قرار أوباما في أفغانستان يحتاج إلى دعم سياسي

0
116

لن تجدي استراتيجية الرئيس باراك أوباما العسكرية في أفغانستان نفعاً إلا إذا ترافقت مع مبادرة سياسية واضحة تهدف إلى وضع حدّ للحرب من خلال التوصّل إلى حلّ متفاوَض عليه.

 

وإذا لم يتمّ إرساء خطة سياسية طارئة لإنهاء القتال، على غرار «العلاج بالصدمة السياسية»، فالحرب التي بدأت منذ تسع سنوات ستستمر وسترتفع التكاليف ويزداد عدد الضحايا وتتسارع وتيرة تدهور أميركا الذي بدأ للأسف بوضوح على مرّ العقد الأخير.

 

وفي حال حصول ذلك، قد تتلقّى رئاسة أوباما ضربة قاضية، ما سيقوّض فرص إعادة انتخابه لولاية ثانية.

 

فما هي الاستراتيجية التي طرحها الرئيس؟ لقد وُصفت بأنها استراتيجية «التعزيز ومن ثم الخروج». وتكمن نقاط ضعفها الجوهرية في غياب أي إشارة على وجود دعم سياسي أساسي قد يوفر لها فرصة للنجاح.

 

يخطّط أوباما بحسب ما أعلنه في أكاديمية «ويست بوينت» في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) الجاري إلى إرسال 30 ألف جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان في الأشهر الستة المقبلة، وإعادتهم بعدها تباعاً إلى ديارهم بعد ثمانية عشر شهراً في صيف عام 2011. وقد أُجبرت القوات التابعة لحلف شمال الأطلسي على المساهمة بإرسال 7 آلاف جندي إضافي إلى هذا البلد.

 

تطرح هذه الاستراتيجية العديد من الافتراضات، معظمها غير واقعي. فهي تفترض أنّ إدارة الرئيس حميد كارزاي ستصبح نموذجاً للحكم الصالح وسيغدو الجيش الأفغاني والشرطة الأفغانية اللذين سيتم توسيعهما قادرين على تحمّل مسؤولية الأمن في أنحاء البلد وذلك خلال الفترة القصيرة الممتدة بين عملية التعزيز والخروج. وفي هذا الوقت، يكون الجيش الباكستاني قد روّض القبائل الموجودة على حدوده ولاحق البؤر المتبقية من المتمردين وقضى عليها.

 

وفي البلدين سيعارض الشعب الممتنّ، الذي بات يحظى بالأمن، حركة «طالبان» التي قد تقبل الهزيمة وتسلّم أسلحتها ويصبح أعضاؤها مواطنين جيّدين. بالطبع، لا يمتّ هذا السيناريو الى الواقع بأي صلة.

 

فالحقيقة المُرّة برزت هذا الأسبوع في التقارير التي أفادت بحصول تفجيرات كبيرة في مدينتي لاهور وبيشاور الباكستانيتين، ما أدى إلى مقتل 49 شخصاً وجرح كثيرين غيرهم، وتفيد الأخبار الآتية من أفغانستان عن مقتل جندي بريطاني آخر ما يرفع عدد ضحايا الجيش البريطاني إلى مئة جندي.

 

ما هي هذه القضية النبيلة التي يموت من أجلها هؤلاء الشباب؟ هذا هو السؤال الذي يتمّ طرحه باستمرار وبإلحاح في بريطانيا وفي الولايات المتحدة وفي البلدان الأخرى التي ترسل قواتها إلى الحرب الأفغانية.

 

كان يصعب سياسياً على أوباما الإعلان عن انسحاب فوري للقوات الأميركية من أفغانستان حتى لو أراد بشدّة القيام بذلك. فقد يدفع ثمن ذلك غالياً في الداخل لا سيما أن الجمهوريين والمحافظين الجدد المتشددين كانوا سينهالون عليه بالانتقادات. وفي حال شنّ تنظيم «القاعدة»، في ضربة حظ عاثرة لأوباما، اعتداءً آخر على أميركا، فسيتمّ إلقاء اللّوم على الرئيس الاميركي بالكامل وستتلطخ سمعة رئاسته. لم يكن إذاً أمامه خيار آخر سوى المغامرة على أمل أن تنجح استراتيجية التعزيز والخروج على رغم كل علامات الاستفهام المحيطة بها.

 

وفي 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون الذي عقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون خلال قمة الكومنولث في ترينيداد وتوباغو، عن استضافة مؤتمر دولي حول أفغانستان في لندن في 28 كانون الثاني (يناير) 2010. وقد أشاد بان كي مون بهذه «المبادرة التي تأتي في الوقت المناسب». إلا أن أهداف هذا المؤتمر لفّها الغموض ولا شيء يدلّ على أنها ستولّد الخطة السياسية المطلوبة في الوضع الحالي.

 

ويجب أن تترافق مغامرة أوباما العسكرية مع استراتيجية سياسية. فالمشكلة الأفغانية تعتبر مشكلة سياسية تتطلّب حلاً سياسياً. كما يقال إن الحرب تُشنّ لجعل العالم في مأمن من تنظيم «القاعدة»، غير أن هذا الأمر ليس صحيحاً. فهي تُشنّ ضد قبائل البشتون الوطنية والمعادية للأجانب التي تقدّم جنوداً تابعين لها إلى حركة «طالبان». وتعيش قبائل البشتون على جانبي الحدود الأفغانية – الباكستانية ويُقال إن عددها يراوح بين 30 و40 مليون شخص.

 

وبالفعل لا يمكن الفوز بالحرب الأفغانية لأنها تُشنّ ضد قومية قبائل البشتون، ولأن لا علاقة لها بتنظيم «القاعدة». ويبدو أن عدد أعضاء هذا التنظيم يصل إلى قرابة مئة محارب على أبعد تقدير في أفغانستان وباكستان إلا أن عقيدته انتشرت في جميع أنحاء العالم. وتكمن طريقة القضاء على هذه العقيدة في وقف قتل المسلمين، أي وقف الحرب.

 

فما هي طبيعة العلاج بالصدمة السياسية؟ في ما يلي خطة معقولة على مرحلتين. تقوم المرحلة الأولى منها على بذل جهود قصوى لإقناع الهند وباكستان والضغط عليهما من أجل التوصل إلى اتفاق حول منطقة كشمير. فقد يساهم فضّ اشتباك القوات المتبادل في تحرير الجيش وأجهزة الاستخبارات الباكستانية من اعتمادهم الكبير على الجهاديين الإسلاميين في أفغانستان، علماً أن ثمة حاجة إلى كليهما لمواجهة التأثير الهندي في باكستان ولهزيمة الجيش الهندي في كشمير.

 

وتقضي المرحلة الثانية التي تلي مباشرة المرحلة الأولى بإقناع اللاعبين الإقليميين الأساسيين المعنيين بموضوع أفغانستان مثل تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وباكستان والهند والصين بإنشاء مجموعة تواصل أفغانية. ويملك كل عضو ينتمي إلى هذه المجموعة أسبابه الخاصة التي تدفعه إلى إرساء أفغانستان مستقرة وسلمية.

 

وتقوم مهمّة مجموعة التواصل على الدعوة الى عقد مجلس القبائل (لويا جيرغا) ورعايته على أن تتمثّل فيه كل الأحزاب ومراكز السلطة وأمراء الحرب والمجتمعات الإثنية الأفغانية بما فيها حكومة كرزاي وحركة «طالبان».

 

وتكمن الأهداف الأساسية لمجلس القبائل في الإعلان عن وقف اطلاق النار في كامل افغانستان وذلك لإعادة تكوين مؤسسات البلد (ربما على أسس أقل مركزية من الوضع الراهن) ولإنشاء حكومة وحدة وطنية.

 

ومن الأفضل ألا تتمثّل الولايات المتحدة وحلفاؤها في المجلس. لكن بإمكان هذه الدول أن تتعهد بسحب قواتها حين تبدأ الحكومة الأفغانية الجديدة عملها وبتقديم بلايين الدولارات على مدى بضع سنوات من أجل إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية على أن تدير المنظمات التابعة للأمم المتحدة هذه التمويلات.

 

ويوافق الأفغان من جهتهم على التوقف عن توفير الملاذات لتنظيم «القاعدة» على رغم أن هذا الموضوع يحتاج إلى مفاوضات هادئة داخل المجلس.

 

قد يوفر حل من هذا النوع مخرجاً مشرفاً للغرب من الفخ الأفغاني. كما أنه قد يبعث طمأنينة كبيرة في نفوس الشعب الأفغاني الذي يُعتبر ضحية حرب لا نهاية لها.

 

* كاتب بريطاني متخصص في قضايا الشرق الاوسط

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.