ثقة بالحريري … أم بـ«حزب الله»؟

0
75

ستكون هناك تفسيرات كثيرة للظروف التي سمحت لحكومة سعد الحريري أن تنال الثقة النيابية بهذا الحجم العارم الذي نالته. لكن النتيجة واحدة. فبعيداً من الكلام المنمّق، دعونا نعترف أن المقاومة حقّقت لنفسها ثقة تفوق الثقة التي حققتها الحكومة. ذلك ان الثقة بالحكومة كانت طبيعية كون أكثرية النواب من صفّها، بينما الثقة بالمقاومة وسلاحها ومشروعها السياسي لم تكن مضمونة، خصوصاً أنها كانت على نقيض مع نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة، التي كانت واضحة في كشف الموقف الحقيقي لأكثرية اللبنانيين من مشروع المقاومة ومن سلاحها.

 

هكذا تحولت اعتراضات النواب على البند السادس من البيان الوزاري الى ما يشبه الاصوات التي وضعتها اكثرية اللبنانيين في صناديق الاقتراع قبل ستة أشهر، أي الى اعتراضات جوفاء لا قيمة لها. ومثلما سيخضع اللبنانيون في عهد هذه الحكومة، وفي عهود لاحقة في المدى المنظور، لما لم يختاروه ولم يصوتوا له، هكذا فعل ممثلوهم أول من أمس في ساحة النجمة. فبعد الخطب العصماء التي تفوهوا بها ونقلتها الشاشات، رفعوا في النهاية أصابعهم بالموافقة على ما اعترضت عليه أفواههم في النهار ذاته. ولهذا بات يصحّ اعتبار كلمة النائب محمد رعد رئيس كتلة «حزب الله» في المجلس النيابي هي الرد الحقيقي على استفسارات النواب واستجواباتهم. فهو قطع الشكّ باليقين مؤكداً على «استمرار حق المقاومة ودورها في الدفاع عن لبنان»، ولم يسمح له تهذيبه ان يكمل العبارة بالقول: شاء من شاء وأبى من أبى!

 

على الأقل لم يصوّت نواب لبنان هذه المرة على نص سري كما فعلوا قبل أربعة عقود عندما صوتوا بالموافقة على «اتفاق القاهرة». هذه المرة كان النص واضحاً وعلنياً في إثبات شرعية سلاح له هويته الخاصة المستقلة عن الجيش والشعب معاً، كما ورد حرفياً في النص. وليست الهوية هي الخاصة والمستقلة وحدها. بل ان ظروف استخدام هذا السلاح غير خاضعة كذلك للنقاش الداخلي، وهو ما سبق أن أوضحته الوثيقة التي أصدرها «حزب الله» بعد مؤتمره الاخير وأكد فيها ان وظيفة المقاومة «ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الاسرائيلي … ودوام غياب الدولة القوية القادرة». وطالما ان افتراض التهديد الاسرائيلي هو افتراض أبدي، ومثله غياب الدولة القادرة التي من الاسباب الطبيعية لقيامها انتفاء الحواجز المسلحة من وجهها، فإن مشروع المقاومة هو ضرورة دائمة!

 

من حق نواب «حزب الله» والناطقين الاعلاميين باسمه أن يتباهوا بنتيجة التصويت على الثقة بالحكومة، وان يعتبروا الانتقادات التي سمعناها في خطب النواب من باب مخاطبة عواطف جمهورهم، لا أكثر ولا أقل، مثلما قال مرة نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. غير انهم يبالغون، ونكاد نقول انهم لا يقرأون التاريخ اللبناني جيداً، اذا اعتبروا ان التصويت في المجلس النيابي لا يتغير بتغيّر الأمزجة والأحوال. ألم يعد هذا المجلس ذاته عن اتفاقات سبق له ان صوّت عليها، واحياناً بالاجماع؟ أليست طريقة الغاء «اتفاق القاهرة»، الذي سبقت الاشارة اليه، مثالاً قريباً لمن يشاء أن يتذكر؟

 

أما وجه المقارنة، لمن نسمعه يسأل باستغراب ودهشة، فهو في أمرين: الأول أن «اتفاق القاهرة» فُرض على اللبنانيين وعلى نوابهم رغماً عنهم، ولم يكن لهم حياله أي حَول. والثاني أنه ظل يُعتبر تشريعاً لسلاح أخذ لنفسه هوية ووظيفة طائفتين في الداخل، ولم يحظَ بالتالي بثقة واسعة بين اللبنانيين، فأدى في نهاية الامر وبالطريقة التي استُخدم بها، الى الاضرار بمصلحة المقاومة الفلسطينية قبل غيرها، وهو ما بات يعترف به قادة الفلسطينيين انفسهم اليوم.

 

من مصلحة المقاومة في لبنان أن تسعى، هي نفسها قبل معارضيها، الى تجنّب الامرين معاً: الى ازالة اللون المذهبي عن وجهها وعن وظيفتها، وهو لون صار بالغ الوضوح، ولا أدري كيف لها ان تستطيع ازالته، حتى لو شاءت. ثم السعي الى تحقيق أوسع إجماع بين اللبنانيين على أحقية سلاحها، ليس بتخويفهم منه، بل باقناعهم بجدواه، وبتفسير اسباب عجز الدولة (وهي دولة «حزب الله» أيضاً) عن الحلول مكانه.

"الحياة"

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.