صدمة أوروبية

0
78

في ظل عجز واشنطن عن دفع عملية السلام في الشرق الاوسط الى الامام، خطا الاتحاد الاوروبي خطوات جريئة نحو تحديد رؤية اولية لما يجب ان تكون عليه أي تسوية مستقبلية بين الفلسطينيين واسرائيل، مثل: اعتبار القدس "العاصمة المستقبلية لدولتين" فلسطينية واسرائيلية، وعدم الاعتراف بضم اسرائيل للقدس الشرقية، وعدم القبول بأي تغيير للاراضي المحتلة عام 1967. وهذا أمر لم تُقدِم عليه لا ادارة بوش الابن ولا ادارة الرئيس الحالي باراك اوباما.

صحيح ان بوش ومن بعده اوباما قالا بـ"حل الدولتين"، ألا ان أياً منهما لم يصل الى حد التقدم بمقترحات محددة خشية إغضاب اسرائيل، علماً ان الرئيس الاميركي سابقاً بيل كلينتون عرض في كمب ديفيد عام 2000 افكاراً على الجانبين تتعلق بقضايا الوضع النهائي.

ومن بعد كلينتون، غاب الاهتمام الشخصي للرئيسين اللذين خلفاه بعملية السلام، وإن كانت لكل منهما أسبابه. بوش غرق سبعة اعوام في حربي افغانستان والعراق، وأوباما الذي بالغ في إطلاق الوعود، وُوجِهَ بحكومة اسرائيلية يمينية متشددة لا تؤمن أصلاً بالسلام مع الفلسطينيين، وترى ان اهتمامها يجب ان ينصب على مواجهة ايران.

وانتجت السياسة الاميركية في الحصيلة فراغاً سياسياً في المنطقة، زاده تآكل الوضع الفلسطيني الداخلي وتفتته، وانصراف الانظمة العربية الى الانشغال بكيفية التصدي للنفوذ الايراني في المنطقة اكثر من الاهتمام بكيفية حمل الولايات المتحدة على بذل جهود جدية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

ووسط الاندفاع الاميركي في المنطقة، سُجِّل إحجام اوروبي عن القيام بدور موازٍ. واضطلع الاتحاد الاوروبي بدور الداعم للجهود الاميركية، لكن مواقفه كانت تحظى عموماً بقبول لدى الفلسطينيين والعرب اكثر مما تحظى به المواقف الاميركية، وذلك ناجم بطبيعة الحال عن التوازن الذي كانت تراعيه الدول الاوروبية لدى مقاربتها القضية الفلسطينية.

كما اضطلع الاتحاد الاوروبي بدور الممول لمؤسسات السلطة الفلسطينية التي نشأت بعد اتفاقات اوسلو. ولا تزال هذه المؤسسات تعتمد بشكل اساسي على الدعم الاوروبي. ولم يكن الدور السياسي للاتحاد متوازياً مع دوره الاقتصادي في المنطقة.

وكانت الدول العربية التي تشعر بمرارة من الموقف الاميركي، تشجع اوروبا دوماً على القيام بدور اكبر في عملية التسوية وعلى الانخراط اكثر في عملية البحث عن الحلول وعدم ترك الساحة للولايات المتحدة وحدها. إلا ان الاوروبيين كانوا يحجمون عن المضي في اعلان موقف مستقل عن الموقف الاميركي، وإن كانوا حريصين على إظهار تمايزهم عن الموقف الاميركي في كثير من الاحيان.

وقد يكون اعلان بروكسيل من قبيل التمايز عن الموقف الاميركي من دون الذهاب الى حد تبني مبادرة خاصة بهم، لأنهم يعلمون ان اسرائيل لن تقبل بدور اوروبي مستقل عن الدور الاميركي. وحتى خلال النقاشات التي سبقت صدور الاعلان كانت اسرائيل تلوح بحرمان الاوروبيين من اي دور في عملية التسوية اذا ما تبنوا مسوّدة الاعلان كما تقدمت بها الرئاسة الاسوجية للاتحاد الاوروبي. وهكذا أتى الاعلان الأوروبي تحت وطأة التهديد الاسرائيلي. وعلى رغم انه لم يرضِ الفلسطينيين بسبب التعديلات التي ادخلت عليه كي لا يغضب اسرائيل، فإنه يبقى خطوة مهمة أقدم عليها الاتحاد الاوروبي قد تكون موازية لاعلان البندقية عام 1980 الذي اعترف للشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير.

لقد قال الاوروبيون كلمتهم، لتكون الخطوة الاولى في الطريق الصحيح. وأتى اعلان بروكسيل بعد صدمة تقرير غولدستون لينزعا من اسرائيل ما تعتبره حقاً مكتسباً لها في شن الحروب وارتكاب المجازر من دون محاسبة، او في احتلال الاراضي ومن ثم ضمها. ويكتسب الموقف الاوروبي أهميته من كونه رفض الامر الواقع الذي تحاول اسرائيل فرضه منذ 1967.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.