزايد التردد في أوساط القيادة الفلسطينية إزاء أصل الإعلان الأحادي الجانب، وإزاء حدود تلك الدولة.

أبو علاء، أحد مهندسي اتفاقات أوسلو، كتب في الصحيفة الفلسطينية " الحياة الجديدة" في 21 كانون الأول 1998، أن أُسس الدولة الفلسطينية قد وُضعت، لا سيما موضوع الحدود التي تحددت في قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 181، اي خطة التقسيم التي أُقرت في تشرين الثاني 1947.

بحسب القرار 181، تم تعريف القدس كلها ككيان دولي لمدة عشر سنوات يخضع لإدارة الأمم المتحدة، وبحيث إنه في نهاية تلك الفترة سيكون في وسع سكانها التصويت حول ضمها إلى الدولة اليهودية أو العربية التي كان يُفترض أن تقوم. هذا الكيان الدولي سُمي بالإسم اللاتيني "Corpus Separatum" – أي جسم منفصل.

في الأول من آذار 1999، عندما كانت ألمانيا تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، بعث سفيرها في إسرائيل "مذكرة شفهية" إلى وزراة الخارجية الإسرائيلية جاء فيها أن الاتحاد الأوروبي " يصادق على موقفه المعروف إزاء الوضع القائم الخاص للقدس كجسم منفصل". وفي غضون أيام معدودة، اقتُبس عن أبي علاء قوله في الصحيفة الرسمية للسلطة الفلسطينية " الأيام"، أن الرسالة الأوروبية " تؤكد أن القدس بقسميها، الغربي والشرقي، أرض محتلة".

هكذا تسبب الأوروبيون في الواقع بتطرف الموقف الفلسطيني. ياسرعرفات بدأ الحملة للاعتراف الدولي بالقرار 181 كأساس للدولة الفلسطينية- من دون أي ذكر للقرار 242. وأثناء تواجد عرفات في نيويورك، أرسل ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، ناصر القدوة، رسالة إلى الأمين العام كوفي عنان، طلب فيها من إسرائيل "أن توضح للمجتمع الدولي الخطوات التي اتخذتها بصورة غير قانونية لسريان مفعول قوانينها وأنظمتها على الأراضي التي احتلتها في حرب 1948، والتي تخرج عن نطاق الأراضي التي خُصتت للدولة اليهودية في القرار 181".

لكن ديبلوماسية إسرائيلية فعالة في العام 1999، دفعت منظمة التحرير إلى التراجع عن الحملة التي استندت إلى القرار 181 في مقابل القرار الأحادي الجانب لإقامة الدولة. لكن تبين أن الأوروبيين هم الذين تسببوا في تعميق الفجوات بين إسرائيل والفلسطينيين بدل أن يقوموا بجسرها.

ثمة للأوروبيين تاريخ من الإعلانات المثيرة للقلق في موضوع القدس. بدءاً من إعلان فينيسا من العام 1980، الذي رفض الخطوات الأحادية الجانب التي قامت بها إسرائيل لتوحيد المدينة بعد العام 1967 .

لكن منذ العام 2002، تحمل الأوروبيون مسؤولية جديدة كأعضاء في الرباعية الدولية- إلى جانب الولايات المتحدة، روسيا ومنظمة الأمم المتحدة- والتي هدفها مساعدة الأطراف على التوصل لحل متفق عليه للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ويعرف وزير الخارجية السويدي إعلان الرباعية الصادر في التاسع من تشرين الثاني 2008، عندما وافق الأعضاء فيها على مبدأ يفيد أن " طرفا ثالثا لن يتدخل في المفاوضات الثنائية".

الآن، من خلال تقديم " جزرة" تأييد تحويل القدس الشرقية إلى جزء من الدولة الفلسطينية، يدفع السويديون مستشاري أبي مازن إلى الافتراض أنهم إذا تخلوا عن مسار المحادثات المباشرة مع إسرائيل، فسينجحون في خلق أجواء سياسية تفضي إلى تدخل خارجي من قبل طرف ثالث لمصلحتهم. والنتيجة المباشرة هي أن السويديين أضعفوا رغبة أبو مازن في العودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الإخلال بمبدأ الرباعية تسبب في إلحاق الأذى بمصداقية أوروبا في نظر إسرائيل، ذلك أنه من ذا الذي يحتاج إلى الرباعية التي لا تستطيع أن تفي حتى بالالتزامات التي أخذتها على نفسها؟

لا يمكن تجاهل أوجه الشبه بين التداعيات الناجمة عن المبادرة السويدية الحالية على المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين مبادرة الاتحاد الأوروبي سنة 1999: بدل تسهيل الأمور أمام المحادثات، تم إثقالها وتشجيع الفلسطينيين على تفضيل المسار الأحادي الجانب.

بات من الواضح اليوم أن عناد إدارة أوباما وإصرارها على تجميد المستوطنات دفع "أبو مازن" إلى تحويل التجميد إلى شرط مسبق لاستئناف المفاوضات- وهو الشرط الذي لم يُطرح من قبل. وقد رفضت إسرائيل، وعن حق، الفكرة التي تقول أن التجميد المؤقت لعشرة أشهر يسري أيضا على شرقي القدس. وللأسف الشديد، المبادرة السويدية لن تؤدي إلا إلى جعل أبو مازن يزيد من صلابة موقفه المطالب بالتجميد في شرقي القدس، وهذا الأمر سيؤدي فقط إلى إبعاد فرص استئناف المفاوضات.

في نهاية المطاف، ليّن الاتحاد الأوروبي قليلا صيغة الاقتراح السويدي. فالدعوة إلى جعل القدس عاصمة لدولتين- لا تزال قائمة، والاتحاد عرّف خطوط 1967 في القدس، التي تنبع من اتفاقية الهدنة، كحدود دولية صلبة غير قابلة للتغيير إلا بموافقة الطرفين. هذه الصيغة من شأنها أن تؤثر على الصراع السياسي المستقبلي حول المدينة القديمة وحول مناطق أُخرى في القدس.

تستطيع إسرائيل أن تستخرج عبرة هامة من النقاش داخل الاتحاد الأوروبي إزاء مستقبل القدس. ففي الحكومات الإسرائيلية يسود المثل القائل "الأمر الملح يؤجل الأمر المهم". وهنا أيضا، الديبلوماسية الإسرائيلية انشغلت في بالمواضيع الملحة على حساب المصالح البعيدة المدى، مثل الحفاظ على القدس موحدة.

وحتى عندما يبدو أن مواقف إسرائيل تقع ضمن الإجماع، من المهم عدم القبول بتأييد العالم كأمر بديهي. لذلك من الأهمية بمكان أن يُطلق سفراء إسرائيل بصوت عال الحجج والمزاعم إزاء وحدة القدس في كل العواصم التي يخدمون فيها، وأن لا ينتظروا ساعة الأزمة. بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن المطالبة بعاصمة في شرقي القدس تحولت إلى " لازمة" يكرروها في كل مناسبة.

قبل المداولات حول المبادرة السويدية، نشأ تنظيم لسياسيين أوروبيين سابقين من أجل منح الغطاء والدعم وحث المصلحة الفلسطينية. إزاء هذا الواقع، مطلوب القيام بجهد مدروس من قبل دولة إسرائيل للدفاع عن حقوقها في القدس. هذا الأمر يجب أن يتم من خلال التأكيد على الصلة التاريخية العميقة للشعب اليهودي مع عاصمته. وإذا لم نفعل ذلك، من شأن إسرائيل أن تُعتبر كما لو أنها مستعدة للتسليم بحصول التنازلات الصعبة التي تقترحها أوروبا حتى في أوساط أصدقائها المقربين.

 

(عمل سابقا سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، ومستشارا سياسيا لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، رئيس حالي لمركز القدس للشؤون العامة)

("إسرائيل اليوم" 11/12/2009)

ترجمة: عباس اسماعيل

"المستقبل"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.