هل قرأت جوزف اليوم ؟: فادية حطيط
التاريخ: Wednesday, February 28
الموضوع: مقالات من الصحافة


حينما اعتقدنا ان الحرب انتهت، قامت الدولة بزرع الأشجار على حفاف الطرق. في وسط البلد وعلى حافتي جسر فؤاد شهاب وحوالي برج المر. فرحت وقتها كثيرا. قلت في نفسي إن بلدي يعيش. وإن دولتي تهتم بناسها.

ولكي أضمن ان يكون لي أحفاد في لبنان، صرت أزيد في ما أقدمه لأولادي من تنشئة وطنية. مهما كان الكلام ولأي شيء رمى كنت انهيه بأن بلدنا جميل. وبعض الأمور التي كرست نفسي لها في صغرهم أخذت أشدد عليها أكثر. اللغة العربية مثلا كانت بالنسبة لي العمل الأول. وعلى الرغم من كل ما قامت به مدارسهم ووسائل الإعلام لجعل العربية لغتهم الثانية أو الثالثة، إلا أني جعلتها لا تفلح. دائما كانوا يحبون هذه اللغة. وأنا أطمئن. من أحب لغته، سيحب أهله، ويعود إليهم. ثم دخلت من باب آخر. داورت على الاتفاق الضمني مع زوجي على أن تكون تربيتنا لأولادنا غير دينية. فعلمتهم سراً قراءة الفاتحة. قلت يحتاجونها إن زاروا قبور أجدادهم، ويحتاجونها ربما إن طلبوا اطمئناناً عز عليهم يوماً. وقلت أيضا انها ربما تكون مفتاحاً لثقافة ينتمون إليها، فيدخلون منها إلى حيث يشاؤون. وأنا أطمئن. من أحب ثقافته، سيحب أهله، ويعود إليهم. ولمزيد من الضمانة، وددت أن يكون لديهم عزّ الانتماء لما هو عربي وكرامته. لذا كلما اتصل ابني مهدي من أميركا، اسأله هل قرأت جوزف سماحة؟ اسأله وكلي ثقة، بأن نص جوزف سيخاطب عقل إبني، ذلك الذي لن يكفيه ما أقوله من وجدانيات حول العروبة، وأقتنع بأن نصه سيخاطبه عقلانياً، ويقدم له الحجج والتحليل السلس الواضح المسنود إلى المعلومات، ويستطيع بذلك ان يكون على مستوى النصوص التي يقرأها إبني في المصادر العالمية. وسيقوده بالأدوات المعرفية الحديثة الى ما أريد أنا بالوجدان أن يصل إليه. وأنا أطمئن. من شعر بالفخر والاعتزاز بانتمائه السياسي العربي، سيحب أهله، ويعود إليهم. أنا لم أخبر جوزف يوماً مدى ما يقدمه لي من مساعدة. لم أعرف أنه سيغيب. كلما التقينا في منزل حسن وندى، كانت تستغرقني وسامته وميله إلى الصمت وشيء من الابتعاد في شخصيته. كنت أنسى أن أخبره بأني أوكلت له أمر الاعداد السياسي لابني. والآن أنا آسفة وحزينة وخائفة. آسفة لإنني لم أقل لجوزف إنه ليس إبن الجيل الخمسيني فقط لكي يرحل معه، وإن جيل الشباب العشريني يحتاج إليه كثيراً، يحتاج إلى قلمه ويحتاج أساساً إلى نموذجه. شخص عارف واثق غير تابع حتى لمن يتفق معهم. عقلاني مثقف مفكر. أنيق وسيم رشيق. ودود هادئ ومتحفظ. وأنا حزينة للرقة الآخذة بالنقصان في بلدنا الذي كان جميلاً في أحد الأيام، أو ربما في مخيلتنا فقط. فالعنف المتمادي في هذا البلد يأخذ أجمل الناس. لقد أخذ جوزف سماحة، وكان قبل ذلك أخذ حنان زوجة اخي وصديقتي ورفيقة صباي التي ماتت كمداً بعد مقتل الحريري. وأخذ مي غصوب السيدة المثقفة والمبدعة التي ربما ظنت ان لبنان ما عاد يتسع لشغفها. وأخذ إيليا حريق ذلك الصديق الرائع والمفكر اللامع صاحب الضحكة الأحلى، الذي ما عاد يجد في لبنان ما يستحق أن يحلم به. وأنا خائفة لأني لا أريد ان يعود ابنائي إلى لبنان. وهذه الشجيرات لم تعد تهمني، خذوها....   استاذة جامعية "النهار"  





أتى هذا المقال من موقع الرأي
http://arraee.com/

عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://arraee.com//modules.php?name=News&file=article&sid=18637