هذيانات حرب في لبنان عشية انقضاء القمة العربية المتعثرة: حازم الأمين
Monday, March 31
هناك قولة في لبنان مفادها أن الراغب
في دفع الوضع ال
ثمة ما هو مسكوت عنه خلف القناعة بأن
لبنان ما زال في منأى عن حرب داخلية. انه الخوف الذي يعتري الأطراف التي من
المفترض ان تشكل رأس حربة هذه الحرب المفترضة، او التي تدفع بها الجهات الراغبة في
إشعال الحرب باتجاه أهدافها المنشودة. فالقولة أعلاه تنطلق من افتراض ان «حزب
الله» غير راغب في الانجرار الى حرب داخلية. فهو لن يتمكن من الصمود في حربين،
واحدة في الداخل وأخرى على الحدود. وهذا عائق سلبي بنتائج إيجابية، أي ان زوال
الأسباب الخارجية يتيح للحزب الانخراط في حرب داخلية. أما القولة الثانية في سياق
استبعاد حرب داخلية وشيكة فتتمثل في عدم جاهزية الحليف المسيحي للجهة الراغبة في
دفع لبنان الى حرب داخلية. والمقصود هنا التيار العوني الذي يرجح المراقبون وتشير
الوقائع الى عدم قدرته على الصمود في وجه الطرف المسيحي المقابل في حال اشتعال
الشارع في لبنان. والقولة هذه بدورها تستبطن عائقاً سلبياً. فالرادع هنا هو عدم
القدرة على الصمود، وليس قناعة بأن الحرب ليست خياراً من حيث المبدأ.
إذاً الهامش الذي يتحرك فيه ذلك
الراغب في دفع لبنان الى حرب داخلية ضيق، على رغم انه هامش يتيح له إحداث قلاقل
واضطرابات قد يصعب ضبطها. فهل يعني القول إن «حزب الله» يقاوم محاولات دفعه الى
حرب داخلية، انه سيتمكن من البقاء على الحياد في حال أقدم حلفاء صغار له على
إشعالها والانخراط فيها؟ فهزيمة هؤلاء وحدهم ومن دون «حزب الله» ستكون سهلة، وهي
ستمثل هزيمة للحزب في النتيجة. والسيناريوات التي يتداولها اللبنانيون لجولات من
الاضطرابات الأمنية من دون «حزب الله»، تفضي كلها الى هزيمة سريعة لأطراف ما يسمى
معارضة في لبنان.
من المؤكد ان ثمة أطرافاً لبنانية
تستعد لجولات من الاضطرابات. مجموعات في الجبل الدرزي تسلحت في مقابل أكثرية لا
ينقصها السلاح أصلاً. وفي الشمال يتحدث «زعماء» عن قطعهم أشواطاً في مجال
الاستعداد للجولات الأولى، ناهيك عن ان سليمان فرنجية لم ينفها عندما سئل عن حقيقة
هذه المزاعم. وما زلنا طبعاً في الهامش، إذ ان ثمة إجماعاً على ان هذه القوى تحدث
اضطراباً ولا تصنع حرباً.
هذا من جهة المعارضة، أما قوى
الغالبية النيابية (14 آذار) فالتفكير عندما تُستحضر يتركز على «تيار المستقبل»،
لكن «المستقبل» يبدو حاجزاً هشاً في وجه عسكرة الطائفة السنية في لبنان. فهذه
الأخيرة تلح عليه بضرورة الاستعداد لاحتمالات الحرب، في حين يشعر التيار ان
العسكرة تعني تجاوزه الى ما هو راديكالي اكثر. الخيارات المطروحة على سنّة لبنان
في حال مباشرة الجولات الأولى من الحرب لن يكون «تيار المستقبل» من بينها، فهو
اقرب الى فرقة كشافة مقارنة بنموذج المقاتل السني في العراق أو في أفغانستان
وباكستان. وقد يشكل المستقبل ضمانة في وجه الاستعداد السني للحرب، وهو بدوره ضمانة
سلبية، إذ ان المشاعر ليست في مصلحة هذا الخيار، ودرجة الاحتقان في الوسط السني
بلغت مبلغاً راح معه قادة في تيار المستقبل يطلقون مخاوف من زحف الخيارات
الراديكالية الى منطقة نفوذهم.
«القوات اللبنانية» هي الفريق
المسيحي الذي يُفكر به في سياق توقع اشتعال جولات من الاضطراب الأمني. هذه القوات
حزب انبثق من ميليشيا كانت شديدة التنظيم، وهو على رغم الحملات الأمنية التي تعرض
لها خلال اكثر من عقد من الزمن بقي محافظاً على بنية تنظيمية تتيح له التحول من
حزب سياسي الى قوة في الشارع. الأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بهوية هذا الحزب
وبطبيعة قواعده وبمناطق نفوذه، ومنها ما يتعلق بنوع المخاوف التي تثيرها في أوساطه
احتمالات استئناف الجولات الأولى. وتحرك «القوات» في السنتين الفائتتين بقي
محكوماً بمعادلة قرار بعدم الانجرار الى حرب، وبميل قيادة هذا الحزب وقاعدته الى
استعمال الطاقة التنظيمية كقوة رادعة.
مناسبة استعراض هذه اللوحة من
المواقف والقناعات الضمنية، هي استعداد اللبنانيين لمرحلة ما بعد القمة العربية،
فالقمة سبقها شهر من الهدوء النسبي أملته الحاجة الى إنجاحها. النجاح لم يكتب
للقمة، فهي كشفت عمق الانقسام العربي حيال لبنان، وهذا الأخير مهدد بعقابين، الأول
يتعلق بمساهمته في إفشالها، والثاني اعمق ويتعلق بعدم تمكن الطرف الرئيسي في أزمته
من إحداث تحول جوهري في الموقف منه.
السيناريوات الوشيكة التي يستعرضها
اللبنانيون (من مختلف توجهاتهم) في ظل صعوبة دفع الأوضاع باتجاه حرب داخلية شاملة،
تتعلق باضطرابات «موضعية» في الأحياء والشوارع، وباستئناف مسلسل الاغتيالات، مع
تحديد قد لا يكون دقيقاً لهوية المستهدفين. وتشمل السيناريوات أيضاً قضية المخيمات
الفلسطينية والمواقع العسكرية الفلسطينية خارج المخيمات، واحتمالات استهداف الجيش
اللبناني (المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحظى بإجماع الأطراف الداخلية).
يقال، مثلاً، من الممكن الاستعاضة
بحركة «أمل» عن «حزب الله»، وبجماعات سنية راديكالية عن «تيار المستقبل»، وبأحزاب
ومجموعات مسيــــحية صغيرة عن التيار العوني. وعلى قدر ما تبدو هذه الاســــتعاضات
هشــــة، تكشف أيضاً عن الصعوبة التي تواجهها الأطراف الدافعة باتجاه إشعال حرب
داخلية، إذ ان ثمة فارقاً جوهرياً (مع فوارق أخرى كثيرة) بين زمن الحرب الأولى
(1975) وزمن الاضـــطراب الراهن. في تلك السنة شابت مشــــاعر الذاهبين الى الحرب
حماسة ورغبة، أما اليوم فالخوف يخيم على الأدوات الرئيسة المحلية للحرب المحتملة.
والخوف ليس ضمانة، بل على العكس، ربما كان سبباً.
... وهي وغيرها هذيانات كثيرة تراود
اللبنانيين عشية القمة العربية المتعثرة.
"الحياة"