السلام ومهزلة الاستفتاء

    0
    90

     

    لم تكن نتيجة تصويت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية كبيرة لصالح مشروع قانون يلزم الحكومة بإجراء استفتاء شعبي قبل أي انسحاب إسرائيلي من أراض محتلة مفاجئة لأحد، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، مثل غالبية أعضاء الكنيست، هي أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل وتعكس مواقف الشارع الإسرائيلي الذي ازداد تطرفا في السنوات الأخيرة، وهو يرفض مبدأ الأرض مقابل السلام الذي قامت عليه المفاوضات العربية-الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد في تسعينيات القرن الماضي.

     

    ولا شك أن هذا المشروع جاء ليقدم قارب النجاة لحكومة نتنياهو بعد أن وجدت نفسها محاصرة بمواقف دولية تطالبها باتخاذ مواقف عملية وإيجابية من العملية السلمية، فمواقف الإدارة الأميركية، رغم تراجع قوتها مؤخرا، تعكس رغبة أميركية واضحة في أن تقوم إسرائيل بإجراءات تسهل تطبيق حل الدولتين.

     

    والموقف الأوروبي الذي كرر تأييده منذ أيام لأن تكون القدس عاصمة للدولتين الفلسطينية والإسرائيلية يحمل في طياته اعترافا أوروبيا بسيادة فلسطينية مستقبلية على جزء من القدس يتم الاتفاق عليه من خلال المفاوضات بين الأطراف المعنية. وسوريا، باعتراف نتنياهو نفسه، أعلنت أكثر من مرة بشكل مباشر وعبر الوسيط التركي عن استعدادها لمواصلة المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل دون شروط مسبقة، لكن أي اتفاق مستقبلي مع سوريا لا يمكن أن يتم دون انسحاب إسرائيل من مرتفعات الجولان المحتلة، وهذا ما لا تريد الحكومة الإسرائيلية الحالية أن تفعله.

     

    هذه الضغوط الدولية باتجاه دفع عملية السلام، والتي تتناقض مع واقع الخريطة السياسية الإسرائيلية الحالية، شكلت مأزقا حقيقيا للحكومة الإسرائيلية الحالية، ولهذا جاء تصويت الكنيست على إجراء استفتاء قبل أي انسحاب ليقدم مخرجا في شكل قيود يتذرع بها نتنياهو في حال وجد نفسه ملزما بتقديم "تنازلات" على الأرض من أجل المضي قدما في عملية السلام.

     

    لكن هذا الاستفتاء ليس إلا مهزلة لأن إسرائيل لا تحتاج إليه أساسا،فالقرارات في إسرائيل، التي يفترض أن لديها نظاماً برلمانياً، تكتسب شرعيتها من خلال الكنيست ولا حاجة لإجراء استفتاءات إضافية. ثم إن المجتمع الدولي لا يعترف بسيادة إسرائيل على الأراضي التي احتلتها عام 1967، فكيف يمكن لإسرائيل أن تجري استفتاء حول أراض لا تمتلك حق السيادة عليها حتى في نظر أقرب حلفائها؟ إن الأمر أشبه بلص يسرق ممتلكات جيرانه ثم يقول أمام القضاء إنه يريد أن "يستفتي" أبناءه المشاركين في جريمة السرقة، والمستفيدين منها، قبل أن يعيد ما سرقه!

     

    إن مهزلة الاستفتاء التي تفتقت بها أذهان حكام إسرائيل لن تكون الأخيرة في مسلسل الاستهتار بالحقوق العربية طالما أن الموقف العربي والفلسطيني منقسم على نفسه، وطالما أن الدول العربية لا تتخذ مواقف جدية تدعم بها مبادرات مثل المواقف الأوروبية والأمريكية المعلنة.

     

    إذا أراد العرب من العالم أن يحترم حقوقهم، فعليهم أن يحترموها هم أولا.

     

                الوطن

     

    اترك تعليق

    This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.