باريس، من غسان تويني:
تنام علياء رياض الصلح اليوم هنيئة قرب مقام الإمام
الأوزاعي... بيروت لم تودعها بحربٍ أهلية كان "يبشّرنا" بها الرئيس
المفروض فيه دس
• • •
ولما كانت الناس بالناس تذكر... حضرني وأنا أشاهد
المراسم المتلفزة لجنازة سيّد الموسيقى الحديثة "سلاڤا روستروپوڤيتش" حديث
عن لبنان كان لنا معه في نيويورك، علياء وناديا وابني مكرم وأنا، بعدما حضرنا احدى
حفلاته الرائعات. لما قلنا له اننا من لبنان، صاح: "بعلبك"! وكان قد عزف
في بعلبك، واستطرد ان له في ذمتنا أن نعيد إحياء المهرجانات...
ومضى يقول ان الذين يقيمون مثل هذه المهرجانات، في مدينة
منذورة للشمس وآلهتها لا يمكن ان يتحاربوا.
ثم نظر الينا بصمت وقال:
"أنا أعدكم اذا قررتم استئناف المهرجانات، أن آتي
اياً تكن التضحية، واقيم السهرة الافتتاحية. ولي عليكم باسم الصداقة ألا تنسوا ذلك
ولا توجهوا الدعوة الى سواي". وهكذا كان.
تذكرتُ تلك الليلة البعلبكية، دامعاً وأنا أشاهد امس
اعادة تلفزيونية لمشهد روستروپوفيتش يعزف وحيداً أمام حائط برلين بينما كان
يتساقط، والناس من حوله في صخب وفرح ينادون بسقوط الحرب والديكتاتورية.
• • •
توجه بعد ذلك "سلافا" من برلين الشرقية مباشرة
الى موسكو التي كانت قد اضطرته الى النفي ليزور تواً الكاتب العبقري سولينتسين
الذي كان هو أيضاً في المنفى، ولما عاد جاء غورباتشيوف لزيارته ولم ينتظر ان يزوره
نبي الحرية المتعبّد للروح الروسية وحامل رسالتها الى العالم.
• • •
ويأتي امس الرئيس الروسي، القيصر الحديث، ليقبّل يد الجثمان
المسجّى في الكنيسة قبل ان يعلّق على صدره أرفع الأوسمة.
روسيا، روسيا... يا ما أعظم مفارقاتك!
بالأمس كذلك ودعت بوريس يلتسين، وجاء القيصر اياه (رئيس
المخابرات في العهد السابق ليلتسين في المانيا الشرقية) يحضر القدّاس في كاتدرائية
في جوار الكرملين الذي هزّ بوريس يلتسين أسواره ثم احتلّها سنوات... الى أن استقال
من ولايته الرئاسية الثانية، وانكفأ ولم ينظّم انقلاباً ولا استثار غضب محازبين أو
استجار – تمديداً أو تجديداً لولايته – جاراً أو "شقيقة" (!!!) أو
حليفاً.
• • •
أذكر ان الاتحاد العالمي للصحافة عقد في موسكو، في احدى
أوائل سني حكم يلتسين دورته السنوية، التي تنعقد كل سنة في عاصمة كبرى. واستقبلنا
الرئيس يلتسين في احدى قاعات الكرملين. وعندما صعد الى المنصة ليخطب، لاحظت انه
اضطرب قليلاً وبدأ خطبته من غير أن ينظر الى الأوراق التي كانت في يده. ثم قال
حرفياً (وكيف أنسى؟):
في هذه القاعة، كان "الپوليتبيرو" يعقد
اجتماعاته ايام الطاغية ستالين. وها هي تستقبلكم وأول بند في جدول أعمالكم هو
الحرية.
"أريد أن أقول لكم إننا ثرنا من أجل هذه الحرية
انتقاماً... لأننا عندما كنا نجتمع هنا في الأيام السالفة لم يكن واحدنا يتجرأ حتى
على التفكير بالحرية، ولا بحرية، خشية ان تُقرأ أفكاره فيسجن أو يعدم اغتيالاً او
بمحاكمة صورية، لا أكثر"!!!
نظرت الى المترجم الذي كان يرافقني وقلت له:
"لا يبدو لي ان هذه الكلمات هي مطلع الخطبة التي
وزعت علينا باللغة الروسية ومترجمة".
ابتسم المترجم بكآبة وقال: "صح، صح... مثل هذه
الكلمات التي قالها الرفيق الرئيس تخرج من قلبه، وكأنها امتداد للثورة. لا تكتبها،
ولا تترجمها البيروقراطية، ولو كان قد اعاد اليها نظامه حرية الفكر والقول".
• • •
عندما خرجنا من الكرملين، يومها، توجهت مع بعض الزملاء
الى الساحة التي كانت تسكن ذاكرتنا صورها... صور "الرفيق بوريس يلتسين"
وهو يقفز على ظهر دبابة للجيش الاحمر، يحوّل سيرها من التوجه لقمع الجماهير
الثائرة، ليذهب بها وبعسكرها الى "الدوما" (مجلس النواب) ليعلن قيام
الجمهورية، ويمنع حرباً أهلية.
• • •
هكذا تعطى للأمم حرياتها...
من عهد خروشوف – الذي انتظر سنوات ليكشف لمؤتمر الحزب
الشيوعي التقرير التاريخي عن فظائع العهد الستاليني، الى زمن
"البيريسترويكا" التي اعلن بها غورباتشيوف عهد الشفافية والعدالة، الى
عهد يلتسين الذي أقام الجمهورية وصولاً اليوم الى عهد پوتين تسلسل دام سنوات.
لعل قمة المفارقات الدراماتيكية في تلك السنوات كانت
مفاجأة يلتسين الثانية... يوم كان يُنقل رفات القيصر نيقولا الثاني – الذي خلعته
واغتالته مع عائلته الثورة البولشفية – الى مدافن القياصرة في جزيرة قرب مدينة
بطرسبرج، والكنيسة مترددة في "تطويب" القيصر، مكتفية بالصلاة له ولراحة
نفسه وأنفس عائلته... المفارقة – نقول – كانت وصول بوريس يلتسين واشتراكه في
الصلاة، ثم انتزاعه الميكروفون، أمام كاميرات التلفزيون التي كانت تنقل الاحتفال
الى كل انحاء العالم – ليعلن ان هذا اليوم هو بالنسبة اليه يوم التوبة وطلب
الغفران لأنه كان، هو بالذات أيام الثورة، حاكم المقاطعة التي اسر فيها القيصر
وعائلته ثم اعدموا واحداً واحداً. وهو آت الآن ليطلب السماح ويشهد بالظلم ويطلب
التقديس للحاكم الذي قتل ظلماً وعائلته البريئة الشهيدة.
والآن، يرقد يلتسين وروستروپوفيتش جنباً الى جنب في
المدافن التي تضم كبار مفكري روسيا وادبائها والفنانين والشعراء، وسائر العباقرة
كما الحكام الأحرار.
تلك هي امثولات مدينة بطرسبرج المقدسة. فهل في لبنان
(وعالمنا العربي) من لم تأكل ضمائرهم عفونة الحكم المتسلط الفاسد حصيلة الزهو
الثوري المفسد، فيثورون سلماً لتحريرنا بالكلمة والنغم؟
"النهار"