أبعد من نوبل وأوباما

0
63

حازم صاغيّة

 

العبارتان اللتان انصبّ عليهما اهتمام العالم في خطاب باراك أوباما كانتا: أن استعمال القوّة يكون أحياناً مبرّراً أخلاقيّاً، وأنّه قد يكون لوسائل الحرب دور في الحفاظ على السلام.

 

وما ضاعف الاهتمام مناسبةُ الخطاب، أي إلقاؤه في حفل تسلّم الخطيب جائزة نوبل للسلام. وبالطبع فمفارقة الحديث عن الحرب وتبريرها، أثناء احتفال كبير بالسلم، فرصة لكثيرين كي يندّدوا بأوباما وبلجنة نوبل وجائزتها، فضلاً عن التشهير بالكذب والرياء اللذين يحكمان العالم!. فها هو الرئيس الأميركيّ يتسلّم جائزة السلام وهو لا يكتفي بالدفاع عن الحرب، بل يعزّز دفاعه بثلاثين ألف جنديّ يرسلهم إلى أفغانستان يضافون إلى آلاف الجنود الأميركيّين والأطلسيّين هناك. وها هي لجنة نوبل، وتكراراً لما قيل مراراً، تمنح الجائزة على وعود ونيّات بدل منحها مقابل إنجازات تحقّقت على الأرض.

 

والعجالة هذه لا تتّسع لمناقشة نظريّة «الحرب العادلة»، التي استندت إليها العبارتان أعلاه، وهذا علماً بأنّ الحرب لا يمكن، تعريفاً، أن تكون عادلة، فهذا تناقض في اللغة نفسها. لكنّ الحرب قد تكون اضطراراً لا مجال لتجنّبه، على غرار الحرب العالميّة الثانية والنازيّة، مما استشهد به أوباما في خطابه. وشتّان بين الفهمين: في الحالة الأولى، يُدخَل إلى الحرب بظافريّة احتفاليّة وبتمجيد بطوليّ، أمّا في الثانية فيُدخَل إليها، بعد استنفاد الديبلوماسيّة، بأسى وألم على طريقة لا حول ولا…

 

لكنْ لنلاحظ هنا تغيّراً يخترق المزاج الغربيّ الممتدّ من أوباما إلى لجنة نوبل ومنطق اشتغالها. ذاك أن طوبويّةً ما في النظر إلى العالم تسقط وتذوي، لا يخفّف من سقوطها أنّه يأتي مصحوباً بتراجع العالم الغربيّ سياسيّاً وتقديمه التنازلات هنا وهناك. فالأمران يستقرّان عند ميل عميق وخطير إلى الانعزال. بيد أن المؤكّد أنّ مثيلات «الأمّ تريزا» لم يعدن، في أغلب الظنّ، البطلات والأبطال المرجّحين لتلقّي جائزة سلام كالتي تلقّتها الراهبة المذكورة.

 

وهنا تبقى بصمة جورج بوش، الذي أخلّ بالأعراف والقوانين الدوليّة، لا سيّما في حرب العراق، كبيرة ودامغة. فالرئيس السابق كان كمن يقود شاحنة بتهوّر يحاذي الجنون، فيصيب في طريقه طفلاً هنا ويطيح مبنى هناك. إلاّ أنّه في تجواله الأخرق ذاك كشف للغرب عن عوالم لم تكن مرئيّة من قبل، عوالم تمجّد الحروب والعنف والمقاومات، وتنشدّ بحماسة الفتيان إلى نزاعات أهليّة يقتل «الأخ» فيها «أخاه» من دون رفّة جفن، وهو قد يفعل بالسكّين والساطور…، عوالم لا تقيم أدنى اعتبار لفكرة الشرعيّة الدستوريّة، يتربّع في ذراها حكّام عسكريّون ومهدويّون يظنّون السياسة صدى للغيب.

 

وهذا، في أغلب الظنّ، ما يقلّل الشعور الغربيّ بالذنب حيال الحقبة الاستعماريّة التي طوتها عقود مديدة، فلم يسفر انطواؤها إلاّ عن استقلالات متخلّفة عمّا كانه الاستعمار، عاجزة عن تبرير ذاتها.

 

وفي ما خصّ نوبل تحديداً، لا يبدو أنّ التسويات فعلت فعلها في السابق: فحين مُنحت الجائزة لأشخاص كهنري كيسينجر أو مناحيم بيغن، لم يرم ذلك إلى تنظيف ماضيهم من أعمال القتل والعنف والحروب ممّا ارتكبوا. بل الهدف كان تعيين التحوّل والتغيير اللذين يحملان قاتلاً على توقيع معاهدة سلام، ومكافأة هذين التحوّل والتغيير والحضّ عليهما. أمّا الموقف الثقافيّ المقابل فأقام في جوهر جوهريّ لا يريد الإقرار بالتحوّل ولا التزحزح قيد أنملة عن العداوات والمواضي. وهذا الوعي ما يفسّر تلك القطيعة القائمة بين وعينا والقوى الحاملة له وبين الحركات المناهضة للحرب في البلدان الغربيّة. وهذا مع العلم أنّ تلك الحركات، مهما كبرت وتضخّمت تظاهراتها، لم تعد تملك جسراً إلى السياسة والسلطة في بلدانها. ذاك أنّ غربيّين كثيرين صاروا يرون أن زمن البراءة انتهى، وأن إسقاط «الأمّ تريزا» هو وحده ما يمكن استيراده منّا. أمّا يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001 فكان، في ذاك التأويل، حدّاً فاصلاً تقرّر معه أنّهم «هم» الذين يهاجمون و»نحن» الذين ندافع.

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.