لم يكن غريباً ولا مفاجئاً تركيز وزيرة الخارجية الأميركية هجومها السياسي على إيران بوصفها المحور المناهض للسياسة الأميركية. لكن الغريب في تصريحات السيدة رايس إعلانها عن جبهة عربية من <قوى الاعتدال والديموقراطية> في
قد يكون مفهوماً القلق العربي من نمو قوة إقليمية على حدودهم لكن من غير المفهوم أن يسقطوا الخطر الإسرائيلي من
حسابهم كما تدعو رايس. فمهمة جبهة <الاعتدال العربي> أن تساهم في إسقاط خيار الشعب الفلسطيني المتمثل اليوم بحكومة <حماس> ومواجهة المقاومة اللبنانية المتمثلة ب<حزب الله> وتشديد <العزلة> على سوريا، لأن هذه مواقع مرتبطة <بالتطرف الإيراني>.
يأتي توقيت هذا الكلام متزامناً مع مبادرة الجامعة العربية لتحريك عملية السلام من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يكن لهذه المبادرة من أثر في أحاديث رايس الثلاثة عن المنطقة.
أميركا التي احتلت العراق على وقع أناشيد الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، والاعتذار عن تاريخها في <دعم أنظمة الاستبداد> صارت اليوم حاضنة لدول تبارى المسؤولون الأميركيون في الدعوة لتغييرها وتغيير ثقافتها. لم تفقد الولايات المتحدة صورتها اليوم كمحرّك ضروري لنشر الديموقراطية، بل تحولت قوة دعم للسياسات المحافظة ومقاومة نتائج المسار الديموقراطي في فلسطين ولبنان.
تعترف رايس بشراكتها في الحرب على <حزب الله> لكنها أوقفت الحرب حفاظاً على <استقرار الحكومة>. تدعم رايس حكومة لبنان بمعزل عن قضيته الوطنية وتنتظر التقدم للأمور عن طريق <الشرخ الحاصل في الكتلة الشيعية> والدور الذي ستلعبه القوات الدولية في جبه <التحديات>.
في جدول الأعمال الأميركي مطلوب أن ينتقل لبنان إلى معسكر <الاعتدال العربي> بقوة دفع خارجية سواء جاءت من حرب إسرائيلية أو من ضغوط عربية أو من دور سياسي ستلعبه القوات الدولية أو عن طريق <شروخ> في الكتل السياسية الممانعة.
ثمة مشروع أميركي إذاً هو الذي يدفع بتحولات المنطقة نحو حروب عربية عربية وحروب أهلية. يريد من عرب <الاعتدال> مواجهة عرب <التطرف> ومن اللبنانيين أن ينقذوا الحكومة لا أن ينقذوا الوطن، وأن يتخلوا عن مناعتهم بوجه إسرائيل حتى لو اقتضى الأمر أن يقف <الشارع مقابل الشارع> وأن تسقط الديموقراطية التي استعادها لبنان بدعم أميركي! أما تجربتنا فتقول: معسكران عربيان لا يحفظان أمة، وشارعان لبنانيان لا يصنعان وطناً.
"السفير"