هل بدأت الصورة تتضح ويتبخر الضباب الذي كان يحجب الرؤية عن بعض
قصيري البصر والبصيرة؟ وهل بدأت تتكشف حقائق ما جرى ويجري منذ جريمة اغتيال
الحريري وحتى اليوم؟
من دون توجيه الاتهامات جزافاً كما يفعل الآخرون نسأل: هل هي
مجرد مصادفات تلك الأحداث الدامية والجرائم البشعة وما تلاها من مواقف نارية
وتصريحات فجة بعيدة عن الأخلاق والتهذيب واللباقة واللياقة والتي استهدفت سورية
وأساءت وتسيء إليها؟
ما الرابط بين الجرائم والاغتيالات والتفجيرات وبين القرارات
الدولية معروفة الأهداف والجهات التي تقف خلفها وكانت وراء صياغتها، أكانت تلك
الجهات دولية أم إقليمية؟
ليس من العقل أو المنطق النظر إلى كل حادثة على أنها فعل منفرد لا
يرتبط بالذي سبقه والذي يليه، فما يجري هو سلسلة مترابطة ومرتبة بشكل دقيق للغاية،
حيث تؤدي حادثة ما إلى موقف وموقع محدد يخدم المشروع الكلي ويحقق الهدف الموضوع
مسبقاً في دوائر المحافظين الجدد الأميركيين، وطبعاً يخدم «إسرائيل» ومشروعها.
كان القرار 1559 خطوة في مخطط، وكان يرمي ليس لإنهاء الوجود
العسكري السوري في لبنان فقط، بل الأهم أنه كان يرمي إلى إنهاء المقاومة الوطنية
اللبنانية ونزع سلاح حزب الله والمنظمات الفلسطينية تمهيداً لتحييد لبنان وإلحاقه
بالمشروع الأميركي الصهيوني، وإعادة عقارب الساعة نحو الوراء عن طريق إحياء اتفاق
17 أيار، يضاف إلى ذلك تمرير مشروع توطين الفلسطينيين في الدول التي تستضيفهم بدءاً
بلبنان.
في إطار هذا المخطط الرهيب المحبوك بعناية ولكن بخُبث لا يمكن
لعاقل إهمال أصغر الأمور، فضلاً عن أكبرها المتمثل باغتيال الحريري وسلسلة
الاغتيالات والتفجيرات، وصولاً إلى المواقف التي بدأت بالتهجم على سورية ورسالتها
ومواقفها ورموزها، وبلغت اليوم حدّ الإساءة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية معاً،
والتنكر لإنجازات حزب الله ومحاولات الإساءة إليه التي باتت تمارس كل يوم على رؤوس
الأشهاد، في تحرك مفضوح لتنفيذ مخطط إسرائيلي قديم كان القرار 1559 رأس حربته.
بالأمس تفجرت «أزمة» جديدة تمثلت في إطلاق ثلاثة صواريخ كاتيوشا
على مستعمرة «كريات شمونا».. فكانت هذه الحادثة بمنزلة بوابة جديدة للمشروع القديم.
صرخ عدد من السياسيين اللبنانيين بأعلى صوتهم: لا لحزب الله.. لا
للمقاومة لا للفلسطينيين!! هل هي مصادفة أو خطوة في المخطط؟! وهل الكلام الذي كان
يدور في الكواليس وهمساً عن «ضرورة!» تجريد حزب الله من سلاحه، وأصبح اليوم يقال
علناً وبنوع من التشفي والاستخفاف هل هذا الكلام وليد إطلاق ثلاثة صواريخ؟ ولماذا
هذا التوقيت بالذات؟
وما الخطوات اللاحقة إذا أخذنا في الاعتبار المطالبات «الرسمية
جداً» وغير الرسمية الصادرة عن سياسيين وإعلاميين لبنانيين بإيجاد حل نهائي لسلاح
حزب الله وكذلك سلاح المخيمات الفلسطينية؟!
من السذاجة النظر إلى هذه التصريحات والمواقف على أنها صدرت بحسن
نية، أو أنها ردود على حادثة منعزلة عمّا سبقها وما يريدون أن يأتي بعدها، أو بمعزل
عن الجرائم التي شهدها لبنان وعن القرار 1559 وعن المشروع الأميركي الإسرائيلي،
فالصورة واضحة للغاية ولم يعد المشاركون في المخطط قادرين على إخفاء حقيقة دورهم
وأدواتهم وتوجهاتهم المكشوفة.
"تشرين" السورية