لماذا استقبلت دمشق عون قبل استقبال واشنطن سليمان ؟

0
87

يغادر بيروت اليوم السبت، الرئيس اللبناني ميشال سليمان متوجها الى واشنطن تلبية لدعوة رسمية من الرئيس باراك اوباما الذي سيستقبله مع الوفد المرافق يوم الاثنين المقبل.

ويستدل من مراجعة برامج الرحلات الخارجية لأحد عشر رئيسا لبنانيا، ان امين الجميل كان الرئيس الوحيد الذي زار واشنطن رسمياً بدعوة من الرئيس ريغان. ويقول مؤرخو تلك الحقبة ان الورطة العسكرية الاميركية في لبنان كانت الموضوع البارز في محادثات تكررت مرتين، خصوصا قبل الغاء "اتفاق 17 ايار".

الرئيس سليمان فرنجية سافر الى نيويورك لدعم موقف ياسر عرفات اثناء زيارته التاريخية للأمم المتحدة في خريف 1974. وكان هنري كيسينجر قد سعى بواسطة السفارة الاميركية في بيروت الى اقناع فرنجيه بالاعتذار عن المشاركة لأسباب تضر بسمعة اسرائيل. وكان من نتيجة هذا التدخل ان ازدادت رغبة فرنجيه بالحضور، خصوصا ان تكليفه جاء بطلب من زعماء الدول العربية. وفوجىء الرئيس اللبناني في مطار نيويورك بالمعاملة السيئة التي مارسها رجال الجمارك بواسطة كلابهم، الامر الذي أغضبه وشجعه على الغاء الرحلة. وكاد استفزاز جمارك نيويورك يحقق هدف كيسينجر لولا تدخل وزير الخارجية فيليب تقلا الذي نصحه بتجاوز هذا "المقلب" المدبر.

الرئيس الياس سركيس تلقى دعوة رسمية من واشنطن اثناء احتدام المعارك بين الميليشيات المسيحية والمقاومة الفلسطينية. وحمل الدعوة السفير الاميركي باركر يوم بلغه ان الرئيس مصرّ على الاستقالة (تموز 1978). وتمنى عليه الا ينفذ تهديده لأن فراغ الرئاسة يدخل لبنان في المجهول. وبعد توسط عدد من زعماء الدول العربية والاوروبية، تراجع سركيس عن قرار الاستقالة، مشترطا تلبية دعوة واشنطن بعد استقرار الوضع الداخلي. ولكن الوضع الداخلي الامني ازداد عنفا واضطرابا، الامر الذي منع سركيس من مغادرة القصر الجمهوري.

زيارة الرئيس رينه معوض السرية لواشنطن لم يعلن عنها في حينه لأنها تمت على هامش اجتماعات مؤتمر الطائف. وقد اقتصر اللقاء السريع مع الضيف الذي وصل على متن طائرة خاصة، على ثلاثة من كبار موظفي الادارة. ومع اغتيال الرئيس معوض، دفنت اسرار ذلك اللقاء الذي ساهم في وصوله الى كرسي الرئاسة.

الرئيس جورج بوش الاب استقبل الرئيس الياس الهراوي مع رئيس الحكومة آنذاك عمر كرامي ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني، اثناء حضورهم جلسات الجمعية العمومية في نيويورك. وفي هذا الاطار لا يجوز وصف اللقاء بأنه استجابة لدعوة رسمية من واشنطن.

اما الرئيس اميل لحود فقد اقتصرت زيارته لنيويورك على المشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية.

يُستفاد من هذه المراجعة ان دعوة الرئيس ميشال سليمان من قبل الرئيس الاميركي باراك اوباما، تندرج في خانة التعرف الى قيادات المنطقة التي تعتبر اكثر المناطق سخونة واضطرابا. صحيح ان لبنان لا يشكل حجر زاوية في عمارة دول الشرق الاوسط مثل مصر وتركيا والسعودية وسوريا والعراق… ولكن الصحيح ايضا ان دوره في مستقبل المنطقة سيكون مهما، خصوصا بعد التهديد الذي اطلقه بنيامين نتنياهو هذا الاسبوع، عندما وصف قوات "حزب الله" بأنها جيش لبنان الحقيقي. وقال في معرض التحذير "ان الحكومة اللبنانية و"حزب الله" تحولا شريكين، الامر الذي يجعلهما مسؤولين عن اي عملية عسكرية ضد اسرائيل".

هذا، وكان وزير الدفاع ايهود باراك قد هدد بتدمير البنى التحتية في لبنان مدعيا ان اسرائيل في حرب 2006 حيّدت مؤسسات الدولة واكتفت بتدمير الجسور كي تمنع وصول شحنات الصواريخ المرسلة من سوريا الى جنوب لبنان.

ومن المؤكد ان هذا الموضوع الخطير سيكون في طليعة المسائل المهمة التي سيبحثها الرئيسان خلال اجتماعهما الاثنين المقبل خصوصا ان البيت الابيض تلقى نسخة من الرسالة التي وقعها 31 عضوا في مجلس النواب والموجهة الى وزير الخارجية هيلاري كلينتون.

وتحوي الرسالة التي يقف وراء اعدادها "اللوبي اليهودي" بواسطة النائب الجمهوري مارك ستيفن كيرك والنائب الديموقراطي ستيف اسرائيل، ثلاثة مطالب:

اولا – قبل نزع سلاح "حزب اله" ووقف انتهاكاته للقرار 1701، لا يجوز ارسال المساعدات العسكرية للجيش اللبناني والمقدرة بمئة مليون دولار كما لا يجوز تمويل قوات "اليونيفيل" والمقدرة حصتها من موازنة سنة 2010 بنحو 210 ملايين دولار.

ثانيا- كثفت سوريا تزويد "حزب الله" بصواريخ متطورة ارض – ارض مما يزيد من فرص الصدام على جبهة الجنوب اللبناني بهدف تحويل الاهتمام الدولي عن مسألة البرنامج النووي الايراني. والقرينة على تأكيد الاستعداد للحرب انفجارات مستودعات سلاح تابعة لـ"حزب الله" في الجنوب، ومصادرة شحنة من الاسلحة الايرانية المرسلة الى الحزب على الباخرة "فرانكوب".

ثالثاً – نظراً الى احتمال حصول تصعيد مدعوم من ايران على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، يتعين على الادارة الاميركية التدخل لمواجهة مثل هذه الاخطار، خصوصاً بعدما تسلح "حزب الله" بصلاحيات "الفيتو" على كل قرارات الحكومة الجديدة.

مصادر ديبلوماسية في بيروت فسّرت هذه المطالب بأنها جزء من حملة الضغط على ادارة اوباما لعلها تجمد عملية تقديم السلاح للجيش اللبناني. ما فسّرتها الصحف الاسرائيلية بأنها تحضير إعلامي لتبرير الهجوم الانتقامي على مواقع "حزب الله"، وعلى البنى التحتية ومؤسسات الدولة كالمطار ووزارة الدفاع وشركة الكهرباء.

ويلتقي هذا التفسير مع تحليلات المعلقين الفرنسيين الذين يتوقعون هجوماً اسرائيلياً جوياً على مستوعات "حزب الله" بهدف استفزاز ايران ودفعها للقيام بعمل عسكري يكون المبرر لضرب منشآتها النووية. وذكرت صحيفة "هآرتس" بالاستناد الى تقرير اعده معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، ان اسرائيل ستضرب ثلث المنشآت النووية الايرانية على أمل تأخير البرنامج سنوات عدة. وفي تعليقه على هذه التوقعات، صرح وزير الدفاع الايراني أحمد وحيدي، ان بلاده مستعدة لتدمير المراكز النووية في اسرائيل اذا ما غامر نتنياهو بضرب المشروع النووي في الجمهورية الاسلامية.

يتوقع المراقبون في واشنطن ان يستعرض الرئيس أوباما كل احتمالات الحرب والسلام مع ضيفه الرئيس اللبناني ميشال سليمان. وهو يتطلع الى الوطن الصغير كصاحب دور كبير يمكن ان يساهم استقراره في نشر الاستقرار داخل منطقة الشمال الغربي من العالم العربي. وبما ان السفير الاميركي السابق في بيروت جيفري فيلتمان أصبح مساعداً لوزيرة الخارجية، فان مشروع تسليح الجيش اللبناني الذي عرضه سنة 2006 على قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان، يمكن ان يتحقق.

يومها زار فيلتمان قائد الجيش برفقة وفد عسكري جاء يبحث في حاجات الجيش ومتطلباته. ويرى فيلتمان ان الادارة الاميركية ترغب في تحديث سلاح الجيش اللبناني بحيث يستكمل حاجاته الملحة من اعتدة وذخيرة. والكل يذكر ان العماد سليمان اضطر في معركة نهر البارد الى طلب قذائف مدفعية من الرئيس بشار الاسد، لانها نفدت.

وتؤكد مصادر وزارة الدفاع اللبنانية ان الوزير الياس المر قد يسافر الى موسكو في الربيع المقبل للاشراف على تسليم عشر طائرات حربية من طراز "ميغ – 29" كانت حكومة بوتين قد أهدتها للجيش.

من أهم المسائل المطروحة للبحث بين الرئيسين الاميركي واللبناني، مسألة سلاح "حزب الله". ومع ان مبعوث أوباما الى الشرق الاوسط جورج ميتشل شرح للادارة تعقيدات الوضع اللبناني وصعوبة الطلاق بين الثورة والدولة، إلا أن المجتمع الدولي لا يفهم صيغة الديموقراطية التوافقية. وربما يضطر الرئيس سليمان الى شرح هذه الأُحجية التي وردت في خطاب القسم (25 – 5 – 2008) على النحو التالي: "ان نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة. واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها وفي احتضان الدولة كياناً وجيشاً لها، ونجاحها في اخراج المحتل يعود الى بسالة رجالها وعظمة شهدائها. إلا ان بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال يحتم علينا وضع استراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادىء، للاستفادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الاستراتيجية".

ولكن، هل يلقي "حزب الله" سلاحه في حال قررت اسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا؟

قبل سنة اعلنت المقاومة الاسلامية أنها لن تلقي السلاح قبل تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء المحتل من قرية الغجر. ولما شعرت هذه المقاومة ان الحكومة اللبنانية قد تنجح من طريق الديبلوماسية في إجبار اسرائيل على الانسحاب، اعلن "حزب الله" انه لن يتخلى عن سلاحه حتى لو انسحبت اسرائيل من لبنان. وبرر هذه الحيازة بالقول ان سلاحه سيحمي لبنان، وان دوره ليس محلياً بل اقليمي.

وفسر الفريق الداعم لدور الدولة هذه الازداوجية بأنها خروج عن منطق الشرقية، وتبرير لدور يخدم مصالح ايران وسوريا على مصلحة لبنان. ومعنى هذا في نظر المشترعين، أن الاحتفاظ بسلاح المقاومة الى ما بعد الانسحاب من الجولان وانشاء دولة فلسطينية وانتاج قنبلة نووية ايرانية وانتصار الحوثيين في اليمن… معناه العملي زعزعة الوحدة الوطنية وتدمير مقومات الدولة والعودة الى عصر الميليشيات المسلحة.

وكما كانت الاحزاب اليسارية في لبنان تصنف الدول بين "صديقة" و"عدوة" قبل انهيار المنظومة الاشتراكية، هكذا صنف "حزب الله" الدول في وثيقته السياسية. وجاءت الولايات المتحدة في مركز الصدارة باعتبارها تحمل مشروعاً يحمي اسرائيل ويجدد الاستعمار ويقوض الامكانات الروحية والحضارية والثقافية لشعوب المنطقة. وبحسب الوثيقة، فإن واشنطن هي اصل كل ارهاب، وصاحبة مشروع الرأسمالية المتوحشة. كذلك تضمنت الوثيقة تعاطفا مع كل الدول والمنظمات المعادية للولايات المتحدة.

وكان من الطبيعي ان يطرح توقيت اعلان الوثيقة بعض الاسئلة المتعلقة بزيا رة الرئيس سليمان لواشنطن، وما اذا كانت هذه الزيارة ستتم برضا دمشق أم لا؟!

الجواب تعطيه الزيارة المفاجئة التي قام بها لدمشق العماد ميشال عون، رئيس تكتل التغيير والاصلاح. وذكرت الاخبار ان الرئيس السوري بشار الاسد بحث مع العماد عون العلاقات اللبنانية – السورية والوضع الاقليمي. وترجمت جماعة 14 آذار هذا اللقاء بلغة التدخل الساخر في الشأن اللبناني بعد تدشين علاقات ديبلوماسية وصفت بأنها تؤسس لاستقلالية البلدين وقرارهما الحر. ورأت ان دمشق نقضت تعهداتها بالتزام خط محايد بين القوى اللبنانية المتصارعة على الحكم. وهكذا تحولت فريقاً منحازاً، علماً بان الفريق الذي تخاصمه بواسطة عون، لا يكن سوى المحبة والاحترام. ويرى آخرون أن عون أصبح مقياس الحرارة بالنسبة للعلاقات السورية – اللبنانية، وان الترهيب به في دمشق لم يكن أكثر من رسالة واضحة فهم فحواها البطريرك الماروني نصرالله صفير ورئيس الجمهورية ميشال سليمان!

 

 

(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)

"النهار"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.