
وماذا بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة؟: عبد الله تركماني
التاريخ: Friday, July 29 الموضوع: نشرة الرأي
منذ أن وصل شارون إلى كرسي الحكم ارتكز جوهر السياسة التي
اتبعتها حكومته إلى الفصل بين الأمن والسلام
وفي هذا السياق، فإنّ الانسحاب الإسرائيلي المفترض من قطاع غزة
وشمال الضفة الغربية لا يعبر عن نضوج إسرائيل للتسوية، بقدر ما يعبر عن سعيها
للتهرب من استحقاقات عملية التسوية، وتمديد مرحلة الحل الانتقالي، والتملص من
الضغوط الدولية وترضية الإدارة الأميركية من خلال الإيحاء بتوافق خطة شارون مع "
رؤية بوش " و " خريطة الطريق ".
مع العلم أنّ هذا الانسحاب لا يمكن النظر إليه بعمق دون العودة
إلى " فلسفة الفصل العنصري "، إذ أنه يأتي متكاملا مع الانتهاء الكلي من إقامة جدار
الفصل، وهروبا من الكتلة السكانية الفلسطينية الكبرى المتجمعة على أرض قطاع غزة،
حيث يتواجد أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني على مساحة لا تزيد عن 360 كيلومترا
مربعا. فما يحلم به شارون من خلال مشروعه الأحادي هو فصل قطاع غزة عن فلسطين
التاريخية كليا وعمليا وإلحاقه إداريا بمصر، ولو تحت مسميات مخففة. ويبدو أنّ
الخطوة القادمة للتهرب من استحقاقات القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية هي توريط
الأردن إداريا في الضفة الغربية، بما يحقق التخلص من الكتل السكانية الفلسطينية
الأهم في القطاع والضفة، مع الإبقاء على السيطرة السيادية والجغرافية بيد إسرائيل.
ثم أنّ غالبية الإسرائيليين لم يعودوا يشعرون بأنّ لديهم ما
يعملونه في القطاع، فهو ليس جزءاً من " أرض الميعاد " في عرفهم. وفوق ذلك فهو ليس
جائزة وإنما عبء سياسي وأمني واقتصادي وأخلاقي، بسبب مشكلات السيطرة على مليون ونصف
المليون من الفلسطينيين الذين يفتقرون لأدنى شروط الحياة الكريمة، ما يعزز من مشاعر
الإحباط والتطرف والغضب في صفوفهم. ومشكلة القطاع أنه يفتقر لمصادر المياه كما
للموارد الاقتصادية بالقياس للضفة الغربية، لذلك فإنّ نسبة الفقر في قطاع غزة كبيرة
جداً، بسبب ارتفاع نسبة البطالة ونسبة التزايد البشري لدى الفلسطينيين فيه. وقد
تفاقم الأمر بعد الانتفاضة نتيجة الاعتمادية العالية على العمل في إسرائيل، وفي
المنطقة الصناعية في إيريتز، وكلاهما توقفا بسبب ظروف الحصار والانتفاضة والإجراءات
الإسرائيلية القاسية، التي ترمي إلى تجويع الفلسطينيين وإفقارهم وصولا لـ " تطويعهم
" من الناحية السياسية.
وهكذا، يبدو أنّ النجاح الذي حققه مشروع شارون للانسحاب من غزة
وشمال الضفة الغربية كبديل لمشروع خطة " خريطة الطريق " التي أصبحت حلاً أو قراراً
دولياً بعد تبني مجلس الأمن الدولي لها في كانون الأول 2003 تحت قرار رقم 1515، قد
بدأ يعطي ثماره، ليس لجهة أنّ المشروع ذو مغزى أعمق أو مقنع أكثر للإرادة الدولية،
بقدر ما هو يعكس سياسة القوة ومنطق الأمر الواقع والدعم الأمريكي له في كافة
المحافل.
ولعل تفحّص المشروع تبين لنا مشروعية التخوف الفلسطيني من هذه
الخطة، بالرغم من أنها توحي للوهلة الأولى بأنها تزيح عسف الاحتلال عن كاهل أكثر من
مليون ونصف من الفلسطينيين يكتظ بهم قطاع غزة، فهذه الخطة تتأسس على الركائز
التالية:
1 ـ احتفاظ
إسرائيل بالسيطرة على معابر قطاع غزة البرية، وعلى مجالها الجوي والبحري، ومعنى ذلك
أنّ قطاع غزة سيتحول إلى سجن أو إلى معزل كبير تتحكم إسرائيل بكل شاردة وواردة منه
وإليه.
2 ـ تحويل خطة
التسوية المؤقتة إلى تسوية طويلة الأمد (10 ـ 15 عاما )، مما يتيح لإسرائيل خلق
وقائع جديدة تكرس وجودها الاستيطاني والاحتلالي في الضفة الغربية، تضاف إلى عقد من
السنوات جرى تضييعه في التسويفات والمماطلات الإسرائيلية، مما يعني أنّ إسرائيل
نجحت في إطالة أمد المرحلة المؤقتة للحكم الانتقالي الفلسطيني، التي نصت عليها
اتفاقات أوسلو ومدتها خمس سنوات إلى 25 عاما!.
3 ـ انتزاع
أراضٍ جديدة من الفلسطينيين، عبر تقويض مفهوم الخط الأخضر أو خط الهدنة لعام 1949
أو خطوط حزيران 1967، باعتبارها خطوطاً معترفاً بها لتحديد حدود إسرائيل، عبر
ابتكار بدعة جديدة في القانون الدولي تتمثل بالاعتراف بسياسة الأمر الواقع بمفعول
رجعي، خارج إطار التبادل أو التوافق مع الطرف الآخر المعني.
4 ـ إضفاء
شرعية على جدار الفصل العنصري، الذي تحاول من خلاله إسرائيل توسيع حدودها بقضم
أراضٍ من الفلسطينيين ووضعهم في كانتونات في إطار السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
5 ـ تصفية
قضية اللاجئين عبر الانتهاء من حق العودة للفلسطينيين، وحصره بإمكان عودة اللاجئين
إلى الدولة الفلسطينية المفترضة، فقط.
6 ـ الإبقاء
على المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية، ولاسيما في محيط القدس الكبرى، وضمها
لإسرائيل. وكما هو معروف فإنّ تنظيم هذه المستوطنات في كتل كبيرة سيضعف التواصل
الجغرافي بين المدن الفلسطينية كما أنه سيعزز من الخطط الإسرائيلية الرامية لتهويد
القدس وإضعاف طابعها العربي.
وبالرغم من كل ذلك، فإنّ خطة شارون للانسحاب من غزة أصبحت، بفضل
الدعم الدولي وفي مقدمته الدعم الأمريكي، هي الخطة الأساسية والوحيدة المطروحة
للنقاش والتنفيذ وتراجعت خطة خريطة الطريق، ولم تعد تذكر إلا في سياق الحديث عن خطة
شارون.
وبرغم تخوفهم من خطة شارون فإنّ الفلسطينيين لا يستطيعون التنصل
من مسؤوليتهم إزاء كيفية التعامل معها. فالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، على كل
الشبهات التي تحيط به، يأتي نتيجة إخفاق إسرائيل في السيطرة على الشعب الفلسطيني،
وكنتيجة لكفاح الفلسطينيين الدامي والمرير الذي أظهر إسرائيل على طبيعتها كدولة
عنصرية استعمارية، وهذا الانسحاب يعبر عن اعتراف شارون بفشل مشروعه الاستيطاني في
غزة، كما أنه يكشف مأزق المشروع الصهيوني برمته، الذي بات يعيش هاجسه التاريخي
المتمثل بما يسمى " الخطر الديمغرافي "، وبتجسده على شكل دولة استعمارية عنصرية.
وعدا ذلك فإنّ الفلسطينيين، في قطاع غزة خصوصاً وفي الضفة الغربية عموماً، هم الذين
سيتأثرون من هذا الانسحاب، من النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية،
كما لا بد أن تتأثر مختلف جوانب العمل الفلسطيني. وهذا الأمر يفترض من القيادات
الفلسطينية مراجعة سياساتها وحساباتها وترتيب أوضاعها استعدادا لتحديات لحظة
الانسحاب من غزة، وما بعد الانسحاب من غزة.
وفي الواقع ينطوي مشهد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على
مفارقات مركبة ومعقدة. فمن جهة، حالة شعبية فلسطينية تتميز بوضوح الهدف: تحقيق
الحرية والاستقلال. ومن جهة ثانية، مزاج شعبي عربي محتقن ومُحبَط ومتوتر ومتحفز.
ومن جهة ثالثة، سلوك عربي رسمي مغرق التهافت على أي حل. ومن الناحية الأخرى، عنف
عسكري إسرائيلي متزايد، مع ارتباك سياسي بالغ وتخبط واضح.
ومشكلة الفلسطينيين أنهم في كل مرة يواجهون تحديات أصعب وأعقد
من السابق. والآن يأتي تحدي الانسحاب من غزة في ظروف داخلية وإقليمية صعبة، فالشعب
الفلسطيني مستنزف ومنهك بعد قرابة خمس سنوات من الانتفاضة. أما على الصعيد الإقليمي
فإنّ الوضع العربي منشغل بتداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق. لذا من الصعب على
الفلسطينيين مواجهة التحدي الشاروني الجديد في حال استمروا في طرقهم وفي أوضاعهم
الحالية.
ومن هنا تبدو أهمية الانتباه إلى أنّ أوساطاً كثيرة من مثقفي
وسياسيي العالم، سواء أكانت ليبرالية أم يسارية أم مستقلة، تبدو لها فكرة المحافظة
على إسرائيل دولة يهودية حصراً ومعرّفة بالدين اليهودي فكرة مقيتة، وهو المقت نفسه
الذي يمحضونه لفكرة الدولة الدينية. ويرى هؤلاء وأولئك أنّ " فكرة وجود إسرائيل "
بمسوغات دينية لا تستحق كل الجهد والدماء والأموال والأثمان الباهظة التي تدفعها
شعوب وجماعات هنا وهناك. فالمحصلة النهائية هي إسناد دولة قائمة على مبادئ عنصرية
وعلى حساب شعب آخر، الأمر الذي لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. لذلك فإنّ أي حل يقوم
على التساوي في المواطنة والإنسانية والتخلص من العنصرية الصهيونية سيلقى تأييدا
واسع النطاق.
ويصل هؤلاء وأولئك إلى قناعة أنّ الوقت قد حان تماماً لصفقة
شاملة لإنهاء الصراع يطرحها تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة. إذ أنّ الفكرة
القائلة أنّ لا سبيل إلي حل الأزمة الحالية سوى الخطوات التدرجية أو الانتقالية
مناقضة تماما للخبرة المكتسبة من العقد الماضـي. فقد جاءت كل الخطوات التي اتخذها
الفلسطينيون والإسرائيليون منذ 1993 علي شكل انتقالي - من اتفاقات أوسلو نفسها إلي
الاتفاقات المؤقتة في 1995 إلي اتفاق الخليل في 1997 إلي مذكرة " واي ريفر " في
1998 - لتكشف عن النواقص الخطيرة التي اكتنفتها. من هنا لا يمكن لاتفاق مرحلي جديد
أن يصلح من النواقص المتأصلة في طبيعة التوجه المرحلي، فهو لن يعيد بناء الثقة، ولن
يقود إلي اتفاق سياسي قابل للبقاء، كما أنه سيستهلك جهداً سياسياً كبيراً علي
الصعيدين المحلي والدولي.
ومن هنا، يرى أولئك المثقفون والسياسيون أنّ المطلوب للتغلب علي
هذا المأزق هو عملية مبتكرة، تقتضي التدخل النشيط للمجتمع الدولي، من خلال تقديم
رزمة تلقي صدى وتجاوباً لدي كلا الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، إذ تعالج مخاوفهما
واهتماماتهما وتبين أنّ وسيلة ما للخروج من المأزق ممكنة فعلا.
لقد نجح الفلسطينيون في سياسة ضبط النفس في مواجهة السياسة
الإسرائيلية الاستفزازية، ولكن هذه السياسة مرهونة بتحقيق إنجازات فلسطينية وتغيير
شروط الناس والاقتراب من الحقوق الفلسطينية، وليست مجانية كما تعتقد إسرائيل. فحالة
التعب التي يعيشها الفلسطينيون اليوم، لا تعني بحال من الأحوال " الاستسلام " كما
تحاول أن تصورها إسرائيل لنفسها، فهي محاولة فلسطينية جديدة وجدية لاختبار طريق
المفاوضات مرة أخرى مع إسرائيل، وطرق باب السلام مرة أخرى. ولأنّ إسرائيل الطرف
الآخر في هذه المعادلة فإن السياسة التي تمارسها، تتناقض مع السياسة التي ينتهجها
الفلسطينيون اليوم عبر المفاوضات، بل تسعى إسرائيل إلى تعطيل هذا المسار، ووقف
الزحف الفلسطيني اتجاه " خريطة الطريق "، وجاءت خطة شارون بالانسحاب الأحادي لوقف
تداعياتها. وبالتالي كل السياسة الإسرائيلية تقوم على قطع الطريق على أي أفق
فلسطيني للوصول إلى إنجازات عن طريق المفاوضات، ما يعني أن السياسة الإسرائيلية
تعيد الأوضاع في الأراضي الفلسطينية إلى ساعة الصفر التي تنتظر لحظة الانفجار،
وبذلك تؤسس السياسة الإسرائيلية إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة، تكاد تكون محتومة.
"نشرة الرأي 44"
|
|